وورلد برس عربي logo

تصدع التحالف السياسي بين نتنياهو وأحزاب الحريديم

تحالف نتنياهو مع أحزاب الحريديم يواجه تهديدات جديدة بسبب خلافات حول التجنيد الإلزامي، ما يفتح الباب أمام تحولات سياسية كبيرة ويعيد رسم خريطة القوى في إسرائيل. اكتشف التفاصيل في وورلد برس عربي.

شبان حريديم يحتجون ضد التجنيد الإلزامي في إسرائيل، مع لافتات تعبر عن رفض الخدمة العسكرية للحفاظ على الدراسة الدينية.
احتج رجال يهود متشددون على الاعتقالات الأخيرة لمتهربين من التجنيد من نفس الطائفة، بالقرب من سجن بيت ليد العسكري في كفر يونا وسط إسرائيل في 24 يونيو 2026 (جاك جويز/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

منذ ما يقارب ثلاثة عقود، اعتمد رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu على أحزاب اليهود الحريديم (المتدينين المتشددين) ركيزةً أساسية في معادلة بقائه السياسي. غير أنّ هذه المعادلة تواجه اليوم ضغطاً غير مسبوق، في وقتٍ يستعدّ فيه Netanyahu لخوض واحدة من أصعب معاركه الانتخابية منذ سنوات، وذلك على خلفية النزاع المتجذّر حول التجنيد الإلزامي للشباب الحريدي في الجيش.

كشف هذا الخلاف عن شقوقٍ عميقة داخل كتلة اليمين التي يقودها Netanyahu، وأثار تساؤلات جدية حول مستقبل تحالفه مع حزبَي United Torah Judaism (UTJ) وShas، اللذين شكّلا منذ توليه رئاسة الوزراء عام 1996 من أكثر حلفائه ثباتاً واعتماداً.

قالت Pnina Pfeuffer، المديرة العامة لمنظمة المجتمع الحريدي (Ultra-Orthodox Public Organisation)، وهي هيئة مدنية تعمل داخل المجتمعات الحريدية: «ثمّة خيبة أمل وغضب حقيقيان داخل الجمهور الحريدي إزاء وضعهم الراهن».

وأضافت أنّ المستقبل السياسي لهذه الأحزاب بات ضبابياً لدرجة أنّه لم يعد «مستبعداً» أن تنضمّ إلى حكومة يقودها Gadi Eisenkot، أشرس منافسي Netanyahu منذ سنوات طويلة.

وأوضحت Pfeuffer: «Eisenkot لا يُنظر إليه باعتباره عدوّاً للحريديم»، في إشارة إلى الصورة التي يحملها الرئيس الأركان السابق في أوساط الناخبين الدينيين.

من جهته، رأى Avi-ram Tzoreff، المؤرّخ الإسرائيلي والناشط في مجال حقوق الإنسان المتخصّص في التاريخ الثقافي والسياسي والديني اليهودي، أنّ الهوّة المتّسعة بين حلفاء Netanyahu والحريديم فتحت آفاقاً سياسية جديدة.

وقال Tzoreff : «ثمّة انشقاق واضح بين الحريديم واليمين». وأضاف: «الحريديم كيانٌ سياسي يقول: نحن نموت ولا ندخل الجيش»، في إشارة إلى هتاف شائع يُرفع خلال احتجاجات الرفض.

وخلص إلى أنّ «التحالف بين أحزاب الحريديم واليمين ليس أمراً مفروغاً منه».

بل ذهب Tzoreff إلى أبعد من ذلك، إذ رأى أنّ كتلةً يقودها Eisenkot قادرة على استثمار هذه الانقسامات لتفكيك ما وصفه بـ«التحالف السياسي غير الطبيعي» بين اليمين الإسرائيلي والحريديم.

ويرى Tzoreff أنّ أحزاب المعارضة الساعية إلى هزيمة Netanyahu مطالَبة بإعادة النظر في استراتيجيتها التحالفية التقليدية. وقال: «حين تتمحور العلاقات السياسية حول مسألة تجنيد الحريديم، يصبح بناء تحالفات أوسع أمراً عسيراً». وأضاف أنّه إذا أرادت قوى الوسط واليسار الفوز بالسلطة، فعليها «إعادة التفكير في كيفية رسم حدود المعسكر السياسي بصورة مختلفة».

تصدّع التحالف

منذ شنّ إسرائيل حربها على غزة، باتت مسألة التجنيد العسكري للشباب الحريدي من أكثر القضايا السياسية إثارةً للانقسام في البلاد. فبينما جرى تعبئة مئات الآلاف من جنود الاحتياط لخوض الحرب، ظلّ الرجال الحريديم تاريخياً معفيين من الخدمة العسكرية الإلزامية، بحجة التفرّغ للدراسة الدينية في المدارس التلمودية (اليشيفات).

وقد طالت هذه الترتيبات الطعنُ منذ أمدٍ بعيد، إلا أنّ الحرب ضاعفت الضغوط الداعية إلى إنهاء الإعفاء. وأخفق ائتلاف Netanyahu مراراً في تمرير تشريع ينظّم تجنيد الحريديم، ما أفضى إلى احتجاز عشرات الشباب بتهمة التهرّب من الخدمة العسكرية، وأشعل موجة احتجاجات واسعة دعمها حزبا UTJ وShas.

العام الماضي، استقال وزراء من الحزبين من مناصبهم الحكومية احتجاجاً على فشل الائتلاف في إقرار قانون التجنيد، وإن واصلوا تعاونهم مع الحكومة في التشريعات المحورية.

وقد أجّج الملفّ الخلافاتِ داخل حزب Likud نفسه، إذ رأى عددٌ من أعضاء الكنيست أنّ السعي لتمرير قانون تجنيد جديد يمثّل تنازلاً مرفوضاً للحريديم. وقال عضو الكنيست Dan Illouz، الذي غادر Likud الشهر الماضي بسبب هذه القضية، لصحيفة Ynet الإسرائيلية إنّ الكتلة اليمينية «أصبحت ضرباً من الوثنية»، مضيفاً أنّها «تُقوّض قدرتنا على تطوير سياسة اقتصادية وأمنية يمينية»، بما في ذلك ضمان الكفاءة البشرية للجيش.

في المقابل، بات قادة الحريديم يجاهرون بالتشكيك في شراكتهم الطويلة مع Netanyahu. ففي مايو الماضي، أعلن الحاخام Dov Lando، المرجع الروحي لحزب Degel HaTorah أحد مكوّنَي UTJ، أنّ «الثقة في Netanyahu لم تعد موجودة»، مؤكّداً أنّ الحزب لم يعد «ملتزماً به».

وفي الشهر الماضي، صرّح مسؤول رفيع في Degel HaTorah لصحيفة Ma'ariv الإسرائيلية بأنّه «لم تعد ثمّة كتلة بالمعنى الحقيقي»، مشيراً إلى أنّ الحزب مستعدٌّ للتفاوض مع أيّ معسكر سياسي يلبّي مطالبه.

انقسامات أيديولوجية عميقة

لا يكشف النزاع حول التجنيد عن توتّرات داخل ائتلاف Netanyahu وحسب، بل يُضيء على انقسامات أيديولوجية عميقة حول الحروب الإسرائيلية ودور الدولة في منظور القيادة الحريدية.

وعلى الرغم من أنّ أحزاب المعارضة اليهودية تتوافق في مجملها على ضرورة تجنيد الحريديم، فإنّ المحلّلين يرون أنّ النقاش يعكس أيضاً تبايناً حاداً في المواقف تجاه حروب إسرائيل في غزة وسائر المناطق.

وقد تجلّى هذا التباين بوضوح الشهر الماضي، حين أطلق الحاخام Dov Lando، البالغ من العمر 96 عاماً، هجوماً لاذعاً غير مألوف على حركة الصهيونية الدينية التي يضطلع مؤيّدوها بدور بارز في الحرب على غزة وفي توسيع المستوطنات بالضفة الغربية المحتلّة.

وقال Lando: «يشنّون الحروب لا من أجل الإنقاذ، بل من أجل كرامة الدولة»، واصفاً الصهيونيين الدينيين بـ«الشرّ» والقتل.

استقطبت هذه التصريحات موجة إدانات من مختلف أطياف الطيف السياسي الإسرائيلي، بما فيها Netanyahu الذي قال إنّه يرفض «هذه التصريحات المقيتة».

غير أنّ هذه المواقف تنسجم مع ما يتبنّاه Lando منذ أمد. ففي العام الماضي، قال إنّ الصهيونيين الدينيين «أوقعوا كوارث مادية، لا روحية فحسب، على الشعب اليهودي»، وأنّ أفعالهم أفضت إلى حالة من الكراهية العربية لليهود «لم يسبق لها مثيل».

في المقابل، رأت Pfeuffer أنّ تصريحات Lando لا ينبغي قراءتها تحدّياً سياسياً مباشراً لائتلاف Netanyahu، قائلةً : «الحاخام Lando يُعبّر عن موقف أخلاقي من الأوضاع، لا عن موقف سياسي، والدليل أنّه لم يطالب قطّ بمغادرة الحكومة بسبب الحرب».

وأوضحت أنّ هذه التصريحات تعكس رؤية حريدية راسخة تتمايز عن العقيدة العسكرية للدولة. وأضافت: «الحريديم لا يرون هذه الحرب حربَهم»، مشيرةً إلى أنّه خلال ما يقارب ثلاث سنوات من الحرب «سارت الحياة بصورة شبه طبيعية» في المجتمعات الحريدية داخل إسرائيل والضفة الغربية المحتلّة.

أثر Ben Gvir

حتى في غياب تداعيات سياسية فورية، رأت Pfeuffer أنّ تدخّل Lando يكتسب أهمية بالغة لأنّه يُقدّم رؤيةً مغايرة للسردية الإسرائيلية السائدة حول الحرب.

وقالت: «إنّه يمثّل الاعتدال والتحفّظ، وينبع من قناعة بأنّ وجودنا في هذه الأرض ليس مضموناً وأنّنا مضطرّون للعيش جنباً إلى جنب مع أعدائنا».

وأيّد Tzoreff هذه القراءة، معتبراً أنّ تصريحات Lando تعكس موقفاً لاهوتياً متجذّراً لا تدخّلاً سياسياً تكتيكياً. وقال: «حين ترسل شخصاً ليقتل باسم كرامة الدولة، فأنت في الحقيقة ترفع المكانة اللاهوتية للدولة على حساب الدراسة التوراتية».

وأضاف: «هذا ليس كلاماً عابراً. لقد أُطلق للإعلام عمداً، وحتى إن لم يُحدث صدىً واسعاً الآن، فإنّ الهدف منه هو بناء هذا الصدى مع الوقت».

بيد أنّ موقف Lando يصطدم بتحوّل أشمل نحو اليمين داخل شريحة من الناخبين الحريديم. فوفق Pfeuffer، نجح وزير الأمن القومي Itamar Ben Gvir في اختراق قاعدة ناخبي Shas وUTJ التقليديين، ممّا يُعقّد حسابات قادة الحريديم.

وقالت: «جزء من قاعدة Shas ليسوا ناخبين حريديم بالمعنى الكلاسيكي، فقد يصوّتون لـBen Gvir أو لـLikud لأنّهم لا يعيشون الحياة الحريدية. لذلك تحتاج Shas إلى إثبات انتمائها للكتلة اليمينية وقربها من Netanyahu».

وبينما رأت Pfeuffer أنّ Shas تبقى أكثر التزاماً بائتلاف Netanyahu مقارنةً بـUTJ، أشار Tzoreff إلى أنّ الحزب انجرف تدريجياً نحو اليمين المتشدّد منذ وفاة مؤسّسه الحاخام Ovadia Yosef عام 2013.

وقال إنّ Shas «مرّت بعملية بن غفيرة (Ben Gvirization)»، مع تنامي نفوذ شخصيات دينية متشدّدة كالحاخام الراحل Meir Mazuz على توجّهات الحزب. وأضاف: «كان الحاخام Ovadia سدّاً يحول دون الانزلاق نحو اليمين»، وأنّه منذ رحيل هذا المرجع الروحي المبجَّل، باتت Shas «تعاني في رسم خطوطها الحمراء»، وأنّ «قيادة الحزب، شأنها شأن أحزاب أخرى، لا تتصرّف كقيادة بل تتصرّف لإرضاء الرأي العام».

وأشار Tzoreff إلى أنّ هذا التحوّل لا يقتصر على Shas، مستشهداً بما وصفه من تقارب متصاعد بين الحريديم وحركة المستوطنين الإسرائيليين، وبانتشار الخطاب القومي داخل المجتمعات الحريدية. وأشار كذلك إلى تعمّق العلاقة بين المستوطنين والمجتمعات الحريدية في الضفة الغربية المحتلّة، وإلى تنامي تبنّي فكرة أنّ الدراسة التوراتية ذاتها تُسهم في أمن إسرائيل.

«لكن في المقابل، ثمّة حركة قوية ترفض التجنيد العسكري»، قال Tzoreff.

ويرى Tzoreff أنّ هذا التناقض يمثّل فرصة حقيقية لأحزاب المعارضة. وقال: «دور الوسط واليسار هو تفتيت الكتلة اليمينية من الداخل». وبدلاً من استبعاد التعاون مع أحزاب الحريديم، دعا معارضي Netanyahu إلى التعامل معهم بواقعية سياسية. وأضاف: «عليهم التفكير في الشراكة مع UTJ وShas، لا انطلاقاً من تمجيد الحريديم، بل لأنّ ثمّة مساحة قابلة للتوظيف سياسياً».

أخبار ذات صلة

Loading...
مستوطنون إسرائيليون مسلحون وأسرهم في تجمع في الضفة الغربية المحتلة وسط تصاعد التوترات وتوسع المستوطنات.

الإرهاب الاستيطاني: التجسيد المعاصر للحلم الصهيوني

تاريخ الاستعمار الإسرائيلي في فلسطين يكشف كيف تحولت الأرض إلى مستوطنات يهودية عبر العنف والاحتلال، مع مصادرة حقوق الفلسطينيين. اكتشف التفاصيل وكن على دراية بالحقائق.
الشرق الأوسط
Loading...
مستوطن إسرائيلي مسلح يسير على طريق في الضفة الغربية المحتلة وسط تصاعد العنف الاستيطاني ونداءات لنشر قوة حماية دولية متعددة الجنسيات.

قوى فلسطينية وإسرائيلية تطالب بقوة دولية في الضفة الغربية

تصاعد العنف الاستيطاني في الضفة الغربية يهدد حياة الفلسطينيين وسط تقاعس الحكومة الإسرائيلية. حركة فلسطينية-إسرائيلية تطالب بقوة حماية دولية عاجلة. اكتشف التفاصيل وادعم حق الفلسطينيين الآن!
الشرق الأوسط
Loading...
جنود إسرائيليون يحملون صناديق اقتراع متنقلة استعداداً للانتخابات العامة في مواقع عسكرية خارج الحدود المعترف بها دولياً.

الجيش الإسرائيلي ينصب مراكز اقتراع في غزة و لبنان و سوريا

يبدأ الجيش الإسرائيلي نصب مراكز اقتراع في غزة ولبنان وسوريا لضمان تصويت الجنود في الانتخابات المقبلة. اكتشف تفاصيل هذه الخطوة غير المسبوقة.
الشرق الأوسط
Loading...
مهاجرون يعبرون السواحل البحرية بين المغرب وسبتة وسط أزمة الهجرة التي أثرت على استضافة كأس العالم 2030 المشتركة.

حزب في الحكومة الإسبانية يطعن في استضافة كأس العالم 2030 مع المغرب بسبب أزمة الهجرة

أزمة الهجرة عند حدود سبتة تثير جدلاً حول استضافة كأس العالم 2030 بين إسبانيا والمغرب والبرتغال. اكتشف تفاصيل الصراع السياسي وتأثيره على البطولة العالمية وكن جزءاً من النقاش الآن.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية