لماذا لا نرى الثقوب السوداء المعزولة قربنا؟
علماء الفلك يبحثون عن ثقوب سوداء معزولة قرب المجموعة الشمسية عبر بيانات «غايا» لكن لم تُكتشف حتى الآن. الدراسة تكشف تحديات الرصد بسبب خفوتها وعزلتها وتطرح احتمالات وجودها داخل السحب بين النجمية. اكتشف المزيد على وورلد برس عربي.

لم يعثر علماء الفلك بعد على ثقب أسود معزول قرب المجموعة الشمسية. ما لديهم خمسة مرشحين استخرجتهم بيانات مرصد «غايا» (Gaia)، لكنّ فحص فهارس الأشعة تحت الحمراء والراديو لم يجد أي مصدر يطابقها. والمرجّح أن بعضها أو كلّها ليس ثقوباً سوداء أصلاً. هذه خلاصة دراسة نُشرت في «مجلة الفيزياء الفلكية» (The Astrophysical Journal) بعنوان «البحث عن مرشحين لثقوب سوداء معزولة ضمن 15 بارسك من المجموعة الشمسية في Gaia DR3». ويقود الدراسة عبد الرحمن نصيروف (Abdurakhmon Nosirov) من جامعة فودان (Fudan University) في شانغهاي بالصين. يمكن الاطلاع على نص الدراسة المنشورة.
لماذا يصعب العثور على ثقب أسود لا يُرى؟
تقدّر التقديرات عدد الثقوب السوداء النجمية في مجرة درب التبانة بما بين 100 مليون ومليار ثقب. ويكتب الباحثون: «تتنبأ النماذج النظرية بأن المجرة تحتضن نحو 100 مليون إلى مليار ثقب أسود تشكّلت من الانهيار الثقالي الكامل لنجوم ثقيلة، وبأن معظم هذه الثقوب معزول، بلا أي رفيق».
هذه العزلة هي أصل المشكلة. فالثقوب السوداء فائقة الكتلة أسهل رصداً. عندما تلتهم مادة بنشاط، تتشكل حولها حلقات ساخنة تبعث إشعاعاً شديد الطاقة، وتُسمّى هذه المنظومات «النوى المجرية النشطة» (AGN). وأسطعها الكوازارات، التي تُرى عبر مسافات هائلة. وقد يصدر عن هذه النوى نفثان متعاكسان من المادة، وإذا اتجه أحدهما نحو الأرض ظهرت «البلازارات».
الثقب الأسود المركزي في مجرتنا، «القوس أ*» (Sgr A*)، حالة مختلفة. فهو ساكن، يتغذى على قدر ضئيل من المادة ولا يكاد يبعث إشعاعاً. وقد رُصد عبر تسارع النجوم القريبة منه بفعل جاذبيته وتأثيره في مداراتها. أما الثقوب السوداء النجمية فأكثر خفوتاً وأصعب كشفاً.
أين يمكن أن تكون قريبة منا؟
يقدّر الباحثون: «قد يوجد بضعة ثقوب سوداء ضمن 15 بارسك من المجموعة الشمسية (نحو 50 سنة ضوئية)». وتعتمد قابلية رصدها على موقعها. فإذا وقع الثقب داخل إحدى «السحب بين النجمية المحلية»، وهي تشغل 5% إلى 20% من هذا الحجم المحلي، فإن المادة المحيطة قد تغذّيه. وتشمل هذه السحب السحابة G وجاراتها، أما «السحابة بين النجمية المحلية» نفسها فهي غاز متأيّن جزئياً، وتتحرك المجموعة الشمسية قرب حافتها. وتقول الدراسة: «إذا وُجد ثقب أسود معزول داخل إحدى السحب بين النجمية المحلية، التي تشغل 5% إلى 20% من هذا الحجم المحلي، فقد يصدر عنه إشعاع كهرمغناطيسي قابل للكشف عبر التراكم من الوسط بين النجمي، بالنظر إلى قدرات المراصد الحالية أو القريبة».
لكنّ التنبؤات هنا تحمل هامش شك واسعاً، فالدراسة تتحدث عن «شكوك كبيرة في أطياف التراكم المتوقعة». وقد يكون الثقب خافتاً وطيفه شحيح الملامح، ولذلك يرى الباحثون أن الرصد بأداة واحدة قد لا يكفي لكشفه.
أما خارج السحب فالصورة أقل تشجيعاً. يقول الباحثون: «خارج هذه السحب سيكون معدل التراكم منخفضاً جداً؛ ووفق نماذجنا، فإن التدفق الكهرمغناطيسي الناتج يقل كثيراً عن عتبات الكشف في المراصد الحالية والقريبة». والطريق الثالث، وهو الفلكياء القياسية (Astrometry) التي ترصد أثر الجاذبية في النجوم المجاورة، لا يبدو أفضل حالاً: «رغم أن الكشف الفلكياسي عبر الاضطراب الثقالي للنجوم القريبة أمر وارد، فإن الكثافة النجمية المحلية أدنى من أن تجعل هذه الطريقة ناجحة واقعياً».
ما الذي وجده «غايا» ولماذا لا يكفي؟
أفرز تحليل بيانات الإصدار الثالث من «غايا» (Gaia DR3) ستة مرشحين محتملين لثقوب سوداء معزولة تتغذى من الوسط بين النجمي. استبعد الباحثون أحدها بوصفه قزماً بنياً، فبقيت خمسة مرشحين.
غير أن هؤلاء الخمسة يقعون جميعاً قرب مستوى المجرة، وهذا ما يدعو إلى الحذر. تقول الدراسة: «جميع المرشحين قريبون من المستوى المجري، ما يجعلها على الأرجح حلولاً فلكياسية زائفة، ناجمة مثلاً عن مصادر خلفية غير مُنمذَجة (ازدحام) و/أو عن ثنائية غير مُنمذَجة». وفوق ذلك لم يجمع «غايا» أطيافاً، فلا تتوافر أدلة طيفية تحسم طبيعة هذه الأجرام.
لذلك لجأ الفريق إلى فهارس أخرى. فهرس CatWISE يغطي مصادر الأشعة تحت الحمراء في نطاق 15 بارسك حول المجموعة الشمسية، وهو مبني على مهمة المسح الاستقصائي واسع المجال للأشعة تحت الحمراء (WISE) التابعة لناسا (NASA). وعلى الجانب الراديوي، استُخدم فهرسان يغطيان السماء. الأول RACS (المسح المستمر السريع لتلسكوب ASKAP)، وهو مشروع تشرف عليه منظمة CSIRO، وقد رصد السماء الراديوية مراراً بتلسكوب ASKAP كاملاً بأطباقه الـ36. والثاني VLASS (مسح السماء بالمصفوفة الكبيرة جداً)، وهو مشروع المرصد الوطني لعلم الفلك الراديوي (National Radio Astronomy Observatory)، وقد فهرس 10 ملايين مصدر راديوي منفرد.
توقعت نماذج الدراسة أن تظهر مرشحات «غايا» في CatWISE لو كانت ثقوباً سوداء تتغذى فعلاً. وتوضح الدراسة: «ورغم أن عتبات الكشف في الفهارس الراديوية قريبة من التدفقات التي تتنبأ بها نماذجنا، فإن النموذجين يتفقان على أنه لو كانت هذه المصادر ثقوباً سوداء تتغذى من الوسط بين النجمي، لكان ينبغي كشفها في CatWISE». لكن الباحثين لم يجدوا أي مصدر في الأشعة تحت الحمراء أو الراديو يطابق المرشحين. ويخلصون إلى أن «بحثنا عن الإشعاع تحت الأحمر والراديوي من هذه المصادر يشير كذلك إلى أنه من غير المرجح أن تكون ثقوباً سوداء تتغذى من الوسط بين النجمي».
والدقة هنا لازمة. فالنتيجة لا تنفي وجود ثقوب سوداء معزولة قريبة، بل تضعف فرضية أن هؤلاء المرشحين الخمسة منها. ويظل وصفهم «غير مؤكدين» هو الأصح.
ما الخطوة التالية؟
يوصي الفريق بالمتابعة على أكثر من نطاق طيفي، فـ«حملات المتابعة متعددة الأطوال الموجية، التي تغطي نطاقات الراديو والبصري والأشعة السينية، ضرورية لاستبعاد التفسيرات البديلة وتأكيد طبيعة أي مرشح». أما الخطة البحثية المقبلة فتقول عنها الدراسة: «ستركز الجهود المستقبلية على البحث عن ثقوب سوداء معزولة تتغذى من الوسط بين النجمي الدافئ المتأيّن جزئياً في فهارس الراديو والأشعة السينية».
وثمة موعد في الأفق. من المقرر أن يصدر مرصد «مصفوفة الكيلومتر المربع» (Square Kilometer Array) دفعة جديدة من بياناته في مطلع عام 2027، ويصفها الباحثون بأنها «واعدة بشكل خاص لهذا المسعى». وسيُعرف حينها إن كانت السماء القريبة تخفي ثقوباً سوداء ساكنة تنتظر من يرصدها بالأدوات المناسبة.
أخبار ذات صلة

قرصين في واحد، كيفية تراكم الأقراص، ومحرك الثقب الأسود، والنفاثات

ناسا تكشف تحديثات خطة أرتيميس في 23 أكتوبر

كيف تكشف شرائط التوهج عن الانفجارات الشمسية المخفية على الشمس
