وورلد برس عربي logo

تحويل المفاوضات إلى غطاء للعدوان الإسرائيلي

تتحدث المفاوضات الأخيرة بين لبنان وإسرائيل عن تحويل الدبلوماسية إلى غطاء للعدوان، حيث تُعتبر الحكومة اللبنانية سلطةً تحت الاحتلال. كيف تؤثر هذه الديناميكيات على مستقبل لبنان وأمنه؟ اكتشف المزيد في المقال.

صورة لشارع مدمر في لبنان، يظهر فيه صورة كبيرة للزعيم حسن نصر الله، مع آثار الدمار والخراب في الخلفية، مما يعكس الوضع الأمني المتدهور.
تتدلى لافتة تحمل صورة قائد حزب الله المغتال حسن نصر الله بالقرب من موقع غارة جوية إسرائيلية في ضواحي بيروت الجنوبية، بتاريخ 25 مارس 2026 (أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

جاءت جولة المفاوضات الأخيرة بين لبنان وإسرائيل، التي استضافتها واشنطن في مطلع هذا الشهر، لتُكرّس نمطاً راسخاً: تحويل الدبلوماسية إلى غطاءٍ يُضفي الشرعية على العدوان بدلاً من إنهائه. فكما جرى في جولاتٍ سابقة، لم تكن هذه المحادثات وسيلةً للضغط على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية، بل أداةً لتطبيع تلك العمليات بوصفها الخلفية الثابتة للعملية السياسية برمّتها، وتحويل المطالبة بوقف إطلاق النار من شرطٍ مسبق للتفاوض إلى مجرّد بندٍ من بنود جدول الأعمال.

بعبارةٍ أوضح: لم تعد المفاوضات وسيلةً لإنهاء العدوان الإسرائيلي، بل باتت الإطار التشغيلي الذي يُدار من خلاله هذا العدوان ويُضفى عليه الغطاء القانوني.

ولهذا السبب بالذات، لا توصف الحكومة اللبنانية اليوم بمجرّد كونها نظاماً هشّاً تحت الضغط، بل بات بعضهم يُطلق عليها «سلطة الاحتلال في لبنان» سلطةٌ قبلت بالرواية الأمريكية-الإسرائيلية القائلة بأنّ إسرائيل لا تقصف لبنان ولا تنتهك أراضيه ولا تقتل أبناءه وتُهجّرهم، وإنّما تستهدف حزب الله وبنيته العسكرية فحسب.

وبنية العملية التفاوضية ذاتها تكشف هذا المنطق بجلاء. فقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في 15 مايو أنّ «وقف الأعمال العدائية» الذي كان يُفترض أن يبدأ في 16 أبريل، في حين واصلت إسرائيل قصفها للبنان سيُمدَّد لمدة 45 يوماً. وما إن صدر هذا الإعلان حتى شنّت إسرائيل ضرباتٍ أودت بحياة ما لا يقلّ عن ثلاثة وثلاثين شخصاً وأوقعت أكثر من 200 جريح.

في الوقت ذاته، قسّمت واشنطن مسار التفاوض اللبناني-الإسرائيلي إلى مسارين: مسارٍ سياسي مقرّر استئنافه في 2 يونيو، ومسارٍ أمني تُعقد جلساته الأولى في البنتاغون في 29 مايو بمشاركة وفود عسكرية من البلدين.

وتُشير تقارير إعلامية إلى أنّ الصيغة المطروحة تربط أيّ وقفٍ فعلي لإطلاق النار بشرطين متلازمين: انسحابٌ إسرائيلي تدريجي قد يمتدّ حتى عامين، وآليةٌ تنفيذية ثلاثية لبنانية-إسرائيلية-أمريكية لنزع سلاح حزب الله.

وتُفيد التقارير ذاتها بأنّ الصيغة تتضمّن إنشاء لواءٍ جديد في الجيش اللبناني يُموَّل ويُجهَّز ويُدرَّب أمريكياً، مع مشاركة واشنطن في اختيار ضبّاطه وأفراده؛ أي أنّه قوّةٌ قسرية يُنتقى أفرادها من الخارج وتعمل داخل الدولة اللبنانية، مُكلَّفةٌ بتنفيذ الشقّ العسكري من عملية نزع السلاح، بما يستتبع ذلك على الأرجح من صلاحيات تشمل مداهمة المنازل.

منطقٌ مقلوب

على هذا النحو، يُصبح إنهاء الاحتلال والعدوان الإسرائيلي مكافأةً على تفكيك حزب الله، لا نقطةَ انطلاق لأيّ عملية دبلوماسية. وهذا قلبٌ كامل لمنطق الصراع: فالمقاومة لا تُعالَج هنا بوصفها نتيجةً للاحتلال، بل سبباً له ويُعاد بذلك تحديد موقع العدوّ من الخارج إلى الداخل. ويتحوّل الاحتلال من عدوانٍ صريح إلى «حضورٍ تأديبي مدعوٍّ إليه»، ويُعاد تشكيل لبنان بوصفه محميّةً أمريكية تقوم على نظامٍ سياسي واقتصادي وأمني هدفه المركزي قمع المقاومة لتمزيق أراضيه.

وعملياً، ربطت واشنطن السلام بشرطٍ تعلم أنّه لا يمكن تحقيقه، في ظلّ رفض حزب الله نزع سلاحه وامتناع قيادة الجيش اللبناني عن الانخراط في مواجهةٍ مع الحزب.

ينتج عن ذلك «عملية سلام» تمنح إسرائيل ترخيصاً مفتوحاً لمواصلة عدوانها العسكري إلى أجلٍ غير مسمّى. فالمفاوضات ليست وسيلةً لبلوغ غاية، بل هي الغاية في حدّ ذاتها: تُبقي لبنان مكبَّلاً في مسار التطبيع والأمن، وتوفّر في الوقت ذاته غطاءً قانونياً-سياسياً للعدوان الإسرائيلي والاحتلال المستمرَّين.

ما يتشكّل هنا ليس تسويةً للسلام، بل تحالفٌ قائمٌ على التهديد بين إسرائيل والولايات المتحدة والسلطات اللبنانية، مع تموضع لبنان شريكاً ثانوياً في مهمّة مكافحة التمرّد ضدّ حزب الله. والتحالف، خلافاً للتسوية، يُفرز التزاماتٍ متواصلة بين أطرافه في مواجهة طرفٍ ثالث. ولذا لا يمكن فهم هذا الإطار الناشئ بوصفه محاولةً لحلّ النزاع اللبناني-الإسرائيلي، بل هو آليةٌ لربط إسرائيل والولايات المتحدة والسلطات اللبنانية بهذه المهمّة المشتركة.

وقد عبّر يخيئيل لايتر، سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، عن هذا المنطق بصراحةٍ حين قال إنّ الهدف هو «التوصّل إلى معاهدة سلام كأنّ حزب الله غير موجود، ومحاربة حزب الله كأنّ معاهدة السلام غير موجودة». يؤدّي الإطار المقترح لغةَ السلام والتطبيع، بينما يُرسّخ في الوقت ذاته حملةً أمنية دائمة لمكافحة المقاومة.

العزلة اليمينية

لا يمكن فهم حكومةٍ دخلت هذا التحالف الأمني بمفردات السيادة، مهما أصرّ مؤيّدوها على وصف أنفسهم بـ«السياديين» بشيءٍ من المفارقة. الأدقّ أن تُرى هذه الحكومة وريثةً مؤسسيةً للتقليد العزلوي اليميني في لبنان، الذي لم يكن «عزلويّاً» بمعنى رفض الوصاية الخارجية، بل كان مطالبةً بعزل لبنان عن السياسة العربية وسياسة المقاومة، مع الإبقاء على ارتهانه للغرب وتوافقه مباشرةً أو مداورةً مع إسرائيل.

ما يجعل اللحظة الراهنة أشدّ خطورةً هو أنّ هذا التقليد لم يعد يظهر في صورته الطائفية القديمة؛ فقد تخلّص من طابعه المسيحي الماروني الصريح وغدا اللغة السياسية المشتركة لطبقةٍ عابرة للطوائف باستثناء الشيعة متّحدةٍ ضدّ مجتمع المقاومة الشيعي والهوية السياسية التي يمثّلها.

التقليد اليميني ذاته الذي صنع من الفدائيين الفلسطينيين «طابوراً خامساً» داخل لبنان، يُعاد تفعيله اليوم ضدّ حزب الله، ومن خلاله ضدّ الشيعة بوصفهم مجتمعاً سياسياً.

وصياغة الرئيس جوزيف عون عن «حرب الآخرين على أرضنا» ليست سوى النسخة المؤسسية-العلمانية من خطاب الكتائب عام 1975، حين أُعيدت صياغة المقاومة المسلّحة لإسرائيل لا بوصفها قضيةً لبنانية جذرها الاحتلال والتهجير، بل اختراقاً غريباً للجسد الوطني. ما تغيّر ليس المنطق الجوهري، بل الشكل المؤسسي الذي يتجلّى فيه: ما كان لغةَ ميليشيات اليمين المسيحي، تُرجم اليوم إلى لغة السيادة الوطنية.

وعليه، فإنّ تصريح عون في 27 أبريل بأنّ «الخيانة لمن يأخذ لبنان إلى الحرب خدمةً لمصالح خارجية» ليس مجرّد انتقادٍ لخيارات حزب الله الاستراتيجية.

فالخيانة ليست اتّهاماً أخلاقياً فحسب، بل هي التصنيف الذي تحدّد به الدولة من ينتمي إلى الجسد السياسي ومن يقف خارجه عدوّاً داخلياً. ووصف المقاومة بالخيانة يُخرجها من حقل الخلاف الوطني المشروع إلى حقل الشكّ والولاء المشبوه والتهديد الداخلي.

«حروب الآخرين»

رغم أنّ عون كان يخاطب رسمياً قيادة حزب الله، فإنّ الاتّهام لا يمكن أن يبقى محصوراً هناك. فهو يتمدّد إلى القاعدة الاجتماعية للحزب، المعروفة بـ«بيئة المقاومة»، التي تُشير استطلاعاتٌ حديثة إلى أنّها تمثّل نحو 93 بالمئة من الشيعة الذين تظلّ هويّتهم السياسية مرتبطةً ارتباطاً وثيقاً بمنظومة حزب الله.

وبقدر ما تكون هذه المنظومة متجذّرةً اجتماعياً لا تنظيمياً فحسب، يُعاد تموضع الشيعة خطابياً بوصفهم الشريحة التي عبرت منها المصالح الخارجية إلى الدولة.

قتلاهم لا يُعترف بهم بعد الآن ضحايا لبنانيين للعدوان الإسرائيلي، بل ثمنٌ بشري لـ«حروب الآخرين». تهجيرهم لم يعد جرحاً وطنياً، بل نتيجةً لانتماءٍ سياسي مشبوه. وبعد أن صُنّفوا «البيئة الحاضنة» لأنشطة مقاومةٍ باتت مجرَّمة، يُضفى الشرعية على استهدافهم بوصفه جزءاً من مكافحة التمرّد المتمحورة حول السكّان.

ما يجري إذن ليس تمييزاً طائفياً بمعناه اللبناني المألوف، بل عمليةٌ أعمق من إلغاء الانتماء الوطني السياسي: يُجعل حقّ مجتمعٍ بأكمله في الانتساب إلى الوطن مشروطاً بتخلّيه عن المقاومة التي دافع بها تاريخياً عن أرضه وكرامته وأمنه وهو حقٌّ مشروع بموجب القانون الدولي.

ويُصرّح سامي الجميّل، رئيس حزب الكتائب الركيزة الأساسية في التقليد العزلوي اليميني اللبناني، بهذا المنطق بصورةٍ أكثر جلاءً حين يصف عقيدة المقاومة بـ«غسيل الدماغ»، ويُصرّ على أنّ الجمهورية اللبنانية «لا تستطيع التعايش مع هذه العقيدة».

المشكلة في هذا الطرح لم تعد تنظيماً عسكرياً، بل وعيٌ سياسي بأكمله؛ ثقافةٌ من التضحية والولاء والمقاومة يجب مواجهتها قبل أن يتحقّق نزع السلاح.

النظام الذي تتخيّله واشنطن وتل أبيب لمرحلة ما بعد الحرب ليس لبناناً خاضعاً لإسرائيل وجُرِّد من سلاح حزب الله فحسب، بل لبناناً يُستأصل فيه التمثيل السياسي للمجتمع الشيعي أو يُروَّض، بوصف ذلك شرطاً للترتيب الأمني ذاته.

بهذا المعنى، لا يكون نزع السلاح مطلباً عسكرياً فحسب، بل مشروعَ إعادة تصنيفٍ سياسي: يُطبَّع فيه الاحتلال، وتُصنَّف المقاومة خيانةً، ويُعاد تعريف المجتمع الذي رفض تسليم أرضه لإسرائيل بوصفه العدوّ الداخلي للدولة.

أخبار ذات صلة

Loading...
صورة جوية تظهر المسجد الأقصى في القدس، مع قبة الصخرة الذهبية، محاطًا بالمدينة القديمة والمناطق المحيطة، تعكس الأهمية الدينية والسياسية للموقع.

الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان لسحب ولاية الأردن على المسجد الأقصى

تستعد الولايات المتحدة وإسرائيل لتغيير تاريخي يهدد المسجد الأقصى، حيث تسعى خطة جديدة لتجريد الأردن من وصايته عليه. هل سيؤدي هذا التوجه إلى صراع ديني جديد؟ تابعوا معنا لتكتشفوا التفاصيل المثيرة وراء هذا المخطط الشديد الخطورة.
الشرق الأوسط
Loading...
شاب فلسطيني يظهر جرحه في ذراعه بعد فقدان يده جراء القصف الإسرائيلي، مع خلفية تعكس آثار الدمار في غزة.

غزة: بتّاراً يناضلون من أجل الحركة وسط نقصٍ حاد في الأطراف الصناعية

استفاقت رزان خيرة على صوت الانفجارات، لتجد نفسها في كابوسٍ مرعب. إصاباتٌ مدمرة حولت حياتها، لكن إرادتها لا تزال قوية. اكتشفوا قصة شجاعة تبرز معاناة الفلسطينيين في غزة وكيف يسعون للعيش رغم الصعوبات. تابعوا لتعرفوا المزيد.
الشرق الأوسط
Loading...
لقاء بين مسؤول لبناني وسوري، حيث يتصافحان أمام علمي لبنان وسوريا، مع تفاصيل من الأثاث الفاخر وزهور على الطاولة، يعكس التوترات السياسية بين البلدين.

لبنان والمفاوضات الإسرائيلية: اختبارٌ لتوازن دمشق الحسّاس

تتأرجح العلاقات اللبنانية-السورية بين الحذر والقلق، خاصة مع تصاعد المفاوضات مع إسرائيل. كيف ستؤثر هذه الديناميكيات على مستقبل البلدين؟ تابعوا معنا لاكتشاف التفاصيل المثيرة!
الشرق الأوسط
Loading...
امرأة ترتدي ملابس سوداء تجلس على حطام مبنى مدمر في غزة، تعكس معاناتها في ظل الأوضاع الإنسانية الصعبة.

منظمات إنسانية كبرى تنتقد مجلس السلام لعدم الوفاء بتعهدات مساعدات غزة

مع تصاعد الانتقادات لمجلس السلام الذي أطلقه ترامب، يتجلى الفشل في تحقيق المساعدات الإنسانية لغزة. هل ستستمر العرقلة، أم ستتحقق الوعود؟ اكتشف التفاصيل الصادمة في هذا التقرير الذي يكشف الحقائق المؤلمة.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية