تفكيك الوصاية الأردنية على المقدسات في القدس
تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل لتفكيك الوصاية الأردنية على المقدسات في القدس، مما يهدد السلام. كيف تؤثر هذه التحركات على المنطقة؟ اكتشف المزيد عن التاريخ والسياسة في هذا السياق المشتعل.

على الرغم من الاعتراف الأمريكي الطويل الأمد بالأردن بوصفه الوصيّ على المقدّسات الإسلامية والمسيحية في القدس، بما فيها المسجد الأقصى، كشف حديثا أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل تعملان بصورة فعلية على تفكيك هذه الترتيبات.
وقد يكون فشل الحرب على إيران في تحقيق أهدافها، واقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في الخريف، فضلاً عن الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقرّرة في أكتوبر والتي قد تُعقَد قبل ذلك إن سقطت الحكومة الائتلافية وراء سعي القيادتَين الأمريكية والإسرائيلية إلى تحقيق "إنجازات" من نوعٍ آخر.
وقد لجأ الرئيس الأمريكي Donald Trump مجدّداً إلى أسلوب التهديد بالأمور المستحيلة، إذ لوّح بعدم التوقيع على أيّ اتفاق مع إيران ما لم تنضمّ المملكة العربية السعودية ودولٌ أخرى إلى اتفاقيات أبراهام. يعلم Trump أنّ هذا المسار مسدود؛ فهو يتجاهل الثابت الجوهري الذي أرسته مبادرة السلام العربية التي أطلقتها المملكة العربية السعودية عام 2002، والتي ربطت التطبيع مع إسرائيل بوجود مسارٍ موثوق نحو إقامة الدولة الفلسطينية. وقد أكّدت المملكة هذا الموقف مراراً وتكراراً.
في المقابل، يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu مسيرته، فعلى الرغم من خطابه الدوري عن الحفاظ على الوضع التاريخي القائم، فإنّه أتاح لوزير أمنه القومي اليميني المتطرّف Itamar Ben Gvir تقويضَ هذا الوضع عبر اقتحاماتٍ متكرّرة لباحات المسجد الأقصى.
واقتحام المقدّسات لاستثمارها انتخابياً ليس تكتيكاً جديداً. فقد أتاحت الزيارة الاستفزازية التي أقدم عليها زعيم Likud السابق Ariel Sharon عام 2000، محاطاً بحشدٍ كبير من قوات الأمن الإسرائيلية، فوزَه في الانتخابات التالية وتسلُّمَه رئاسة الحكومة على حساب إشعال فتيل الانتفاضة الثانية.
غير أنّ المشهد اليوم يبدو مختلفاً. فالعبث بالوصاية الهاشمية على مقدّسات القدس، ولا سيّما المسجد الأقصى، لن يُفضي إلى سلامٍ وتعايش، بل سيضع المنطقة والعالم على حافّة مواجهةٍ لا تُحمد عقباها.
الإرث الهاشمي
كشف أنّ مخطّط إضعاف الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى يحظى بدعم الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة، بما في ذلك السفير الأمريكي لدى إسرائيل Mike Huckabee، وإن كان مسؤولٌ أمريكي قد نفى هذا التقرير لاحقاً.
وكان Huckabee قد صرّح سابقاً بأنّه لا يرى مانعاً في أن تمتدّ إسرائيل من النيل إلى الفرات، متجاوزةً عدّة دول عربية يقطنها ملايين البشر، في تجاهلٍ تامّ للقانون الدولي. أمّا رؤية Netanyahu لـ"إسبرطة الكبرى" فتغفل عن حقيقةٍ تاريخية بسيطة: أنّ أثينا عاشت أطول من إسبرطة.
وما يظنّه الصهاينة المسيحيون مفيداً لهم، ليس بالضرورة مفيداً لليهود أو لإسرائيل بمعزلٍ عن السياسيين الانتهازيين الذين يدفنون رؤوسهم في الرمال.
وحين نتحدّث عن الوصاية على مقدّسات القدس الإسلامية والمسيحية، لا بدّ من استحضار إرث الأسرة الهاشمية الملكية.
الهاشميون، المنحدرون من آل بيت النبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم، ضاربو الجذور في جزيرة العرب قبل الإسلام. وقد نقش بنو هاشم اسمهم في صفحات التاريخ رعاةً لحجّاج بيت الله الحرام في مكة المكرّمة. ويعود اسم "هاشم"، جدّ النبيّ الأكبر، إلى كرم هذه الأسرة في إطعام الحجيج. وقد رعت هذه الأسرة النبيلة المقدّسات في مكة والمدينة على مدى ألف عام.
وعلى الصعيد الديني، يرد ذكر المسجد الأقصى في القرآن الكريم باعتباره مقصد الإسراء والمعراج، وقد بارك الله في محيطه. وفي السنّة النبوية، يُعدّ من أقدس ثلاثة مساجد في الإسلام، إلى جانب المسجد الحرام والمسجد النبوي.
اتفاق بين الأديان
في عام 637 ميلادية، أُرسيت "العهدة العمرية"، وهي اتفاقٌ بين الأديان يُنسَب إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والبطريرك Sophronius، لحماية المقدّسات المسيحية في القدس وضمان حرية العبادة.
وخلال جولة في كنيسة القيامة، دعا Sophronius عمرَ إلى الصلاة داخل الكنيسة، فاعتذر عمر برفقٍ، خشيةً من أن يتّخذ المسلمون من بعده ذلك ذريعةً لتحويلها إلى مسجد. كان عمر واعياً للأبعاد السياسية لسلوكه، ومدركاً حدود الضيافة لا سيّما في الفضاء الديني.
وقبل دخول الإسلام في القرن السابع الميلادي، كان اليهود ممنوعين من الإقامة في القدس. وتشير مخطوطات "الجنيزة القاهرية" اليهودية إلى أنّ عمر هو من أعاد اليهود إلى المدينة المقدّسة، وهذا ينسجم مع الرؤية الإسلامية: فقد شهد عمر بنفسه في المدينة المنوّرة كيف استقبل النبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم وفداً مسيحياً من نجران في مسجده.
وتنبثق العهدة العمرية من لاهوتٍ إسلامي يقوم على مبدأ "الآخرية اللطيفة" تجاه أهل الكتاب. ويدعو القرآن الكريم صراحةً إلى حماية دور العبادة جميعها: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا."
وفي مطلع القرن العشرين، رفع الهاشميون راية الوصاية، صوناً للحقوق الدينية للمسلمين والمسيحيين في القدس وحفاظاً على حرمة مقدّساتهم بدءاً من بيعةٍ دينية للملك الحسين بن علي عام 1917، وبيعةٍ سياسية عام 1924.
ودُفن الشريف حسين داخل الرواق الغربي لباحة المسجد الأقصى عام 1931 وفق وصيّته. ولم تنضب محبّة الهاشميين للمسجد الأقصى يوماً.
وحين أعلن الملك الحسين بن طلال فكّ الارتباط مع الضفة الغربية المحتلّة عام 1988، استثنى صراحةً مقدّسات القدس الشرقية و أوقافها، محافظاً بذلك على الوصاية الهاشمية. وقد جرى هذا الاستثناء بالتنسيق مع ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك.
دعمٌ لا يتزعزع
جرى الاعتراف بالدور الأردني الخاص لاحقاً في معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية عام 1994.
وبعد أن حظيت فلسطين بصفة دولة مراقب غير عضو في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012، رسّخ الملك الأردني عبدالله الثاني الوصاية على مقدّسات القدس الإسلامية والمسيحية بـتوقيع اتفاقٍ تاريخي مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في عمّان في مارس 2013.
وأكّد الاتفاق وصاية الأردن على مقدّسات القدس، ومنح الملكَ حقّ اتخاذ كلّ الإجراءات القانونية لصونها، ولا سيّما باحة المسجد الأقصى بكاملها، بما تشمله من ساحاتٍ مفتوحة هي سمةٌ معمارية للمساجد في أرجاء العالم الإسلامي. ولم يُحدَّد لهذا الاتفاق أجلٌ زمني.
وقد بذل الهاشميون جهوداً متواصلة في الدفاع عن مقدّسات القدس الإسلامية والمسيحية؛ إذ تموّل مشاريع الترميم الجارية في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة مباشرةً من الملك عبدالله الثاني.
وتُعدّ دائرة الأوقاف الإسلامية، التابعة رسمياً لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمقدّسات الأردنية، أكبر جهةٍ توظيف في القدس الشرقية المحتلّة، وتُسهم إسهاماً ملموساً في القطاع الاقتصادي الفلسطيني. كما تشرف الأوقاف على عشرات المساجد والمرافق في القدس.
و الوصاية الهاشمية تحظى بدعمٍ لا يتزعزع في الأردن، إذ يعدّها الأردنيون خطّاً أحمر وركيزةً أساسية للهوية الوطنية.
وعلى الصعيد الفلسطيني، كسبت هذه الوصاية قلوب الفلسطينيين الذين رفضوا فكرة إشراك دولٍ عربية أخرى في إدارة المقدّسات حين طُرحت قبل سنواتٍ. وقد أعلن الملك عبدالله الثاني صراحةً في أكثر من مناسبة أنّ المسجد الأقصى ليس للتقسيم ولا للمشاركة.
وطالما أكّد الأردن قيم التسامح والاعتدال والاستقرار، إذ يستقبل الديوان الملكي الهاشمي سنوياً قادةَ الكنائس المسيحية والعلماء المسلمين ومسؤولي الأوقاف في موسمَي الميلاد ورمضان. وفي ديسمبر الماضي، وصف المطران الأنجليكاني Hosam Naoum الوصايةَ الهاشمية بأنّها "صمّام أمان".
والعالمان العربي والإسلامي يقفان خلف الأردن موقفاً موحّداً. فقد تأسّست منظمة التعاون الإسلامي إثر حادثة الحريق التي أشعلها متطرّفٌ مسيحي أسترالي في المسجد الأقصى عام 1969. أمّا اليوم، فإنّ حريقاً سياسياً متعمّداً قد يُغيّر وجه المنطقة إلى الأبد.
أخبار ذات صلة

السلطة الفلسطينية تحذّر من خطة «خطيرة» لسحب ولاية الأردن على الأقصى

الإمارات والبحرين تتحفظان على إدانة الخليج لفتح الصومال مكتباً في القدس

الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان لسحب ولاية الأردن على المسجد الأقصى
