لماذا تخبو وميضات النجوم عند ابتلاع الثقوب السوداء
اكتشف كيف يفسر العلماء خبو وميضات النجوم التي تُمزق ببطء حول الثقوب السوداء الهائلة عبر دورانها السريع وانتمائها لأنظمة ثنائية ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم أسرار مراكز المجرات مع وورلد برس عربي.

حين تلتهم الثقوب السوداء النجوم ببطء: لماذا تخبو وميضات التمزّق المتكرر؟
في أعماق المجرّات، حيث تجثم الثقوب السوداء الهائلة في مراكزها، تجري مآسٍ كونية بالغة الغرابة: نجمٌ يمرّ قريباً فيُمزَّق جزئياً، ثم يُفلت ناجياً، ليعود مرةً أخرى ومرةً أخرى في رحلة لا تنتهي إلا بالفناء. هذه الظاهرة التي يُطلق عليها علماء الفلك اسم "أحداث التمزّق المدّي الجزئي المتكررة" (rpTDEs) تُنتج وميضات ضوئية قابلة للرصد من الأرض لكنّ بعض هذه الوميضات يخبو مع كل جولة جديدة، وكان السبب لغزاً محيّراً. الآن، يقدّم باحثون من جامعة Syracuse إجابةً تربط هذا الخبو بشيء غير متوقّع: دوران النجم حول محوره، وتاريخه في الانتماء إلى نظام نجمي ثنائي.
ما الذي يجعل بعض الوميضات تخبو دون غيرها؟
نُشرت الدراسة في 18 أغسطس 2026 في مجلة The Astrophysical Journal، وتنطلق من ملاحظة إحصائية لافتة: من بين عشرة أحداث rpTDE معروفة، تُظهر أربعةٌ منها خبواً تدريجياً في شدة الوميضات لا يمكن تفسيره بالبنية الداخلية للنجم وحدها. فالنجوم منخفضة الكتلة ذات البنية "الإسفنجية الهشّة" كما يصفها الباحثون بتشبيه المرنغ تفقد كمّيات أكبر من موادّها في كل مرور، بينما تحتفظ النجوم عالية الكتلة ذات البنية "الطبقية كالبصلة" بنواتها الصلبة وتخسر طبقاتها الخارجية فحسب. غير أن هذا التمييز لا يكفي وحده لتفسير الخبو في تلك الحالات الأربع.
المفتاح يكمن في الدوران. خلال كل مرور قريب من الثقب الأسود، تُمارس قوى المدّ الجزري عزماً (تورك) على النجم، تدفعه إلى الدوران بسرعة أكبر. وهذا التسارع في الدوران لا يُغيّر شكل النجم فحسب، بل يُقصّر الفترة التي يستغرقها النجم قبل العودة إلى الثقب الأسود. النتيجة: النجم يعود أسرع، ويُنتج وميضاً أقل خبواً رغم فقدانه كمّيةً أقل من الموادّ. لكن ماذا لو كان النجم يدور بسرعة عالية أصلاً قبل أول مرور؟ في هذه الحالة، لا يكسب من عزم الثقب الأسود إلا القليل، ولا تتقلّص فترة مداره، فتخبو وميضاته مع كل جولة.
تقول أنانيا باندوباديهاي، قائدة الفريق البحثي في جامعة Syracuse: "كنّا محتارين من هذه الظاهرة لمدة عامين كاملين."
من أين جاءت هذه النجوم السريعة الدوران؟
هنا تدخل ظاهرة فلكية أخرى لإكمال الصورة: معظم النجوم في الكون لا تسبح منفردةً، بل تنتمي إلى أنظمة نجمية ثنائية. وحين يقترب نظامٌ ثنائي من ثقب أسود هائل، تنفجر الشراكة: تُطلق قوى المدّ أحد النجمين بعيداً بسرعة هائلة، بينما يُقتنص الآخر ويُقيَّد في مدار ضيّق حول الثقب. هذه العملية تُعرف بـ"اصطياد هيلز" (Hills capture)، نسبةً إلى العالِم الذي وصفها.
النجم المُقتنَص من نظام ثنائي متراصّ يكون في الغالب سريع الدوران أصلاً وهذا ما يُفسّر الخبو. يقول إريك كوفلين، عضو الفريق البحثي: "من الصعب جداً 'ربط' نجمٍ بثقب أسود هائل بإحكامٍ يجعله يدور حوله في غضون أشهر، ومع ذلك يبدو أن هذا ما يحدث في أحداث rpTDE." ويُضيف: "يُثبت هذا العمل أن كل هذه الغرائب يمكن تفسيرها بظاهرة واحدة مشتركة: التمزّق المدّي لنظام نجمي ثنائي واصطياد أحد نجميه."
ماذا يعني هذا لمجرّتنا؟
تمتدّ آفاق هذا البحث لتطال ثقبنا الأسود المحلي، Sagittarius A*، الكامن في قلب درب التبّانة. فمن المعروف أن هذا الثقب يُحيط به عددٌ من النجوم السريعة في مداراتها، وهو أمرٌ ظلّ يستعصي على التفسير المُقنع. تشير الدراسة إلى أن آلية اصطياد هيلز قد تكون المسؤولة عن وجود هذه النجوم في مداراتها الضيّقة المتسارعة.
يصف كوفلين الأهمية النظرية لهذا الاكتشاف بوضوح: "من الناحية النظرية، هذه خطوة كبرى إلى الأمام في فهمنا للفيزياء التي تحكم هذه الأنظمة."
تبقى أحداث rpTDE نادرة ويصعب رصدها، إذ لا يتجاوز عددها المعروف حتى اليوم عشر حالات. لكن مع تطوّر تلسكوبات المسح الجديدة وتراكم البيانات، قد يتّسع هذا الرقم بسرعة ومعه يتّسع اختبار هذه النظرية على حالات أكثر وأكثر تنوّعاً. السؤال الذي يطرحه الباحثون ضمنياً هو: كم نجماً آخر يدور الآن في صمت حول ثقب أسود، يخبو وميضه جولةً بعد جولة، قبل أن يختفي كلياً في الظلام؟
أخبار ذات صلة

رائدتا فضاء تستبدلان كاميرا ومساعد الالتحام على محطة الفضاء الدولية

رجل يعثر على درع روماني عمره 1800 سنة يحتوي رفات محارب فاندالي في مقبرة بولندية

إصلاح محطة الفضاء الدولية على ارتفاع 400 كيلومتر | صورة الفضاء ليوم الأحد
