اكتشاف كنز حديدي ضخم يغيّر تاريخ العصر الحديدي
في نهر الدانوب قرب ديِنهام اكتُشف كنز حديدي ضخم يعود للعصر الحديدي يكفي لتسليح جيش كامل. الباحثون يدرسون أصله بين حادث غرق سفينة أو طقس قديم ما يفتح نافذة على تجارة الحديد القديمة عبر أوروبا وورلد برس عربي.

في قاع نهر الدانوب، قرب قرية ديِنهام النمساوية، كان يرقد لأكثر من ألفي عام كنزٌ من الحديد يكفي لتسليح جيشٍ بأكمله. هذا ما خلص إليه فريقٌ من الباحثين بعد إعادة فحص 500 قضيب حديدي انتُشلت من النهر، ليعلنوا أنّهم أمام أكبر مجموعة حديد أثري عُثر عليها في أوروبا حتى الآن، وأكبر اكتشاف جماعي لقضبان حديدية من عصور ما قبل التاريخ في القارّة.
القصة بدأت بمحض الصدفة عام 2019، حين كان عمّال يستخرجون حصى النهر باستخدام حفّارة دلوية كبيرة، فلاحظوا بين أكوام الحصى أجساماً معدنية غريبة الشكل، مزدوجة الرأس، لا تشبه أي شيء اعتادوا رؤيته. أبلغوا هيئة الآثار النمساوية بالأمر، لتبدأ بعدها عمليات الانتشال والتحليل التي استمرّت سنوات، وانتهت بنشر دراسة علمية موثّقة في مجلة «Antiquity» يوم الاثنين 21 سبتمبر 2026، أعدّها الأثري النمساوي بيتر تريبشه من جامعة إنسبروك، والباحثة الفرنسية ماريون بيرانجيه من جامعة التكنولوجيا في بلفور-مونبيليار.
كيف يمكن لحديدٍ خام أن يسلّح جيشاً؟
الأرقام هنا تستحقّ التوقّف عندها. من أصل 500 قضيب، تمكّن الفريق من استخراج 193 قضيباً كاملاً و307 قضبان جزئية، بمتوسط طول للقضيب الكامل يبلغ 11.2 بوصة (28.5 سنتيمتراً)، ووزن يقارب 4.5 أرطال (2 كيلوغرام) للقضيب الواحد. مجموع الكتلة المكتشفة يصل إلى نحو 2200 رطل، أي ما يعادل طناً مترياً واحداً تقريباً من الحديد.
لكنّ الأهم من الوزن هو الطبيعة الوظيفية لهذه القطع: فهي ليست أسلحة أو أدوات جاهزة، بل ما يُعرف بـ"السبائك" (ingots) أو المنتجات الحديدية شبه المصنّعة، أي مواد أوّلية خشنة التشكيل كان الحدّادون يعيدون تطويعها لاحقاً إلى أشكالها النهائية. ووفق تقدير الباحثين، فإنّ الكمية المكتشفة كانت كافية لإنتاج ما يقارب 500 سيف، أو حتى 8000 مسمار حديدي. يقول تريبشه في تعليقه على الدلالة العسكرية للاكتشاف: "كان الحديد من ديِنهام كافياً لتسليح مجموعة كبيرة من المحاربين بالأسلحة."
يعود تأريخ القضبان إلى القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد، أي إلى ما يُعرف بالعصر الحديدي المتأخّر أو حقبة "لا تين" (La Tène)، وهي الفترة التي شهدت بحسب الدراسة ارتفاعاً ملحوظاً في القدرة الإنتاجية للحديد في منطقة الدانوب. يصف تريبشه حجم الصفقة التجارية المفترضة وراء هذه الكمية بقوله: "من المذهل أن تُنقَل كمية بهذا الحجم من الحديد دفعة واحدة، وأن تكون متوفّرة في صفقة تبادل واحدة خلال العصر الحديدي المتأخّر."
سفينة غرقت.. أم طقسٌ قديم؟
السؤال الذي لم تستطع الدراسة حسمه هو: كيف وصل هذا الكمّ الهائل من الحديد إلى قاع النهر أصلاً؟ الفرضية الأكثر شيوعاً في الأدبيات الأثرية، وفق ما يشير إليه الباحثان، هي أنّ "معظم الدراسات حول الاكتشافات النهرية خلصت إلى أنّ القضبان الحديدية هي خسائر ناجمة عن النقل." بعبارة أخرى، يُرجَّح أن سفينة كانت تنقل هذه الحمولة الثقيلة عبر الدانوب وهي وسيلة النقل المعتادة للبضائع الثقيلة في تلك الحقبة، قبل عصر السكك الحديدية بقرون طويلة قد غرقت قرب ديِنهام، على الأرجح وهي قادمة من منطقة تقع أعلى النهر.
غير أنّ الباحثين لا يستبعدون تفسيراً آخر، أقلّ شيوعاً لكنّه وارد: "لا يمكن استبعاد احتمال أنّ الأمر يتعلّق بترسيب طقسي متعمّد." والحقيقة أنّ التمييز بين خسارة عرضية أثناء النقل وبين فعل طقسي مقصود يظلّ من أكثر الإشكاليات تعقيداً في علم الآثار النهرية، إذ يتطلّب عادةً دراسة السياق الأصلي للترسيب بدقّة.
وهنا تكمن المشكلة الأكبر في هذا الاكتشاف تحديداً: فقد دمّرت الحفّارة الدلوية السياق الأثري الأصلي للموقع بالكامل أثناء عملية استخراج الحصى، ما حرم الباحثين من أدلة ميدانية كانت قد تحسم الجدل بين الفرضيتين. ورغم ذلك، وصف تريبشه نجاة القطع ووصولها إلى أيدي الباحثين رغم هذا التدمير بأنّه "معجزة صغيرة"، في إشارة إلى أنّ يقظة عمّال الحصى وإبلاغهم السلطات المختصة هي ما أنقذ هذا "الكنز الصدئ" من الضياع النهائي.
من أين جاء هذا الحديد؟
يبحث الفريق البحثي الآن، عبر تحليل الآثار العنصرية (elemental analysis) في عيّنات القضبان، عن إجابة لسؤال المنشأ الجغرافي لهذا الحديد. وتقدّم منطقة بافاريا الألمانية أحد أقوى الاحتمالات المرشّحة، استناداً إلى تشابه القضبان المكتشفة في ديِنهام مع قضبان مماثلة عُثر عليها سابقاً في موقع مانشينغ الأثري بألمانيا، الذي يبعد نحو 125 ميلاً (200 كيلومتر) عن موقع الاكتشاف النمساوي. هذا التشابه يعزّز فرضية وجود شبكة إنتاج وتبادل تجاري إقليمية واسعة للحديد في حوض الدانوب خلال العصر الحديدي المتأخّر، تتجاوز حدود موقع واحد أو منطقة معزولة.
تبقى نتائج التحليل العنصري النهائية هي الفيصل في تحديد ما إذا كانت بافاريا فعلاً محطة الإنتاج الأصلية، أم أنّ الحديد جاء من مصدر آخر لم يُكتشف بعد. وإلى أن تتّضح هذه النقطة، يظلّ اكتشاف ديِنهام شاهداً ملموساً على حجم النشاط الصناعي والتجاري الذي بلغته مجتمعات أوروبا الوسطى قبل أكثر من ألفي عام، في وقتٍ كانت فيه القدرة على تصنيع الحديد ونقله بهذه الكميات مؤشراً حقيقياً على قوة اقتصادية وعسكرية لا يستهان بها.
أخبار ذات صلة

تغيّرات الدماغ في سن اليأس: دراسة بالتصوير تكشف تأثيراً مؤقتاً على الشيخوخة

تأثيرٌ فيزيائيٌّ عمره قرن لا يعمل كما اعتقدنا، تكشف دراسة جديدة

الصين تطلق 4 صواريخ إلى المدار في 45 ساعة
