انقطاع الطمث يبطئ تراجع المادة الرمادية في الدماغ
دراسة تكشف أن بداية انقطاع الطمث قد تبطئ خسارة المادة الرمادية في الدماغ عكس البلوغ والحمل. نتائج تعكس مرونة دماغية جديدة لكن أسبابها لا تزال غامضة. اكتشف المزيد مع وورلد برس عربي.

تكشف دراسة جديدة نُشرت في مجلة Nature Communications عن نتيجةٍ تنقلب على الافتراض الشائع بأنّ سنّ انقطاع الطمث مرحلةٌ من التراجع الصحي فقط: يبدو أنّ بداية انقطاع الطمث تتزامن مع تباطؤ خسارة المادة الرمادية في القشرة الدماغية، عكس ما يحدث في مرحلتَي البلوغ والحمل، حيث تتسارع هذه الخسارة بشكلٍ لافت. النتيجة مثيرة للاهتمام، لكنّها كما سنرى أبعد ما تكون عن جوابٍ نهائي.
ماذا رصدت الدراسة بالضبط؟
قادت الباحثة صوفي فان توف (Sophie van 't Hof)، الباحثة في علم الأعصاب المعرفي، فريقاً أجرى تصويراً دماغياً متكرراً على أكثر من 1,000 مشاركة، على مدى سنوات عدة، شمل نساءً في مراحل مختلفة: البلوغ، الحمل، ما قبل انقطاع الطمث، مرحلة الانتقال إلى انقطاع الطمث، وما بعد انقطاع الطمث. هذا التصميم الطولي أي تصوير المشاركات نفسها بشكلٍ متكرر بدلاً من مقارنة مجموعاتٍ مختلفة في لحظة واحدة يمنح النتائج قوةً إضافية، لأنه يتتبّع التغيّر الفردي عبر الزمن لا الفروق بين الأفراد.
النتائج أظهرت أنّ البلوغ والحمل يتزامنان مع تسارعٍ في خسارة المادة الرمادية القشرية، مع انخفاضاتٍ واسعة في حجم الدماغ. أما مع بداية انقطاع الطمث، فقد سُجِّل نمط معاكس تماماً: تباطؤ الخسارة المرتبطة بالعمر في حجم القشرة الدماغية، بل توقّف الخسارة الطبيعية في الحجم القشري الكلي والمادة الرمادية عند بعض المشاركات. وتقول فان توف: «بشكلٍ مفاجئ، لم يُفحَص تغيّر المادة الرمادية في الدماغ بأكمله عبر مرحلة انتقال انقطاع الطمث من قبل».
الأكثر إفادة في التصميم أنّ بعض المشاركات كنّ في مرحلة "انتقالية" بدأن الدراسة قبل انقطاع الطمث وانتقلن إليه أثناء فترة البحث. هؤلاء المشاركات لم يُظهرن التراجع الذي شهدته المشاركات اللواتي بقين في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث طوال الدراسة، ولا التراجع الذي شهدته المشاركات اللواتي كنّ بالفعل في مرحلة ما بعد انقطاع الطمث. وظلّت هذه النتيجة ثابتة بصرف النظر عن العمر، أو استخدام العلاج الهرموني التعويضي، أو عدد الأطفال. وقد تركّزت التغيّرات المرتبطة بمرحلة الانتقال في مناطق دماغية معروفة بتأثّرها بالإستروجين، وهي منطقة توجد فيها مستقبلات هذا الهرمون على نطاقٍ واسع في الدماغ.
لماذا يصعب الحديث عن "سببٍ"؟
هنا تكمن نقطة الحذر الأساسية في هذا البحث: التصوير الدماغي يكشف ارتباطاتٍ، لا علاقة سببية هرمونية، ولا حتى اتجاه هذه العلاقة. بعبارة أخرى، لا يمكن الجزم من هذه المعطيات ما إذا كان الانخفاض الهرموني هو ما يُبطئ إعادة تشكيل الدماغ، أو أنّ إعادة التشكيل الدماغي هي ما يترافق مع التغيّرات الهرمونية. كما أنّ الباحثين لم يقيسوا مستويات الهرمونات فعلياً عند المشاركات، بل اعتمدوا على تقارير المشاركات الذاتية عن مرحلة انقطاع الطمث التي يعتقدن أنهنّ فيها وهو قيدٌ منهجي يجب أخذه بعين الاعتبار قبل تعميم النتائج.
يُضاف إلى ذلك أنّ الباحثين أنفسهم لا يعرفون سبب تغيّر مسار الشيخوخة الدماغية الطبيعي مع انقطاع الطمث. وتصف فان توف صعوبة الاستنتاج بقولها: «إنّ الآثار الدقيقة لهذه النتائج أمرٌ بالغ الصعوبة». ويُقارن الفريق ما رصدوه بتفسير التغيّرات في البلوغ والحمل، حيث يُعتقد أنّ الارتفاع الحادّ في مستويات الإستروجين والبروجستيرون هرمونات ترتبط بمستقبلات دماغية قد يعكس إعادة تنظيمٍ للدماغ استعداداً لمرحلة حياتية جديدة. أما مع انقطاع الطمث، حيث تنخفض هرمونات الستيرويد الجنسية، فقد يكون تباطؤ خسارة المادة الرمادية مرتبطاً بهذا الانخفاض الهرموني، لكنّ الرابط يبقى افتراضاً لا يقيناً.
سابقة الحُصين، وحدود المقارنة
هذه ليست الدراسة الطولية الأولى التي تفحص مرحلة انتقال انقطاع الطمث بالتصوير الدماغي، لكنها الأولى التي تنظر إلى الدماغ بأكمله. الدراسة السابقة، الصادرة عام 2018، ركّزت حصراً على الحُصين (Hippocampus)، المنطقة الدماغية المسؤولة عن الذاكرة والتعلّم، وخلصت إلى تسارع خسارة المادة الرمادية في هذه المنطقة بالتحديد أثناء مرحلة انتقال انقطاع الطمث. بمعنى آخر، ثمّة تناقضٌ ظاهري بين الدراستين: الأولى وجدت تسارعاً محلياً في الحُصين، والثانية وجدت تباطؤاً على مستوى الدماغ بأكمله. يصف مؤلفو الدراسة الحالية هذا التمييز بحذر، معتبرين أنّ ما رصدوه قد يكون «تباطؤاً محتملاً في التراجع المرتبط بالعمر»، لكنهم يشدّدون بوضوح على أنّ «هذا التفسير ينبغي أن يُعامَل باعتباره مؤقتاً». ويصف الباحثون انقطاع الطمث بأنّه يُظهر درجة مميّزة من المرونة الدماغية (Brain Plasticity)، أي قدرة الدماغ على إعادة التشكّل، وإن كانت دلالات هذه المرونة بالنسبة لشيخوخة الدماغ عند النساء لا تزال مجهولة.
الفجوة الأعمق: من يُدرَس أصلاً في علم الأعصاب؟
يتجاوز أهمية هذه الدراسة نتيجتها المحدّدة إلى ما تكشفه عن فجوةٍ بنيوية في البحث العلمي نفسه: فقط بين 2 و6% من دراسات علم الأعصاب تفحص النساء حصراً، وأقلّ من 5% من هذه الدراسات تُعامل الجنس كمتغيّرٍ تحليلي. بهذا المعنى، لا تُقدّم هذه الدراسة إجابةً نهائية بقدر ما تفتح ملفاً أُغلق طويلاً على قلّة الاهتمام العلمي بدماغ المرأة عبر مراحل حياتها الهرمونية الكبرى البلوغ، الحمل، وانقطاع الطمث.
في المحصّلة، تصف فان توف الطبيعة الخاصة لانقطاع الطمث بقولها إنه «لا يُعرَّف، بعبارةٍ أخرى، بما يتغيّر» بل بما يتوقّف عن التغيّر أو يتباطأ فيه، في تناقضٍ لافت مع مرحلتَي البلوغ والحمل. هذا الوصف يفتح سؤالاً أكبر من نطاق الدراسة نفسها: هل يحمل انقطاع الطمث في طبيعته الهرمونية أثراً حمائياً غير متوقّع على الدماغ المسنّ؟ الإجابة، حتى الآن، لا تتجاوز حدود الفرضية. ما تحتاجه هذه الفرضية لتتحوّل إلى معرفةٍ سريرية موثوقة هو دراساتٌ تقيس الهرمونات فعلياً، لا تعتمد على تقارير ذاتية، وتُدرج عدداً أكبر من النساء في تصاميم علم الأعصاب الذي ظلّ لعقودٍ مُصمَّماً على قياس دماغٍ واحد افتراضي لا يمثّل نصف النوع البشري.
أخبار ذات صلة

تأثيرٌ فيزيائيٌّ عمره قرن لا يعمل كما اعتقدنا، تكشف دراسة جديدة

اكتشاف أثري في الدانوب: كنزٌ صدئ يحمل آلاف قضبان الحديد عمرها ألفا سنة

الصين تطلق 4 صواريخ إلى المدار في 45 ساعة
