وورلد برس عربي logo

تلسكوب فضائي جديد يكشف أسرار الكون المظلم

انطلق تلسكوب Nancy Grace Roman ليكشف أسرار الكون برؤية أوسع 100 مرة من هابل وكاميرا 300 ميغابيكسل لرصد المادة والطاقة المظلمة والكواكب الخارجية بكفاءة غير مسبوقة اكتشف المزيد مع وورلد برس عربي

إطلاق تلسكوب Nancy Grace Roman الفضائي من مركز Kennedy على صاروخ Falcon Heavy لاستكشاف الكون والطاقة والمادة المظلمة.
إطلاق تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي التابع لناسا على متن صاروخ فالكون هيفي من شركة سبيس إكس. المصدر: سبيس إكس
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في لحظةٍ وصفها علماء NASA بأنّها "فتح بابٍ مُغلق على الكون"، انطلق تلسكوب Nancy Grace Roman الفضائي من مركز Kennedy للفضاء في فلوريدا، حاملاً معه طموحاً علمياً لم تشهده البشرية من قبل: رسم خريطةٍ شاملة للكون المرئي، والتعمّق في أسرار الطاقة المظلمة والمادة المظلمة اللتين تُشكّلان نحو 95% من مكوّنات الكون، فيما تبقى المادة العادية كلّ ما نراه ونلمسه مجرّد 5% من المشهد الكوني الكبير.

أقلع التلسكوب على متن صاروخ Falcon Heavy التابع لشركة SpaceX في تمام الساعة 7:25 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (11:25 UTC) يوم الأحد، من منصة الإطلاق 39A في مركز Kennedy. وصف Denton Gibson، مدير الإطلاق في NASA، اللحظة قائلاً: "هذه مركبةٌ فضائية ضخمة. احتجنا إلى كامل قوة الدفع البالغة 5 ملايين رطل التي يوفّرها Falcon Heavy، وقد أدّى مهمّته بشكلٍ لا تشوبه شائبة." يعتمد الصاروخ على 27 محرّكاً تعمل بالكيروسين، ويبلغ وزن التلسكوب نفسه نحو 20,000 رطل (9 أطنان مترية).

تلسكوب Nancy Grace Roman الفضائي بحجم كبير داخل مركز Kennedy، مع فريق NASA يرتدي بدلات حماية، جاهز لرصد الكون والطاقة والمادة المظلمة.
Loading image...
مشهد لتلسكوب الفضاء الروماني أثناء استعداداته للإطلاق في مركز كينيدي الفضائي التابع لناسا في فلوريدا. الحقوق: ناسا/سيدني رود (روكز)

مرآةٌ من مخزن الاستخبارات إلى قلب الكون

ما لا يعرفه كثيرون هو أنّ المرآة الأساسية لتلسكوب Roman ذات القطر البالغ 7.9 أقدام (2.4 متر) لم تُصنَّع أصلاً لرصد النجوم، بل بُنيت لمراقبة الأرض. في عام 2012، تنازل مكتب الاستطلاع الوطني (NRO) لوكالة NASA عن تلسكوبَين من هذا النوع، كانا مُعدَّين في الأصل لأغراض استخباراتية. استُخدم أحدهما في تلسكوب Roman، فيما لا يزال الثاني دون استخدام. تقول Julie McEnery، كبيرة علماء المشروع: "لم يكن الأمر مجرّد توصيل وتشغيل"، في إشارةٍ إلى التعقيدات الهندسية الضخمة التي استلزمتها إعادة تأهيل هذه المرآة للعمل في الفضاء العميق.

تلسكوب Nancy Grace Roman الفضائي مع مرآته الأساسية البالغ قطرها 2.4 متر في مركز NASA، مهيأ لرصد الكون والطاقة والمادة المظلمة.
Loading image...
المرآة الرئيسية المصقولة بقطر 7.9 قدم لتلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي، والتي بُنيت في الأصل لأقمار تجسس حكومية أمريكية. الحقوق: ناسا/كريس غان

يمتلك Roman مرآةً بحجم مرآة Hubble تماماً، غير أنّ الفارق الجوهري يكمن في مجال الرؤية: فبينما يُشبَّه Hubble وتلسكوب James Webb بالنظر عبر ثقب مفتاح، فإنّ Roman سيكسر الباب كاملاً. وهذا بالضبط ما عبّرت عنه Nicky Fox، رئيسة مديرية العلوم في NASA، بقولها: "كأنّ Hubble وJames Webb كانا ينظران إلى الكون عبر ثقب مفتاح، بينما سيأتي Nancy Grace Roman ليكسر الباب بالكامل." ويتجلّى هذا الفارق في أرقامٍ لافتة: مجال رؤية Roman أوسع بـ 100 مرة من Hubble، وسيمسح 12% من السماء مقارنةً بـ 0.1% فقط أنجزها Hubble على مدى 36 عاماً.

كاميرا 300 ميغابيكسل وبيانات تُعيد تعريف الأرشيف الفلكي

يحمل التلسكوب كاميرا بدقّة 300 ميغابيكسل، وأداة تصوير واسعة المجال (Wide Field Instrument) قادرة على التقاط مناطق من السماء أكبر من القمر الكامل في صورةٍ واحدة. أمّا حجم البيانات التي سيُنتجها، فيكاد يتجاوز حدود التصوّر: 1.4 تيرابايت يومياً، بما يُعادل محتوى قرص صلب لنظام ألعاب كامل كلّ يوم. وعلى مدى خمس سنوات، سيتراكم ما مجموعه 20 بيتابايت من البيانات، في حين لم يُنتج Hubble منذ انطلاقه عام 1990 سوى 400 تيرابايت.

قالت Fox إنّ "ما يمكن لـ Roman إنجازه في شهرٍ واحد كان يحتاج Hubble إلى قرنٍ كامل"، وهو رقمٌ يعكس التحوّل النوعي في منهجية رصد الكون. وللتدليل على ضخامة الصور التي سيلتقطها، أشار العلماء إلى أنّ أكبر صورةٍ بانورامية سينتجها التلسكوب ستحتاج إلى أكثر من نصف مليون شاشة 4K لعرضها بالحجم الكامل.

مهندس يرتدي زي مختبر مع قناع يقف بجانب مكونات تلسكوب Nancy Grace Roman الفضائي أثناء تجميعه في مختبر وكالة ناسا.
Loading image...
أداة التاج الشمسي لرومان، المصممة لتصوير الكواكب الخارجية بشكل مباشر، تُعد واحدة من أكثر أدوات الفلك تطوراً التي أُرسلت إلى الفضاء على الإطلاق. الحقوق: ناسا/مختبر الدفع النفاث-معهد كاليفورنيا للتقنية

هذا الكمّ الهائل من البيانات يطرح تحدّياً من نوعٍ مختلف، لخّصه Jeremy Perkins، عالم التكامل والاختبار في المشروع، بقوله: "لن يستطيع شخصٌ واحد النظر إلى كلّ النجوم وكلّ المجرّات وكلّ الأشياء غير المألوفة التي سنراها مع Roman. أُحبّ أن أفكّر في الأمر هكذا: قاعدة بياناتنا في نهاية عمر Roman ستكون أضخم من منصّات البثّ الموسيقي المفضّلة لديك. ولا يمكنني الاستماع إلى كلّ أغنية للعثور على موسيقى جديدة؛ أحتاج إلى خوارزميات، وسنفعل الشيء ذاته مع Roman." ستُتاح بيانات التلسكوب عبر منصّةٍ سحابية (Cloud-based) لعلماء الفلك حول العالم، وستُدار أرشيفاتها بالتعاون بين NASA ومعهد Space Telescope Science Institute.

الكواكب الخارجية والمادة المظلمة: هدفان لا يُشبهان ما سبق

يحمل Roman أداةً استثنائية تُعرف بـ "المقياس الإكليلي" (Coronagraph)، يمكنها حجب ضوء النجوم لرصد الكواكب الخارجية المحيطة بها مباشرةً، وهي كواكب أخفت ضوءها بمقدار 100 مليون مرة مقارنةً بنجومها. وتفوق حساسية هذا المقياس نظيريه في Hubble وJames Webb بمقدارٍ يتراوح بين 100 و1,000 مرة. قالت Fox إنّ Roman "سيُصوّر عوالم وأقراصاً غبارية ونجوماً قريبة في الضوء المرئي، ليُساعدنا على رؤية عوالم عملاقة أكبر سنّاً وأبرد حرارةً وفي مداراتٍ أقرب، مقارنةً بالكواكب الشبيهة بـ Jupiter الساخنة والفتية التي رصدناها سابقاً بتلسكوباتٍ أخرى."

رسم بياني يوضح ثلاث مسوحات رئيسية لتلسكوب Nancy Grace Roman تغطي 12% من السماء بدقة عالية لدراسة المادة والطاقة المظلمة والمجرات والكواكب الخارجية.
Loading image...
تمكّن برامج الرصد الثلاثة الرئيسية لتلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي التابع لوكالة ناسا، الموضحة في هذا الرسم البياني، علماء الفلك من استكشاف الكون كما لم يحدث من قبل، كاشفةً عن مليارات الأجسام الكونية المنتشرة عبر مساحات شاسعة من الزمكان. الحقوق: ناسا/مركز غودارد لرحلات الفضاء

على الصعيد الأشمل، يُعدّ تلسكوب Roman أداةً محوريةً في مساعي فهم الطاقة المظلمة والمادة المظلمة، وهما مكوّنان يُشكّلان معاً نحو 95% من الكون، لكنّ طبيعتهما لا تزال من أكبر الألغاز في الفيزياء الحديثة. وتتطلّب دراستهما بالضبط ما يُتقنه Roman: إحصاءاتٌ ضخمة وعيّنات واسعة. وكما قالت Jackie Townsend، مديرة المشروع في NASA: "الكثير ممّا تسعى الفيزياء إلى فهمه حول طبيعة الكون اليوم يحتاج إلى أعداد كبيرة من الإحصاءات." وتوقّع العلماء أن يكتشف Roman عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة، ومليارات المجرّات، وآلاف المستعرات الكبرى (Supernovae)، وعشرات المليارات من النجوم.

ولعلّ أكثر ما يثير الخيال في مهمّة Roman هو ما وصفته Townsend بـ "أفلام ثلاثية الأبعاد" للمجرّة درب التبّانة والمجرّات البعيدة: "سنُنتج أفلاماً ثلاثية الأبعاد لما يجري في مجرّة درب التبّانة وفي المجرّات البعيدة. هذا شيءٌ لم يحدث قطّ من قبل." وفي شهرٍ واحد فقط من الرصد، يمكن لـ Roman مسح مجرّتنا بأكملها والكشف عن ما يصل إلى نصف نجومها.

على طريق L2: ثلاثة أشهر قبل أن تبدأ الحقبة الجديدة

بعد انطلاقه، سيستغرق Roman نحو ثلاثة أشهر للوصول إلى مداره المستهدف قرب نقطة Lagrange L2 الشمسية-الأرضية، على بُعد نحو 1.5 مليون كيلومتر من الأرض — وهي النقطة ذاتها التي يشغلها تلسكوب James Webb. بعد الوصول، ستبدأ مرحلة التفعيل والمعايرة، وتُتوقَّع أولى الصور العلمية في نهاية عام 2024. أمّا المسح الرئيسي الذي سيُغطّي 12% من السماء، فسيستغرق أكثر من عام.

المشروع الذي تكلّف 4.3 مليار دولار، وأُعيد تسميته عام 2020 تكريماً لـ Nancy Grace Roman، أولى رئيسات علماء الفلك في NASA، أُنجز قبل الموعد النهائي المحدّد في مايو 2027 بتسعة أشهر، وضمن الميزانية المرصودة له. وهو ما أشاد به Jared Isaacman، مدير NASA، بقوله: "Roman هو بالضبط نوع قصص النجاح التي نريد رؤيتها في NASA. أُنجز قبل الموعد المحدّد وضمن الميزانية، وهذه المهمّة تعكس أكثر من عقدٍ من التفاني من قِبَل القوى العاملة في NASA وشركائنا الصناعيين."

وتبقى الأسئلة الكبرى مفتوحةً على مصراعيها. هل سيُعيد Roman رسم خريطتنا للكون؟ ربّما. قالت McEnery إنّ "اكتشافات Roman غير المتوقَّعة قد تُؤكّد التلميحات الراهنة بأنّ النموذج المعياري للكون غير صحيح، وتضعنا على طريق معرفة ما هو الصحيح." وكما استحضرت Townsend ذكرى الصورة الشهيرة لـ Hubble Ultra Deep Field، حين أشار Hubble إلى بقعةٍ مظلمة فاكتشف مليارات المجرّات، فإنّها تتوقّع أن يُفاجئنا Roman بالقدر ذاته أو أكثر. الكون لم يكشف عن نفسه بعد، وRoman ربّما يكون المفتاح.

أخبار ذات صلة

Loading...
صاروخ Pallas-1 الصيني ينطلق من مركز جيوتشيوان، يمثل دخول شركة Galactic Energy الخاصة إلى سوق الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام.

صاروخ Pallas-1 الصيني القابل لإعادة الاستخدام ينجح في رحلته الأولى

شهد عالم الفضاء دخولًا جديدًا مع إطلاق Galactic Energy لصاروخ Pallas-1 القابل لإعادة الاستخدام بتقنية الوقود المزدوج، ما يفتح آفاقًا لمنافسة صينية في سوق الصواريخ. اكتشف التفاصيل وتابع مستقبل الرحلات الفضائية.
علوم
Loading...
المسبار BepiColombo مع وحدتيه المداريتين المنفصلتين في الفضاء، استعداداً لدراسة كوكب عطارد بالتعاون بين ESA وJAXA.

وصول مسبارَي بيبي كولومبو إلى عطارد: البث المباشر في 3 سبتمبر

بعد سبع سنوات من الرحلة المثيرة، يقترب مسبار BepiColombo من كوكب عطارد ليكشف أسرار تركيب سطحه ومجاله المغناطيسي النادر. استعد لمتابعة لحظة الانفصال الحاسمة وبدء مرحلة جديدة في استكشاف الكوكب الأصغر. اكتشف التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
محطة الفضاء الصينية تيانقونغ في مدار أرضي منخفض مع ألواح شمسية واسعة، تظهر فوق كوكب الأرض في صورة فضائية عالية الدقة.

محطة فضائية مضيئة تحوم فوق الولايات المتحدة.. وليست المحطة الدولية

شاهد محطة الفضاء الصينية Tiangong تتلألأ فوق نيويورك بسطوع يعادل كوكب المشتري بين 2 و9 سبتمبر 2023. فرصة نادرة لرصد "القصر السماوي" ورواد الفضاء في مهمة استثنائية. لا تفوت التفاصيل!
علوم
Loading...
حطام سفينة Po الحربية في خليج فلورا مغطى بالكائنات البحرية وأسماك الأسد الشيطانية الغازية تعكس تأثيرات تغير المناخ في البحر الأبيض المتوسط.

سفينة مستشفى من الحرب العالمية الثانية تحتضن أسماك الشيطان والفقمات النادرة

حطام السفينة الحربية Po في خليج فلورا تحول إلى ملاذ بيئي يعكس تأثيرات الاحترار وتوسع الأسماك الغازية مثل سمكة الأسد الشيطانية. اكتشف كيف يعيد البحر رسم خريطته البيولوجية وكن جزءاً من التغيير.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية