أمل العودة إلى كفركلا بعد سنوات من المعاناة
تتحدث عبير عن ذكريات التحرير في كفركلا، بينما تعاني من النزوح اليوم. في ظل القصف الإسرائيلي، تبقى الأمل في العودة إلى الوطن. قصة مؤثرة عن المقاومة والصمود، تعكس معاناة اللبنانيين وتاريخهم. #وورلدبرسعربي

عمرها 19 عاماً حين سمعت عبير الخبر في 25 مايو 2000: تحرير جنوب لبنان بعد 18 عاماً من الاحتلال الإسرائيلي.
في غضون ساعات، كانت عائلتها قد غادرت بيروت متجهةً جنوباً نحو بلدتها كفركلا، تلك القرية العريقة الواقعة على التخوم مع فلسطين المحتلة.
تقول عبير، التي تعمل اليوم منسّقةً لفعاليات موسيقية: «كانت فرحةً لم أشعر بمثلها في حياتي».
بعد ستة وعشرين عاماً، باتت عبير نازحةً من مدينة النبطية جراء القصف الإسرائيلي المتواصل على الجنوب، وتقيم اليوم في خيمة بمنطقة Biel في بيروت، رفقة كلبَيها.
الحرب الإسرائيلية على لبنان هجّرت أكثر من مليون شخص منذ 2 مارس. ومئات الآلاف لا يزالون عاجزين عن العودة إلى بيوتهم، إذ تواصل القوات الإسرائيلية احتلال عشرات القرى، فيما تعرّض 45 بالمئة من بلدات جنوب لبنان للتدمير أو الإلحاق بها أضرار جسيمة.
جالسةً أمام خيمتها وعيناها معلّقتان بالجنوب البعيد، تقول عبير إنها تأمل في أن يتحرّر الجنوب مرةً أخرى.
«نحتاج أن نتذكّر هذا اليوم لأننا انتصرنا، وآمل أن ننتصر مجدّداً. لقد حوّلوا كفركلا إلى ملعب كرة قدم»، قالت.
كفركلا واحدة من نحو اثنتَي عشرة قرية على طول الحدود الجنوبية اللبنانية جرى تسويتها بالأرض تدريجياً تحت وطأة القصف الإسرائيلي المتكرّر على مدى السنتين والنصف الماضيتين.
«أجدادنا وأبي وأمي مدفونون في كفركلا»، أضافت. «أصلّي لكي نعود إليهم، إلى بيوتنا وإلى عملنا».
«قلبي كان ممتلئاً»
في عام 1982، اجتاح الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان بذريعة تفكيك منظمة التحرير الفلسطينية.
أجاز البرلمان الإسرائيلي ما سُمّي بـ«عملية سلامة الجليل» بناءً على تعهّد وزير الدفاع آنذاك Ariel Sharon بأن القوات لن تتقدّم أكثر من 40 كيلومتراً وأن العملية لن تتجاوز يومَين إلى ثلاثة أيام.
غير أن القوات الإسرائيلية وصلت إلى بيروت وبقيت فيها ثلاث سنوات، قبل أن تنسحب إلى الجنوب اللبناني حيث مكثت خمسة عشر عاماً إضافية.
حملةٌ مستدامة من حرب العصابات التي شنّها حزب الله طوال تسعينيات القرن الماضي، استهدفت المواقع الإسرائيلية وتلك التابعة لميليشيا جيش لبنان الجنوبي (SLA) الموالية لها، أجبرت في نهاية المطاف القوات الإسرائيلية على الانسحاب.
ولم تكن تلك أولى اجتياحات إسرائيل للبنان ولا آخرها؛ فقد دخلته عام 1978 تحت مسمّى «عملية الليطاني»، وكانت قد احتلّت مزارع شبعا في حرب يونيو 1967.
هذا التاريخ ليس غريباً على الناشط السياسي طارق سرحان، 28 عاماً، الحاصل على درجة الماجستير في حقوق الإنسان. نشأ في الضاحية الجنوبية لبيروت وجذوره في بلدة دوير بقضاء النبطية، ولا يزال مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالجنوب رغم أنه لم يكن قد تجاوز العامَين يوم التحرير.
يقيم سرحان في شقة صغيرة في بيروت يتقاسمها مع كلبه Lexy، تتصدّر مدخلها علمٌ لبناني. وهي ذاتها الشقة التي آوت والدَيه وجدّته حين فرّوا من القصف الإسرائيلي المكثّف على الضاحية.
يتوجّه بانتظام إلى بلدة دوير وقرى أخرى لحضور مجالس العزاء وتقديم واجب العزاء للعائلات التي يعرفها.
«حين كنت في القرية قبل ثلاثة أو أربعة أسابيع، لم يكن الناس خائفين»، قال سرحان، مشيراً إلى صمود أبناء الجنوب.
«كانوا يحملون الشهداء على أكتافهم في موكب الجنازة، في قلب القرية، تحت الطائرات الحربية وصوت القصف.».
وبحسب وزارة الصحة اللبنانية، أودت الغارات الإسرائيلية على لبنان بحياة 3151 شهيدًا و أوقعت 9571 جريحاً منذ اندلاع الحرب.
وعلى الرغم من الهدنة التي أُبرمت في 16 أبريل، واصل الجيش الإسرائيلي ضرباته اليومية وإصدار أوامر الإخلاء في جنوب لبنان، مستهدفاً المدنيين والصحفيين والكوادر الطبية وفرق الدفاع المدني، وكثيراً ما تجري الضربات بأسلوب «الضربة المزدوجة».
في المقابل، واصل حزب الله هجماته على قوات الاحتلال الإسرائيلي وأهداف داخل الأراضي المحتلة.
في لبنان الذي بات فيه دويّ الطائرات المسيّرة فوق العاصمة أمراً مألوفاً، والجنوب يُحتلّ ويُقصف ويُسوَّى بالأرض مجدّداً، تساءل بعضهم عمّا إذا كان هذا هو التوقيت المناسب للاحتفال بيوم المقاومة والتحرير.
بالنسبة لسرحان، فإن استحضار ذكرى انسحاب الجيش الإسرائيلي بعد سنوات من المقاومة هو واجبٌ وطني لا تنازل عنه.
«هذا البلد قائمٌ بفضل تضحيات الناس. هذه ليست مجرد كلمات. التحرير كلّف أرواحاً وعائلات وسنواتٍ قضاها المعتقلون خلف القضبان، وأناساً لا يزالون يعيشون حتى اليوم مع آلام جسدية وإعاقات»، قال.
«قاوم اللبنانيون من كل المناطق ومن كل الطوائف. التحرير حدث. إنه جزء من التاريخ ولا يمكن محوه. علينا كلبنانيين أن نُبيّن خطر الصهاينة على حدودنا.
«نحتاج إلى مزيد من التعليم والتوعية لجميع الناس، وخاصة الشباب، ليعرفوا التاريخ ويعرفوا ما جرى للبنانيين أمثالهم».
وفي بلدة كرم سدّة الصغيرة قرب إهدن في الشمال، عائلةٌ وكل أقاربها الأجداد والأعمام والعمّات وأبناء العمومة لم يألوا جهداً في إبقاء هذا التاريخ حياً.
«الجنوب هو الأرض»
في مايو 2000، ركبوا حافلةً وتوجّهوا جنوباً ليشهدوا الجنوب المحرّر ويحتفلوا بتحريره.
كانت تلك لحظةً محوريةً في حياة ابنهم دومنيك، المصمّم الغرافيكي اليوم، الذي لم يكن يتجاوز الثامنة من عمره آنذاك.
اليوم يجلس في منزله ببيروت أمام حوض أسماك، تحيط به نباتاتٌ لا تُحصى وعددٌ من الحيوانات الأليفة.
«أنا ابن الشمال من كل جوارحي، لكن قلبي في الجنوب. هذا ما كانت أمي تقوله لي دائماً حين كنت صغيراً»، قال Dominic .
«أحبّ قريتي، والجنوب يشبه قريتي لكنه أكثر خضرةً وطبيعيةً. أبناء الجنوب يشبهون أبناء الشمال كثيراً، بل هم أكثر كرماً في الضيافة».
بالنسبة له، ينبغي أن يمتدّ الاحتفال بيوم التحرير أسبوعاً كاملاً.
«كان أسبوعاً من الاحتفالات عام 2000. أسبوعٌ من عودة الناس إلى أرضهم. لنأخذ أسبوعاً لنتذكّر ما جرى، ولماذا جرى، وما الذي تلاه»، قال.
وقد كرّرت العائلة الرحلة ذاتها بعد حرب يوليو 2006.
ومع انطلاق أول مفاوضات مباشرة بين تل أبيب وبيروت منذ عقود، أبدى بعض اللبنانيين دعمهم لاحتمال التوصّل إلى سلام مع إسرائيل.
لكن بالنسبة لـدومنيك، لم يكن التطبيع مع إسرائيل وارداً في الحسبان عام 2006، ولا ينبغي أن يكون كذلك اليوم بعد عقدَين من الزمن.
ولو كان الأمر بيده، لسافر الناس من كل أنحاء لبنان إلى الجنوب في هذا اليوم، حتى في ظل خطر القصف، تعبيراً عن التضامن.
«لدينا مهرجاناتٌ للكرز والتفاح يحضرها الكثيرون. إنها مهمة لأنها تربط الناس بالأرض»، قال دومنيك.
«لكن الجنوب هو الأرض بعينها، وفيه تنمو أثمن أشجار الزيتون في العالم.
«إنه من أهم مكوّنات ثقافتنا. ربما نستطيع العام القادم أن نُقيم مهرجاناً للزيتون على الحدود مع فلسطين وربما يأتي الفلسطينيون أيضاً».
أخبار ذات صلة

ترامب والمفاوضات الإيرانية: استراتيجية إحياء اتفاقات إبراهيم

الاحتلال يستولي على مسجد النبي صموئيل التاريخي من الوقف الإسلامي

كوريا الشمالية تطلق صواريخ باليستية فوق البحر في عرضٍ جديد للقوة
