رحلة المراهقة بين رماد بومباي وصمت البركان
في فيلم La Gradiva رحلة عبر بومباي القديمة وبركان فيزوف تحكي قصة مراهقين فرنسيين بين طبقات اجتماعية وهويات متشابكة. سرد طبيعي وواقعي يكشف هشاشة الشباب وأملهم وسط الكوارث والتحديات مع وورلد برس عربي.

في قلب بومباي القديمة، حيث تقف التماثيل شاهدةً على ما أتى به البركان، وجد مجموعةً من الطلاب الفرنسيين في آخر سنواتهم المدرسية أنفسهم أمام مدينةٍ تحوّلت في لحظةٍ واحدة إلى رماد وأمام أنفسهم في الوقت ذاته. هذا هو الكادر الذي اختارته المخرجة الفرنسية Marine Atlan لفيلمها الروائي الأول "La Gradiva"، فيلمٌ يمتد ساعتَين وخمساً وعشرين دقيقة، لا يُعلن عن نفسه بوصفه دراما مراهقة، بل يجلس بصبرٍ وسط تلك المراهقة، ويراقبها كما يراقب المصوّر الوثائقي موضوعه: من مسافةٍ قريبة دون أن يلمسه.
بومباي كمرآة، وفيزوف كتحذير
الرحلة المدرسية إلى بومباي ليست مجرّد ديكور في "La Gradiva"؛ إنّها الشرط الذي يجعل كلّ شيء ممكناً. حين تقود المعلّمة Mme Mercier التي تؤدّي دورها Antonia Buresi طلابها عبر الجداريات والتماثيل وقوالب الجبس التي حفظت أجساد ضحايا البركان، فهي لا تُلقي درساً في التاريخ فحسب، بل تفتح نافذةً على سؤالٍ أعمق: ما الذي يبقى من الإنسان حين يُمحى كلّ شيء؟ Mme Mercier معلّمةٌ للغة اللاتينية، وعشقها لبومباي وفنونها وتاريخها ليس وظيفياً، بل شخصيٌّ وحقيقي، وهو ما يجعل وجودها في الفيلم أكثر من مجرّد دور المرشدة المرافقة.
أمّا بركان فيزوف الذي يطلّ على خليج نابولي طوال الفيلم، فيعمل Marine Atlan على تحويله إلى استعارةٍ متكرّرة: الكارثة التي لا تُعلن عن نفسها قبل أن تقع، والمنظور الجزئي الذي يحجب عنّا ما يوشك أن يحدث. البحر والجداريات وقوالب الجبس تُشكّل خلفيةً بصرية غنيّة، صوّرها Pierre Mazoyer والمخرجة نفسها، وهو اختيارٌ يكشف عن علاقةٍ حميمة بين الكاميرا والمكان.
شخصيات في منتصف الطريق
على متن القطار الإيطالي المتهالك الذي يحمل الطلاب نحو وجهتهم، تبدأ الديناميكيات الاجتماعية في الانكشاف. Suzanne، التي تؤدّي دورها Suzanne Gerin، تحمل سخريةً دفاعية تجاه العالم، وحين تعترف لصديقتها Angela وزميلاتها في الغرفة بهذه السخرية، يبدو الاعتراف نفسه فعلاً شجاعاً. في لحظةٍ من الصراحة النادرة، تقول: "have to be unfuckable for others to be fuckable" جملةٌ تختصر بطريقةٍ مؤلمة آليّةَ الحماية الذاتية التي يبنيها المراهق حول نفسه حين يشعر بأنّه خارج الصورة.
Toni، الذي يجسّده Colas Quignard، يحمل جذوراً عائلية في نابولي، ما يمنحه علاقةً مختلفة مع هذا المكان. هويّته الجنسية وهو مثليٌّ تُقابَل من قِبَل أقرانه بلامبالاةٍ تنتمي إلى جيل بأكمله، لا إلى فردٍ بعينه؛ لامبالاةٌ تبدو أحياناً أكثر تحرّراً من أيّ تصريح. يستخدم Toni وصديقه James الذي يؤدّي دوره Mitia Capellier-Audat تطبيق Grindr بحثاً عن لقاءاتٍ عابرة، في موازاةٍ مع قصّة James ذاتها: فقد قطع تواصله مع Angela، التي تؤدّي دورها Hadya Fofana، بعد لقاءٍ جمعهما على متن القطار، تاركاً وراءه صمتاً يثقل على الفيلم.
ما بين الطبقات والوحدة والتضامن
كتبت Marine Atlan السيناريو بالتعاون مع Anne Brouillet، وهو ما يظهر في التوازن الدقيق بين الخيوط المتعددة للحكاية. الفيلم لا يكتفي بتصوير المراهقة كحالةٍ عاطفية، بل يُعيد رسمها كفضاءٍ اجتماعي تتقاطع فيه الانقسامات الطبقية الموروثة مع أسئلة الهوية والوحدة. مباريات كرة القدم، والنقاشات السياسية، واللقاءات الليلية، والسهرات في الغرف كلّها تكشف عن طبقاتٍ اجتماعية لم تختفِ لمجرّد أنّ أصحابها يرتدون الزيّ المدرسي ذاته.
الأداء في "La Gradiva" يتّسم بالطبيعية التي تجعلك تنسى أنّك أمام ممثّلين، وهذا ليس مصادفة: أسلوب الفيلم يقوم على الانغماس والواقعية، وعلى إيقاعٍ يشبه إيقاع الحياة الفعلية لا إيقاع الدراما المحسوبة. الموسيقى التصويرية مزيجٌ من أغاني البوب الأوروبية الصيفية تُضيف طبقةً إضافية من الحنين المبكّر، كأنّ الصيف نفسه يعرف أنّه سينتهي.
ما يبقى بعد البركان
يُنهي الفيلم رحلته بصوتٍ خارج الكادر يتأمّل الشباب والأمل، ويرفض الاستسلام لفكرة أنّ "everything is dirty" كلّ شيء نجسٌ وملوَّث وهي الفكرة التي يطرحها الفيلم ثمّ يُفنّدها. ليس بالإجابات الجاهزة، بل بالإيمان الهشّ بأنّ المنظور الجزئي لا يعني غياب المسؤولية المشتركة.
"La Gradiva" ليس فيلماً عن بومباي، ولا عن الشباب الفرنسي وحده. إنّه فيلمٌ عن تلك اللحظة الهشّة التي يقف فيها الإنسان على العتبة بين طفولةٍ تنتهي وعالمٍ لم يُقرّر بعد كيف يستقبله — وعن سؤالٍ يطرحه البركان القديم على كلّ من يقف أمامه: هل تنتظر حتّى تنفجر، أم تبدأ بالكلام قبل فوات الأوان؟
أخبار ذات صلة

Tenzing: رحلةٌ استثنائية تصعد بالمشاهد إلى إيفرست مع أوّل رجلَين فتحا قمّتها — أحدهما شيربا أغفلته الذاكرة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

الذكاء الاصطناعي والحداد: 'Talk to Me When You Are Dead' يستكشف حدود الحياة الرقمية بعد الموت
