إسرائيل تستغل الغاز الفلسطيني وسط انتقادات دولية حادة
إسرائيل تمنح تراخيص تنقيب في مياه فلسطينية قبالة غزة ما يثير انتقادات حقوقية وبيئية ويُعتبر انتهاكاً للقانون الدولي والاتفاقيات. جدل حول استغلال الغاز وتأثيره على حقوق الفلسطينيين والبيئة في وورلد برس عربي.

منذ عام 2024، منحت إسرائيل تراخيص تنقيب عن الغاز الطبيعي في مناطق تُعدّ جزءاً من الحدود البحرية الفلسطينية قبالة سواحل غزة، وهو ما أثار موجة واسعة من الإدانات من قِبَل منظمات حقوق الإنسان والمدافعين عن البيئة.
في فبراير الماضي، أقرّ وزير الطاقة الإسرائيلي Eli Cohen الجولة الخامسة من منح تراخيص استكشاف الغاز البحري في البحر المتوسط. وبحسب بيان وزارة الطاقة والبنية التحتية، يتيح المشروع لشركات الطاقة التنقيب في نحو 8,600 كيلومتر مربع من المياه، موزّعة على ستّ مناطق بحث.
وأفادت منظمة عدالة (Adalah)، المركز القانوني الحيفاوي المعني بحقوق الفلسطينيين، بأنّ منطقتين من أصل ست تقعان داخل المياه الإقليمية الفلسطينية المعترف بها قبالة غزة، مشيرةً إلى أنّ الجولة السابقة من التراخيص كانت قد تجاوزت هي الأخرى حدود المياه الفلسطينية.
وفي رسالة أرسلتها المنظمة الشهر الماضي إلى Cohen والمستشارة القانونية للحكومة الإسرائيلية Gali Baharav-Miara، جادلت عدالة بأنّ الجولة الجديدة من التراخيص تفتقر إلى الشرعية القانونية، إذ تمتدّ نحو 1,000 كيلومتر مربع من المنطقة المحدّدة داخل المياه التي تطالب بها دولة فلسطين، وطالبت الحكومة بوقف خطط التنقيب فوراً.
وقالت الرسالة، التي تم الاطّلاع عليها ، إنّ إسرائيل «لا تملك صلاحية العمل» في المناطق البحرية الفلسطينية، مضيفةً أنّ أيّ عمليات استكشاف هناك ستُشكّل انتهاكاً صريحاً للقانون الإسرائيلي والدولي على حدٍّ سواء.
وأكّدت عدالة أنّ إسرائيل لا يمكنها توظيف «احتلالها غير المشروع المستمرّ ذريعةً لإنكار الحقوق السيادية لدولة فلسطين والشعب الفلسطيني». كما رأت أنّ خطط الحفر البحري تنتهك اتفاقيات أوسلو الموقّعة مع السلطة الفلسطينية عام 1993، فضلاً عن كونها تخرق أحكام القانون الإنساني الدولي الذي يحظر على القوى المحتلّة استغلال الموارد الطبيعية في الأراضي الخاضعة للاحتلال.
وقالت سهاد بشارة، المديرة القانونية لمنظمة عدالة، إنّ خطط الحفر البحري «لا يمكن فصلها عن السياسة الإسرائيلية التصعيدية الأشمل الرامية إلى ترسيخ الضمّ والسيطرة على الأرض والموارد الفلسطينية». وأضافت في بيانٍ علني أنّ المشروع ليس مجرّد انتهاك للقانون الدولي، «بل محاولة لإرساء سيطرة دائمة على الأرض والموارد الفلسطينية» بما يُقوّض حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
ولم تُفصح وزارة الطاقة حتى الآن عن نتائج الجولة الترخيصية منذ إعلان المناقصة.
وبحسب عدالة، ارتبطت صناعة الغاز الإسرائيلية تاريخياً بانتهاكاتٍ أوسع لحقوق الفلسطينيين؛ فمنذ مطلع الألفية الثالثة، تحول إسرائيل دون وصول السلطة الفلسطينية إلى احتياطيات الغاز في حقل «غزة مارين» (Gaza Marine)، الذي يُقدّر الخبراء أنّه يحتوي على ما يصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز، وقد يُدرّ على السلطة الفلسطينية ما يبلغ 4 مليارات دولار وفق التقديرات. كما أشارت المنظمة إلى أنّ إسرائيل تُصدّر غازاً بمليارات الدولارات إلى مصر عبر خطّ أنابيب عسقلان-العريش، الذي يمرّ بالمياه الإقليمية الفلسطينية دون أيّ موافقة فلسطينية.
تعظيم الأرباح
أوضح Yuval Arbel من جمعية Zalul البيئية الإسرائيلية المعنية بحماية البحار والأنهار والموارد المائية، أنّ إسرائيل تمتلك أصلاً من الغاز ما يكفي لتلبية احتياجاتها الطاقوية.
وقال Arbel : «لا حاجة إلى زيادة إنتاج الغاز، بل ينبغي التحوّل نحو الطاقة المتجدّدة». ونبّه إلى أنّ عمليات الحفر البحري تُشكّل مخاطر جسيمة على النظم البيئية البحرية، وتُسهم في تفاقم تغيّر المناخ من خلال انبعاثات الغازات الدفيئة.
ورأى Arbel أنّ وزارة الطاقة تنطلق من افتراض مفاده أنّ الطاقة المتجدّدة وحدها لن تُلبّي الطلب المستقبلي على الطاقة في إسرائيل، لكنّه أضاف أنّ الوزارة تحرّكها أيضاً دوافع الربح. وقال: «إذا استُخرج الغاز من هذه المواقع، فلن يحدث ذلك قبل ستّ إلى عشر سنوات من الآن. ومن يدري إن كان الطلب على الغاز سيبقى قائماً بعد عشر أو خمس عشرة سنة؟ لا توجد فائدة حقيقية لإسرائيل من استخراج المزيد من الغاز سوى العائدات التي تتدفّق إلى خزينة الدولة عبر الصادرات»، متّهماً الوزارة بالسعي إلى «تعظيم الأرباح».
وفي عام 2024، أعلنت وزارة الطاقة تحقيق «عائدات قياسية» من إنتاج الغاز، إذ حصلت الدولة على 2.3 مليار شيكل (نحو 640 مليون دولار) في صورة إتاوات، بزيادة تجاوزت 8 بالمئة مقارنةً بالعام السابق.
وتُشغّل إسرائيل حالياً عدّة حقول غاز بحرية تديرها شركات طاقة دولية ومحلية، تُدرّ مليارات الشواكل منذ خصخصة القطاع عام 2015. ومن أبرز الشركات الدولية العاملة في منصّات الغاز الإسرائيلية: شركة Energean البريطانية، وعملاق الطاقة الأمريكي Chevron. وفي العام الماضي، فازت شركة BP وشركة SOCAR الأذربيجانية المملوكة للدولة بعروض في الجولة الرابعة من التراخيص البحرية الإسرائيلية، التي يرى المنتقدون أنّها تنتهك السيادة الفلسطينية.
وختم Arbel بالقول: «الأضرار المحتملة الناجمة عن الحفر بحثاً عن الغاز بالغة الخطورة لدرجة أنّه حتى لو كان احتمال وقوع كارثة صغيراً نسبياً، فإنّ المخاطرة لا تستحق».
الغاز وقوداً للمستوطنات
منذ عام 2015، أصبح الغاز المصدرَ الرئيسي للطاقة الكهربائية في إسرائيل، متجاوزاً الفحم والطاقة المتجدّدة وسائر مصادر الطاقة الأخرى. وبحسب تقرير صادر عن الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، كان الغاز يُشكّل أكثر من 49 بالمئة من إنتاج الكهرباء في إسرائيل عام 2014، وبعد عقدٍ واحد ارتفعت هذه النسبة إلى أكثر من 70 بالمئة، فيما استأثر كلٌّ من الفحم والطاقة المتجدّدة بنحو 14 بالمئة لكلٍّ منهما.
ومنذ توليّه منصبه عام 2024، دأب Cohen على دفع سياساتٍ تستهدف ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلّة، تلبيةً لمطالب حركة المستوطنين. وفي الأسبوع الماضي، أعلن عن خطط لتوسيع البنية التحتية للغاز الطبيعي في الضفة الغربية المحتلّة، قائلاً: «نحن نُطبّق السيادة على أرض الواقع». ويرمي المشروع إلى مدّ إمدادات الغاز من البحر المتوسط لتصل إلى المستوطنات الإسرائيلية.
وفي وقتٍ سابق من هذا الأسبوع، صرّح Cohen لقناة Channel 14 News بأنّ وزارته تخطّط لإنشاء محطّات طاقة جديدة وشبكة أنابيب غاز عبر الضفة الغربية، واصفاً ذلك بأنّه «المفتاح الاقتصادي في مسار وصول مليون» مستوطن للإقامة في تلك الأراضي.
في المقابل، كشف بحثٌ نشرته شبكة Social Science Research Network العام الماضي أنّ البصمة الكربونية المتولّدة خلال الأشهر الخمسة عشر الأولى من الحرب الإسرائيلية على غزة تجاوزت الانبعاثات السنوية لأكثر من 100 دولة مجتمعةً.
ومنذ أكتوبر 2023، دمّرت إسرائيل البنية التحتية للطاقة في غزة التي كانت هشّة أصلاً، ما أفضى إلى انقطاعٍ شبه كامل للكهرباء طوال عام 2024، وفق ما أفاد به مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (Ocha). وقبل اندلاع الحرب، كان سكّان غزة يحصلون على الكهرباء بمعدّل عشر ساعات يومياً في المتوسط، فيما كانت الأراضي الفلسطينية تعتمد في معظمها على الإمدادات الكهربائية الإسرائيلية.
وبحسب معهد الدراسات الفلسطينية، كان الفلسطينيون يستمدّون 87 بالمئة من كهربائهم من إسرائيل قبل الحرب، فيما كانت النسبة المتبقّية تُؤمَّن من مصر والأردن وأنظمة الطاقة الشمسية المحلية.
أخبار ذات صلة

الحوثيون يؤكدون قصف مطار صنعاء

الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الأمير السابق لقطر، يرحل عن عمر 74 سنة

مصر تعمّق محاذاتها البحرية في القرن الأفريقي عبر اتفاق مع الصومال
