المشي السريع سر حماية عظامك مع التقدم في العمر
المشي السريع ساعتان إلى ثلاث أسبوعياً يعزز كثافة العظام ويقلل خطر الكسور مع التقدم بالعمر خاصة لمن هم في منتصف العمر وذوي الوزن الصحي. اكتشف كيف تساعد هذه الحركة البسيطة في حماية عظامك مع وورلد برس عربي.

ساعتان إلى ثلاث ساعات من المشي السريع أسبوعياً، دون حاجة إلى معدّات أو صالة رياضية أو مدرّب شخصي هذل ما تشير إليه دراسة جديدة نُشرت في «المجلة الطبية البريطانية» (BMJ) كعتبةٍ فعّالة لحماية كثافة العظام مع التقدّم في العمر. الرقم المحدَّد الذي توصّل إليه الباحثون هو 600 دقيقة من وحدة MET أسبوعياً وهو مقياسٌ يجمع بين شدّة التمرين ومدّته وهو ما يعادل عملياً جلستَين أو ثلاث جلسات مشي سريع أو هرولة في الأسبوع.
الدراسة، التي أجراها باحثون صينيون، ليست تجربةً واحدة بل مراجعةً شاملة جمعت بيانات 124 تجربة سابقة شملت 18,429 شخصاً تجاوزت أعمارهم 40 عاماً. حجم العيّنة هذا يمنح النتائج وزناً إحصائياً معتبراً، رغم أنّ الباحثين أنفسهم يُقرّون بأنّ مستوى الثقة في عددٍ من التقديرات تراوح بين المنخفض والمتوسط وهو تنبيهٌ منهجي يستحقّ أن يبقى حاضراً عند قراءة أي عنوانٍ متحمّس حول النتائج.
لماذا يتفوّق المشي السريع على غيره من التمارين؟
قارن الباحثون بين فئاتٍ متعدّدة من النشاط البدني تدريبات المقاومة، اليوغا، المشي، وأشكال أخرى من التمرين لمعرفة أيّها يرتبط بأكبر تحسّنٍ في كثافة المعادن العظمية (BMD)، وهو المقياس المعتمَد لتقييم قوة العظام. وجاء المشي السريع أو الهرولة في صدارة الترتيب من حيث تعزيز صحة العظام، فيما أظهر الجمع بين التمارين الهوائية وتمارين المقاومة أداءً قوياً أيضاً، وإن اقتصر ذلك على عددٍ أقل من مناطق الهيكل العظمي.
تحديداً، تحسّنت كثافة المعادن العظمية عند ثلاث مناطق رئيسية: الفقرات القطنية، وعنق عظم الفخذ، والورك الكامل. يقول الباحثون في الدراسة: «وجدنا أنّ التمرين المنظَّم ارتبط بتخفيفٍ متواضع لكنه ذو دلالة سريرية للتراجع المرتبط بالعمر في كثافة المعادن العظمية عند الفقرات القطنية وعنق عظم الفخذ والورك الكامل». وفيما يخصّ خطر الكسور تحديداً، كانت الأدلة أقلّ وضوحاً عبر التجارب الـ124، وإن أظهر التمرين الهوائي المختلط وتمارين العقل-الجسد (mind-body exercise) بعض الارتباط بانخفاض هذا الخطر.
من يستفيد أكثر، ومن يستفيد أقل؟
من أبرز ما كشفته المراجعة هو التباين الكبير في استجابة الأفراد للتمرين نفسه. يقول الباحثون: «لاحظنا أيضاً تبايناً كبيراً في استجابة المشاركين للتمرين عبر الفئات الفرعية المختلفة». فقد كانت آثار التمرين على كثافة العظام أوضح لدى متوسّطي العمر وذوي مؤشر كتلة الجسم الصحي، بينما كانت الاستجابة أضعف لدى كبار السنّ وذوي الوزن الزائد أو السمنة. وبحسب تعبير الباحثين: «كان تأثير التمرين على كثافة المعادن العظمية أوضح لدى متوسّطي العمر وذوي مؤشر كتلة الجسم الصحي، في حين كانت الاستجابات أضعف لدى كبار السنّ وذوي الوزن الزائد أو السمنة».
هذا التفاوت لا يُقلّل من قيمة النتائج، لكنه يفرض تحفّظاً منهجياً: فالوصفة الواحدة لا تناسب الجميع، وهو ما يدفع الباحثين إلى الدعوة لصياغة برامج تمرين مُخصَّصة بحسب الجرعة ونوع النشاط، بدل الاكتفاء بتوصياتٍ عامة. يقولون في خلاصتهم: «نظراً للثقة المنخفضة إلى المتوسطة عموماً في عددٍ من التقديرات، فإنّ هذه النتائج تقدّم دعماً حذراً لدمج وصفاتٍ رياضية محدّدة الجرعة ومُصمَّمة بحسب نوع النشاط ضمن إرشادات صحة العظام».
كلفة الكسور حين تُهمَل الوقاية
السياق الذي يمنح هذه النتائج أهميتها العملية هو حجم عبء هشاشة العظام (Osteoporosis) عالمياً. الحالة تُصيب ملايين الأشخاص حول العالم، وقد تكون أوّل إشارةٍ إليها هي حدوث كسرٍ مفاجئ، وفق ما توضحه Cleveland Clinic. وفي المملكة المتحدة وحدها، يتجاوز عدد كسور الهشاشة المرتبطة بهشاشة العظام سنوياً 500,000 حالة، بحسب بيانات Royal Osteoporosis Society. وهذه الكسور ليست حدثاً عابراً: فهي قد تُفضي إلى مضاعفاتٍ صحية إضافية، بل وتُسهم أحياناً في وفياتٍ مبكرة، خصوصاً أنّ عظام كبار السنّ تحتاج وقتاً أطول للالتئام، ما يعني إقامات استشفائية أطول وفتراتٍ أطول من قلّة الحركة وكلاهما يُضعف الحالة الصحية العامة.
يربط الباحثون هذه المعطيات بجوهر الحجّة العلمية التي يقدّمونها: «التراجع المرتبط بالعمر في كثافة المعادن العظمية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بضعف قوة العظام وزيادة خطر الكسور». وهم يرون أنّ جزءاً من هذه الإصابات والوفيات المبكرة يمكن الوقاية منه عبر التمرين، مضيفين أنّ التمرين المنظَّم يمثّل «أداةً مُكمِّلة سهلة المنال واقتصادية للعلاج الدوائي، توفّر فوائد هيكليةً مستهدفة وأخرى جهازية واسعة».
ما الذي ينقص الصورة العلمية بعد؟
رغم قوّة العيّنة المجمّعة، يبقى هذا النوع من التحليلات الذي يُركِّب نتائج 124 دراسة سابقة متفاوتة التصميم عرضةً لتحدياتٍ منهجية معروفة، أبرزها اختلاف طرق قياس الجرعة الرياضية وتعريف الفئات العمرية بين تجربةٍ وأخرى. لذلك دعا الباحثون صراحةً إلى مزيدٍ من الدراسات التي تعتمد معايير أكثر اتساقاً، بما يسمح بترجمة هذه النتائج إلى توصياتٍ سريرية أكثر دقة.
بالنسبة للقارئ العادي، الرسالة العملية لا تحتاج انتظار مزيدٍ من الأبحاث لتكون مفيدة: المشي السريع أو الهرولة لمدة ساعتين إلى ثلاث ساعات أسبوعياً أي نحو 600 دقيقة MET نشاطٌ لا يتطلّب معدّات ولا اشتراكاً في صالة رياضية ولا مهاراتٍ خاصة، وهو ما يجعله خياراً واقعياً لشريحةٍ واسعة من السكان، خصوصاً متوسّطي العمر. أما تفصيل الجرعة المناسبة لكل حالة صحية فردية وبخاصة لدى كبار السنّ أو من يعانون زيادة الوزن ممن أظهرت الدراسة استجابةً أضعف لديهم فمسألةٌ تستدعي متابعةً طبية متخصّصة، لا استنتاجاً فردياً من نتائج دراسةٍ واحدة مهما بلغت متانتها الإحصائية.
أخبار ذات صلة

تغيير غذائي بسيط يعكس مؤشرات العمر البيولوجي في أربعة أسابيع

تغيّر المناخ يهدّد صحتنا: الحلول التي قد تحمينا

العلماء يكتشفون طفرة جينية نادرة تزيد بشكل كبير خطر سرطان الرئة لدى غير المدخنين
