وورلد برس عربي logo

توازنات دقيقة في العلاقات اللبنانية السورية

تسير العلاقات اللبنانية-السورية بخطىً حذرة بعد سقوط الأسد، مع قلق دمشق من مفاوضات لبنان مع إسرائيل. المقال يستعرض التوترات التاريخية والملفات العالقة بين البلدين، وتأثيرها على الأمن الإقليمي.

لقاء بين مسؤول لبناني وسوري، حيث يتصافحان أمام علمي لبنان وسوريا، مع تفاصيل من الأثاث الفاخر وزهور على الطاولة، يعكس التوترات السياسية بين البلدين.
الرئيس السوري أحمد الشعار (يمين) يصافح رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في قصر الشعب بدمشق، 9 مايو 2026 (سانا/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

منذ سقوط الديكتاتور بشار الأسد، تسير العلاقة بين لبنان وسوريا بخطىً حذرة، تكاد تكون مرتبكة، بين الضرورة وانعدام الثقة.

يجمع البلدَين الجغرافيا والتاريخ والأمن وقائمة طويلة من الملفات العالقة. غير أنّ أيّاً منهما لم يتحرّر بالكامل من ثقل الماضي.

يبقى لبنان حذراً من أيّ عودة للوصاية السورية، فيما تترقّب قيادة دمشق الجديدة إمكانية أن تنعكس القرارات اللبنانية المنفردة على الجانب الآخر من الحدود، فتُضعف دمشق في لحظةٍ بالغة الحساسية.

وهذا التوتر يطفو من جديد اليوم حول أحد أكثر الملفات دقّةً في المنطقة: المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

وفقاً لمسؤول لبناني رفيع مطّلع على المباحثات الأخيرة بين بيروت ودمشق، فقد أبدت سوريا قلقها من أنّ مسار التفاوض اللبناني مع إسرائيل، الذي يتقدّم بوتيرة متسارعة، يجري دون تنسيق كافٍ مع دمشق، في وقتٍ تعثّرت فيه اتصالاتها هي مع تل أبيب.

وأُثيرت هذه الرسالة، بحسب المسؤول نفسه، خلال زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام الأخيرة إلى سوريا، حين التقى الرئيس أحمد الشرع.

وقال المسؤول: "تحدّث القائد السوري بلهجةٍ دبلوماسية غير مواجِهة، لكنّه أوضح أنّ التنسيق بين البلدين في القضايا الحيوية ضرورةٌ لتعزيز مواقف الطرفين معاً."

والقلق في دمشق لا يقتصر على كون لبنان يتفاوض بشكل منفصل، بل يمتدّ إلى الخشية من أنّ نهج بيروت قد يُرسي سابقةً قد تتعرّض سوريا لاحقاً لضغوطٍ تدفعها إلى السير على خطاها.

رهاناتٌ مرتفعة

أشارت تقارير على مدار أشهر إلى أنّ مسؤولين أمريكيين استخدموا مسار المحادثات السورية-الإسرائيلية لحثّ لبنان على الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. لكن مع توقّف المسار السوري إلى حدٍّ بعيد جزئياً لأنّ دمشق ترى أنّ إسرائيل غير مستعدة لتقديم تنازلات حقيقية قد تكون المعادلة في طور الانقلاب.

فما كان يُستخدَم لمطالبة لبنان بالسير في ركب سوريا، قد يتحوّل أداةً للضغط على سوريا كي تسير في ركب لبنان.

المسار اللبناني بالغ الحساسية بالنظر إلى الظروف التي جرى فيها. كان الرئيس اللبناني جوزيف عون قد أعلن سابقاً أنّ بيروت لن تتفاوض قبل التوصّل إلى وقفٍ لإطلاق النار. ومع ذلك، تواصلت الاتصالات في حين استمرّت الضربات الإسرائيلية على لبنان رغم وقف إطلاق النار المتّفق عليه في منتصف أبريل.

بالنسبة لدمشق، يُثير هذا قلقاً استراتيجياً: إذا تقدّم لبنان في مساره التفاوضي بينما لا تزال أعمال العنف مستمرّة، مع تنازلاتٍ تبدو مبكّرة في مسار العملية، فقد تجد سوريا نفسها أمام ضغوط متصاعدة من واشنطن وجهاتٍ دولية أخرى لقبول إطارٍ مماثل.

يُضاف هذا الملف إلى علاقةٍ هشّة أصلاً بين الجارَين.

لا يزال لبنان وسوريا يتعاملان مع ملفّات عالقة عديدة: المعتقلون السوريون في السجون اللبنانية، وترسيم الحدود البرية والبحرية، ومستقبل العلاقة مع حزب الله، ووجود شخصيات من نظام الأسد السابق على الأراضي اللبنانية، فضلاً عن التساؤل الأشمل حول كيفية إدارة البلدين لعلاقتهما الأمنية بعد عقودٍ من الهيمنة والعدائية والشكوك المتبادلة.

وقد ظهر القلق السوري من لبنان في عددٍ من هذه الملفات.

في ديسمبر، أثارت دمشق مخاوف بشأن ضباطٍ مرتبطين بالأسد يقيمون في لبنان. وتشير التقارير إلى أنّ مسؤولين أمنيين سوريين سلّموا السلطات اللبنانية قوائم بأسماء، محذّرين من أنّ بعض هؤلاء قد يستخدمون الأراضي اللبنانية للتهديد بقيادة سوريا الجديدة. كما عاملت دمشق ملفّ المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية باعتباره محورياً لأيّ تحسينٍ في العلاقات الثنائية.

وقد بات ملفّ المفاوضات الطبقةَ الأحدث في هذه العلاقة المعقّدة. فبالنسبة لسوريا، لا يتعلّق الأمر بالبروتوكول الدبلوماسي فحسب، بل بأوراق النفوذ.

تحرّكاتٌ لبنانية منفردة

تعتقد دمشق أنّ لبنان وسوريا، على الرغم من تاريخهما العسير، يتشاركان نقاط ضعف متداخلة. فأيّ تنازلٍ لبناني لإسرائيل، لا سيّما في الترتيبات الأمنية أو مسائل الحدود أو طبيعة الضمانات في مرحلة ما بعد الحرب، قد يؤثّر بصورة غير مباشرة على الموقف التفاوضي السوري.

وقال المسؤول اللبناني: "لهذا السبب تحديداً شدّد الشرع على أنّ التنسيق في القضايا الحيوية ليس مجاملةً اختيارية، بل ضرورةٌ استراتيجية."

وأضاف: "إذا خطت سوريا خطوةً في مصلحة لبنان، فعلى لبنان أن يُدرك أنّ مصالحه الحيوية تستوجب منه خطواتٍ كثيرة في مصلحة سوريا."

تعكس هذه الملاحظة اللاتوازن في نظرة دمشق إلى العلاقة: فبينما يخشى لبنان عودة الهيمنة السورية، ترى سوريا أنّ القرارات اللبنانية لا تزال قادرةً على تعريضها لمخاطر جسيمة.

ويُضيف الملفّ البحري طبقةً أخرى من التعقيد.

فقلق تركيا من اتفاقية المنطقة الاقتصادية الخالصة التي أبرمها لبنان عام 2025 مع قبرص دون مراعاةٍ كافية للمصالح السورية والتركية في شرق البحر المتوسط أذكى انطباعاً إقليمياً بأنّ بيروت تميل إلى المضيّ قُدُماً في الملفّات الحساسة دون تنسيقٍ وافٍ مع الأطراف المجاورة المعنية.

في هذا السياق، لا تُنظر المحادثات اللبنانية المباشرة مع إسرائيل في دمشق باعتبارها قراراً لبنانياً معزولاً، بل تُقرأ كجزءٍ من نمطٍ أشمل يتمثّل في تحرّك بيروت بصورة منفردة في قضايا تتجاوز لبنان وحده.

وقال مسؤولٌ سوري رفيع إنّ دمشق شدّدت مراراً في اجتماعاتها مع الدول العربية على ضرورة التنسيق وأهمية تجنّب مسارات تفاوضية منفصلة من شأنها إضعاف الموقف العربي الجماعي.

وأضاف المسؤول: "الأجواء إيجابية، لكنّ هناك وقائع على الأرض لا يمكن تجاهلها. التعاون مع لبنان في تنامٍ، لكنّه لم يبلغ المستوى المطلوب بعد. المسألة أقلّ ما تكون خلافاً، وأكثر ما تكون ضعفاً في التنسيق."

وأشار المسؤول إلى أنّ لسوريا مصلحةً واضحة في جارٍ مستقر.

وقال: "الدولة السورية تريد لبنان قوياً قادراً على الوقوف على قدميه"، مضيفاً أنّ الشرع أكّد في لقاءاته أنّ لبنان يمرّ بمرحلةٍ حساسة تستدعي أدواتٍ تتجاوز الحلول التقليدية التي اعتمد عليها في الماضي.

وأوضح المسؤول أنّ دمشق ترى أنّ لبنان يحتاج إلى "أدواتٍ دقيقة" للتعامل مع المرحلة الراهنة، وأنّ دور سوريا ينبغي أن يكون داعماً للبنان لا مضيفاً إلى الضغوط التي يرزح تحتها.

معضلةٌ مألوفة

الخطر الذي يواجهه لبنان هو أن يعتقد أنّه يُوسّع هامش مناورته، بينما هو في الواقع يُضيّق خياراته.

فمسارٌ منفرد مع إسرائيل قد يُعمّق انعدام الثقة السوري، ويُقلق تركيا، ويُعقّد العلاقة مع حزب الله، ويُعرّض لبنان لضغوط من جهاتٍ دولية تسعى إلى ترتيباتٍ سريعة لا إلى تسوياتٍ راسخة.

أمّا الخطر على سوريا فمختلف.

إذ تخشى دمشق، وهي التي ورثت دولةً مُجزَّأة وموقعاً إقليمياً منهكاً ومفاوضاتٍ عسيرة مع إسرائيل، أن يُضعف لبنان موقفها من حيث لا يقصد، وذلك بقبوله إطاراً قد تُقدّمه إسرائيل والولايات المتحدة لاحقاً باعتباره نموذجاً إقليمياً.

لا يعني هذا أنّ سوريا ولبنان يسيران نحو مواجهةٍ مفتوحة. فالنبرة، وفق معظم التقديرات، لا تزال حذرة.

كلا الطرفين لا يزال في حاجةٍ إلى الآخر: تحتاج سوريا إلى لبنان لمنع أراضيه من أن تتحوّل منصّةً لأنشطةٍ معادية، فيما يعتمد لبنان على سوريا في ضبط الحدود وملفّ المعتقلين وعودة اللاجئين ومكافحة التهريب والتنسيق الأمني وأيّ تسويةٍ إقليمية جادّة.

أمام لبنان سؤالٌ مركزي: هل يستطيع التفاوض مع إسرائيل مع الحفاظ على موقفٍ إقليمي متماسك؟ وأمام سوريا سؤالٌ مقابل: هل تستطيع منع القرارات اللبنانية من أن تتحوّل سوابق تُستخدَم ضدّها؟

لكنّ المستجدّات الأخيرة تُشير إلى أنّ العلاقة في مرحلة ما بعد الأسد لم تبلغ بعد مستوى المأسسة أو الاستراتيجية أو الثقة المتبادلة. وهي تبقى في معظمها تعاملاً براغماتياً آنياً، ردودَ فعلٍ لا مبادرات، تُشكّلها الشكوك القديمة.

وبين البلدين تقبع معضلةٌ مألوفة: لبنان وسوريا قد لا يكونان مقيَّدَين بعد بالنظام القديم، لكنّ أيّاً منهما لا يستطيع أن يتصرّف كما لو أنّ الآخر لا وجود له.

أخبار ذات صلة

Loading...
من خلال بوابة تاريخية، يظهر المسجد الأقصى بأقمار ذهبية، بينما يتجمع عدد من الزوار في الداخل، مما يعكس التوترات حول السيطرة الإسرائيلية.

إسرائيل تسحب تصاريح العاملين بالمسجد الأقصى

تتسارع الإجراءات الإسرائيلية ضد المسجد الأقصى، حيث سُحبت تصاريح دخول 30 موظفاً من الأوقاف الإسلامية، مما يعكس تصعيداً خطيراً يستهدف ترسيخ السيطرة الإسرائيلية. تابعوا التفاصيل المثيرة حول هذا الموضوع الحساس.
الشرق الأوسط
Loading...
امرأة ترتدي حجابًا مزخرفًا، تعبر عن الحزن والقلق في وسط أنقاض، تعكس تأثير القيود الإسرائيلية على المساعدات الإنسانية في غزة.

تحذيرات من انهيار حاد في المساعدات الإنسانية لغزة بسبب القيود الإسرائيلية

تتزايد المخاوف في غزة مع تحذيرات إسماعيل الثوابتة حول القيود الإسرائيلية التي تُهدد تدفق المساعدات الإنسانية. هل ستستمر هذه المعاناة؟ تابعوا التفاصيل لتكتشفوا كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يُحدث فرقًا.
الشرق الأوسط
Loading...
جنود إسرائيليون يسيرون على طريق ترابي وسط أنقاض المباني المدمرة، مع وجود دبابات ومركبات عسكرية في الخلفية، مما يعكس التوترات العسكرية في جنوب لبنان.

هجمات الطائرات بدون طيار لحزب الله تحدّ من 80% من هجمات القوات الإسرائيلية في لبنان

تتزايد التحديات أمام القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، حيث تقيّد الطائرات المسيّرة لحزب الله العمليات العسكرية بنسبة 80%. اكتشف كيف تتطور أساليب القتال في هذه المنطقة الحساسة وكن على اطلاع دائم على المستجدات.
الشرق الأوسط
Loading...
رجل فلسطيني يرتدي بدلة واقية بيضاء، معصوب العينين، مقيد اليدين والقدمين، يجلس بجانب كتل إسمنتية في غزة.

جندي إسرائيلي ينشر صورة فلسطيني "للبيع".. والفلسطيني في عداد المفقودين

في خضم الألم والمعاناة، تبرز قصة محمد شرّاب، الذي اختفى في ظروف غامضة. هل أصبح الفلسطينيون سلعة تُعرض للبيع؟ اكتشف تفاصيل هذه القصة المأساوية التي تثير التساؤلات حول الإنسانية. تابع القراءة لتعرف المزيد.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية