فيلم سنغافوري يكشف أسرار الحداد الرقمي والذكاء الاصطناعي
في فيلمه الأول Talk to Me When You Are Dead المخرج السنغافوري ألفن لي يستكشف كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد الحياة للراحلين ويمنح العزاء لكنه يطرح سؤالًا إنسانيًا عميقًا عن الفقد والراحة الحقيقية بين التقنية والذاكرة عبر قصة مؤثرة ومليئة بالتحديات. وورلد برس عربي

في بيتٍ سنغافوري، منذ سنوات قليلة، طلب أحد أقارب المخرج ألفن لي (Alvin Lee) منه أن يصنع له فيديو بتقنية الذكاء الاصطناعي لشخصٍ فقدته العائلة. كان لي حينها منشغلاً بكتابة سيناريو فيلمه الأول، وغارقاً في حِداد شخصي على رحيل صديقه المقرّب قبل أربع سنوات. لبّى الطلب، فصنع الفيديو. لكنّ ما حدث بعدها هو ما بقي يشغله: "صنعتُه، وقد منح راحةً حقيقية لأناسٍ أحبّهم، وما زلتُ لا أعرف ماذا أفكر حيال ذلك"، يقول لي. ويضيف موضحاً المفارقة التي ستصبح جوهر فيلمه: "الشخص الذي ظهر في الفيديو لم يكن هو فعلاً، لكنّ الراحة التي خلقها كانت حقيقية. هذا التناقض أصبح نقطة انطلاق الفيلم".
من هذا المشهد العائلي الصغير، وُلد "Talk to Me When You Are Dead"، أول عمل روائي طويل للمخرج السنغافوري، والذي يُعرض الآن في مرحلة التطوير ضمن سوق المشاريع الآسيوية (Asian Project Market) التابع لسوق المحتوى والأفلام الآسيوية (ACFM) في مهرجان بوسان السينمائي الدولي.
حين تتحول الذاكرة إلى مشروع تجاري
يدور الفيلم في مستقبلٍ قريب، حول المبرمج يونغ يي الذي يصنع نسخة رقمية طبق الأصل من زوجته الراحلة كيت، في محاولةٍ للتعامل مع فقدانها. لكنّ الحكاية لا تتوقف عند الحداد الفردي؛ فصديقٌ لـيونغ يي يقنعه بتحويل تجربته إلى مشروعٍ تجاري، يبيع فيه "بوتات حِداد" (grief-bots) لأشخاصٍ فقدوا أحباءهم حديثاً.
يتعقّد الخط الدرامي حين يُستأجَر يونغ يي سرّاً لصنع نسخة رقمية من السيد يون، المعماري المشهور المصاب بمرضٍ عضال. يبدأ يونغ يي بتسجيل ذكريات يون، مُخفياً عنه الغرض الحقيقي من هذه اللقاءات. لكنّ العلاقة بينهما تتطور تدريجياً إلى رابطٍ يُشبه علاقة الأب بابنه، ما يضع يونغ يي أمام خيارٍ صعب: إتمام عملٍ مُجزٍ مادياً، أو حماية الرجل الذي بات يهمّه أمره. هذه الأزمة تدفعه في النهاية إلى مواجهة ما حدث فعلاً لكيت، في مسارٍ يصف صنّاع الفيلم بأنه "دراما كوميدية سوداء" تتناول الاتصال الإنساني الحقيقي مقابل الحفظ الرقمي للذاكرة.
يقول لي إنه يأمل أن يجد الجمهور في الفيلم أملاً، وأن يتذكّروا إنسانيتهم وسط توسّع التكنولوجيا في تفاصيل الحياة اليومية. ويذهب أبعد من ذلك في تأمله للألم نفسه: "يمكننا أيضاً أن نعيش في الراحة والإنكار، لكن في أحيانٍ كثيرة يكون الألم الذي يكسرنا جزءاً منّا، وضرورياً لنمونا. هذا ما يجعلنا بشراً".
من هم الذين راهنوا على القصة؟
خلف الكاميرا، يقف المنتجان أنتوني تشن (Anthony Chen) وجينا تان (Gina Tan)، وكلاهما يعرف لي منذ سنوات طويلة سبقت هذا المشروع. تابع تشن أفلام لي القصيرة منذ أن كان طالباً في مدرسة السينما، وعمل معه لاحقاً على تشكيل ملامح فيلمه الروائي الأول. أما تان فالتقت لي قبل خمس سنوات حين انضمت إلى أحد أفلامه القصيرة، وتصف أسلوبه بأنه يتعامل بخفّة مع موضوعاتٍ متنوعة.
يصف تشن مسار الوصول إلى هذه الفكرة بأنه استغرق محاولاتٍ عدة: "استغرق الأمر عدة محاولات قبل أن نستقرّ على هذه الفكرة، ويسعدني أنها تنبع من مكانٍ شخصي، لكنها تحمل في الوقت نفسه جاذبية إنسانية واسعة". أما تان فتربط بين حساسية لي الشخصية ومتطلبات الفيلم نفسه: "هو لا يتراجع أمام الأشياء الصعبة، لكنه لا يسمح لها أبداً أن تصبح مُثقَلة أو مباشرة. هذه الحساسية بالذات هي ما يتطلبه فيلم 'Talk to Me When You Are Dead'، وهي بالضبط ما يجعله الشخص المناسب لصنعه".
السيناريو، الذي مرّ بمسودته الثالثة بعد سنواتٍ من التطوير، يخوض الآن أولى محطاته العلنية في بوسان. ويأمل المنتجان أن يُرسّخ هذا العرض اسم لي كمخرجٍ يقدّم عمله الروائي الأول، فيما يسعيان إلى استقطاب منتجين مشاركين وممولين ومتعاونين آخرين، مؤمنَين بأن القصة قادرة على تجاوز الحدود الإقليمية والتحدث إلى جمهورٍ أوسع.
وماذا بعد هذا الفيلم؟
لا يتوقف لي عند هذا المشروع وحده. فهو يطوّر حالياً فكرة أخرى، تدور أحداثها في سنغافورة المعاصرة، وتتناول قضيتين تشغلان البلاد اليوم: انخفاض معدل المواليد، وندرة الأراضي، مع إدخال عنصرٍ خارق للطبيعة إلى هذا السياق الواقعي.
يبقى السؤال الذي يطرحه "Talk to Me When You Are Dead" معلّقاً خارج الشاشة أيضاً: حين تصبح التكنولوجيا قادرة على استعادة أصوات من رحلوا ووجوههم، ما الذي نفقده حقاً حين نختار أن نتعزّى بنسخةٍ ليست هم؟ سؤالٌ وُلد من طلبٍ عائلي بسيط، وها هو الآن يسافر إلى بوسان بحثاً عن من يرويه للعالم.
أخبار ذات صلة

Tenzing: رحلةٌ استثنائية تصعد بالمشاهد إلى إيفرست مع أوّل رجلَين فتحا قمّتها — أحدهما شيربا أغفلته الذاكرة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

Olivia Wilde تسعى لتاريخ أوسكاري جديد مع "The Invite"
