وورلد برس عربي logo

سر اختفاء النجوم العملاقة يكمن في النيوترينو

لماذا تختفي بعض النجوم العملاقة دون انفجار؟ دراسة جديدة تكشف أن تغيّر نكهة النيوترينو أثناء انهيار القلب النجمي قد يحدد مصير النجم بين مستعر أعظم أو انهيار صامت إلى ثقب أسود في تفسير جديد لأسرار الكون مع وورلد برس عربي.

تسلسل محاكاة لانهيار نجم عملاق وتحوله إلى ثقب أسود مع انبعاث النيوترينوات وتأثيرها على انفجار المستعر الأعظم.
رسم توضيحي يُظهر نجمًا يفشل في الانفجار كسوبرنوفا ويتحول بدلاً من ذلك إلى ثقب أسود. (حقوق الصورة: ناسا/وكالة الفضاء الأوروبية/ب. جيفريز (STScI))
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

لماذا تختفي بعض النجوم العملاقة من سماء الرصد دون أن يشهد أحدٌ انفجارها؟ ولماذا تُخلِّف بعض المستعرات العظمى نجوماً نيوترونية أخفّ وزناً ممّا تتوقّعه النماذج الفلكية؟ سؤالان ظلّا يحيّران الفيزيائيين الفلكيين لسنوات، وقد تكون الإجابة عنهما بحسب دراسة جديدة مختبئةً في سلوك جسيمٍ متناهي الصغر يُدعى النيوترينو، لا في خصائص النجم نفسه.

هذا ما توصّلت إليه Mariam Gogilashvili وIrene Tamborra، الباحثتان في الفيزياء الفلكية للجسيمات بمعهد نيلز بور (Niels Bohr Institute) التابع لجامعة University of Copenhagen في الدنمارك، في دراسةٍ محاكاتيّة نُشرت في سبتمبر بمجلّة Physical Review D. الفرضية التي تطرحانها بسيطة في ظاهرها، شديدة التعقيد في تفاصيلها: تغيّر «نكهة» النيوترينو (Neutrino Flavor) أثناء انهيار قلب النجم قد يكون هو الحدّ الفاصل بين أن يتحوّل النجم إلى مستعرٍ أعظم يخلّف وراءه نجماً نيوترونياً، أو أن ينهار بصمتٍ إلى ثقبٍ أسود دون أيّ انفجار مرئي.

النيوترينو: الجسيم الذي يحمل 99% من طاقة الانهيار

حين تستنفد النجوم الضخمة وقودها النووي وتتوقّف التفاعلات التي كانت تُبقيها منتفخة ضدّ جاذبيتها، ينهار قلبها فجأة تحت وطأة الحرارة والضغط، فتُسحق البروتونات والإلكترونات لتتحوّل إلى نيوترونات. هذه العملية تُطلق فيضاً هائلاً من النيوترينوات جسيمات نادراً ما تتفاعل مع المادة العادية لكنّها، رغم خفّتها الشديدة، تحمل تقريباً 99% من الطاقة المنبعثة عند انهيار القلب.

توضّح Gogilashvili: «النيوترينوات ليست تفصيلاً هامشياً في المستعرات العظمى. إنها تحمل بعيداً نحو 99% من الطاقة المنبعثة عند انهيار القلب، وتغيّرٌ طفيف في سلوكها قد يحدّد مصير النجم بأكمله».

بعض هذه النيوترينوات يُسخّن الطبقات المحيطة بالقلب، وإذا نجح هذا التسخين في دفع مادّة النجم إلى الخارج، ينتج انفجار مستعرٍ أعظم يُخلّف نجماً نيوترونياً كثيفاً بشكل استثنائي. أمّا إذا فشل التسخين، فلا انفجار، والنتيجة انهيارٌ كامل إلى ثقبٍ أسود. أيّ المسارين يسلكه نجمٌ معيّن ما يزال من المسائل غير المحسومة في الفيزياء الفلكية.

متى اكتُشف أنّ النيوترينوات «تُغيّر هويّتها»؟

النيوترينوات تأتي في ثلاث «نكهات»: إلكترونية وميونية وتاوونية، سُمّيت كذلك نسبةً إلى الجسيمات التي تنتج عند اصطدامها بالمادّة، ولكلٍّ منها مضاداتها التي يمكن أن تتغيّر نكهتها أيضاً. النيوترينوات الميونية والتاوونية تتفاعل مع المادّة بدرجةٍ أقلّ من النيوترينوات الإلكترونية.

اكتشف الفيزيائيون عام 1998 أنّ هذه الجسيمات يمكن أن «تتذبذب» أي تتحوّل من نكهةٍ إلى أخرى أثناء انتقالها، وهو اكتشافٌ نال جائزة نوبل في الفيزياء عام 2015. لكنّ الأهمّ لهذه الدراسة جاء لاحقاً: خلال العقد الماضي، توصّل الباحثون إلى أنّ التجمّعات الكثيفة من النيوترينوات كتلك الموجودة داخل قلب نجمٍ منهار يمكن أن تتفاعل فيما بينها ذاتياً، وهذا التفاعل الذاتي قادرٌ على إطلاق تحوّلاتٍ في النكهة داخل القلب النجمي المنهار. سابقاً، كان يُنظر إلى تغيّر نكهة النيوترينو باعتباره أثراً مهملاً في عمليات الانهيار النجمي، إلى أن قلبت هذه الاكتشافات المعادلة.

195 نجماً افتراضياً... وماذا كشفت المحاكاة؟

لاختبار هذا الأثر، حاكت الباحثتان انهيار 195 نجماً افتراضياً، تراوحت كتلتها بين تسع كتل شمسية و120 كتلة شمسية، واختبرت النماذج مواقع مختلفة داخل القلب النجمي يمكن أن يحدث فيها تحوّل نكهة النيوترينو. النتيجة كانت واضحة: إدراج تحوّل النكهة في المحاكاة قلّل عدد النجوم التي انتهت بمستعرٍ أعظم أو نجمٍ نيوتروني، وزاد في المقابل عدد الحالات التي انتهت بثقبٍ أسود.

اللافت أكثر أنّ الحساسية لهذا التأثير لم تكن موزّعة بالتساوي عبر نطاق الكتل، بل تركّزت في فئةٍ محدّدة. تقول Tamborra: «ما فاجأنا أكثر هو أنّ النجوم التي تتراوح كتلتها بين 16 و30 ضعف كتلة الشمس، وكثيرٌ منها ينفجر بسهولة في محاكاتنا المعتادة، تبيّن أنّها حسّاسة بشكلٍ خاص لفيزياء النيوترينو». وتضيف: «عددٌ كبير منها يفشل في الانفجار بمجرّد إدراج تحوّل النكهة في النموذج».

هذه النتيجة تحديداً هي ما يمنح الدراسة قيمتها التفسيرية، إذ إنّ فلكيّي الرصد سجّلوا منذ سنوات عدد مستعراتٍ عظمى أقلّ ممّا تتوقّعه النماذج النظرية، ولاحظوا أيضاً اختفاء بعض النجوم العملاقة الحمراء (Red Supergiants) وهي من أضخم النجوم المرصودة دون أن يرافق اختفاءها أيّ انفجارٍ مرئي. إذا كان تحوّل نكهة النيوترينو يمنع بالفعل بعض هذه النجوم من الانفجار، فإنّ ذلك يفسّر لماذا تختفي هذه النجوم «بصمت» لتتحوّل مباشرةً إلى ثقوبٍ سوداء. كما لاحظ الفلكيّون نجوماً نيوترونية أقلّ كتلة ممّا كانت تتنبّأ به النماذج السابقة، وهذا أيضاً يمكن أن يُفسَّر بأنّ تحوّل النكهة، حين لا يمنع الانفجار كلياً، قد ينتج نجوماً نيوترونية أخفّ وزناً ممّا كان متوقّعاً.

ما الذي ينتظر الباحثين؟

من المهمّ التوضيح أنّ هذه النتائج قائمة على محاكاةٍ حاسوبية لا على رصدٍ مباشر لتحوّل النكهة أثناء انهيارٍ نجمي فعلي؛ فتغيّر نكهة النيوترينو ظاهرةٌ يصعب رصدها مباشرةً داخل قلبٍ نجمي منهار على بعد آلاف السنين الضوئية. لذلك تخطّط الباحثتان لخطوةٍ تالية أكثر واقعية: إدراج سلوكٍ أدقّ للنيوترينوات في نماذج محاكاة ثلاثية الأبعاد للنجوم، تتتبّع كيف يبدأ تحوّل النكهة وكيف يتطوّر مع تقدّم عملية موت النجم، بدلاً من افتراض نقطة تحوّلٍ ثابتة كما في هذه الدراسة الأولية.

يبقى السؤال الأكبر مفتوحاً: أيّ النجوم الضخمة تنتهي إلى نجمٍ نيوتروني وأيّها ينهار إلى ثقبٍ أسود، دون أن يترك أثراً مرئياً؟ الإجابة الكاملة، إذا صحّت الفرضية الجديدة، لن تُقرَأ فقط في كتلة النجم أو تركيبه الكيميائي، بل في سلوك جسيمٍ يزن أقلّ من جزءٍ من مليون من كتلة الإلكترون، لكنّه يحمل معه وفق الدراسة المنشورة في مجلّة Physical Review D تقريباً كامل طاقة الانهيار، وربّما مصير النجم بأكمله. ولا يفوت التذكير بأنّ المادّة التي تتشكّل منها الكواكب والبشر أنفسهم هي نتاج نجومٍ ماتت قبل مليارات السنين، ما يجعل فهم آلية موتها الدقيقة أقرب إلى فهم أصل المادّة التي نتكوّن منها.

أخبار ذات صلة

Loading...
إطلاق أربعة صواريخ صينية من مواقع مختلفة خلال 45 ساعة، تعكس تسارع برنامج الفضاء وتطوير شبكات الاتصالات الفضائية العريضة.

الصين تطلق 4 صواريخ إلى المدار في 45 ساعة

شهدت الصين خلال 45 ساعة إطلاق أربعة صواريخ من شركات خاصة وحكومية لتعزيز شبكات الاتصالات الفضائية وتطوير تقنيات إعادة الاستخدام. اكتشف مستقبل الفضاء الصيني الآن وتابع التفاصيل!
علوم
Loading...
صورة اختبارية من كاميرا تلسكوب نانسي غريس رومان تُظهر حلقات نجمية خضراء على شكل دونات، تؤكد عمل الأداة في الفضاء قبل بدء المسح الفلكي.

نجومٌ خضراء نيون: أول صورة من تلسكوب ناسا الفضائي الجديد

تلسكوب نانسي غريس رومان يفتح آفاقاً جديدة في اكتشاف الكواكب الخارجية بدقة غير مسبوقة، مع وعد برصد أكثر من 100,000 كوكب خلال مهمته. اكتشف كيف سيغير فهمنا للكون وكن جزءاً من هذه الرحلة العلمية الرائدة!
علوم
Loading...
مخطط يوضح موقع الأرض حول الشمس عند اعتدالي مارس وسبتمبر مع توضيح محور دوران الأرض وتأثيره على الفصول.

الاعتدال الخريفي لا يحقق تساوي الليل والنهار إليك السبب

هل حقاً يتساوى الليل والنهار عند الاعتدال الخريفي؟ الواقع الفلكي يكشف أن النهار أطول قليلاً بسبب انكسار ضوء الشمس وتأثير الغلاف الجوي. اكتشف التفاصيل المثيرة وكن على اطلاع دقيق!
علوم
Loading...
اندماج ثقبين أسودين في موجات جاذبية مع تأثير عدسة جاذبية محتمل يفسر كتلة غير معتادة في ظاهرة GW231123.

الثقوب السوداء المستحيلة: النسبية تحلّ اللغز، وتكشف سرّاً أعمق

في اكتشاف غير مسبوق، كشف مرصدا LIGO عن اندماج ثقبين أسودين في "فجوة الكتلة" الغامضة، لكن تفسير العدسة الجاذبية قد يحل اللغز ويعيد تعريف فهمنا للثقوب السوداء. اكتشف التفاصيل الآن!
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية