كيف تكشف شرائط التوهّج أسرار انفجارات الشمس القوية
اكتشف كيف يفسر العلماء توهّجات الشمس وتأثيرها على الأرض عبر دراسة شرائط التوهّج المعقدة التي تكشف عن معدل تحرير الطاقة المغناطيسية في الإكليل الشمسي وتأثيرها على الاتصالات والملاحة في وورلد برس عربي.

- حين يضرب توهّجٌ شمسي طبقة الأيونوسفير، قد ينقطع الاتصال اللاسلكي في الطيران والملاحة البحرية، وقد تظهر أخطاء في أنظمة تحديد المواقع (GPS)، وقد تتعطّل إلكترونيات المركبات الفضائية. لكنّ العلماء ما زالوا يجهلون كيف تتحرّر طاقة هذه الانفجارات داخل الشمس أصلاً. دراسة جديدة في مجلة «ذا أستروفيزيكال جورنال» (The Astrophysical Journal) تقترح طريقة رصدية لسدّ جزءٍ من هذه الفجوة: كلّما ازداد تعقيد «شرائط التوهّج» على سطح الشمس، ارتفع معدّل إعادة الاتصال المغناطيسي الذي يُطلق الطاقة.
ما الذي يجعل التوهّج الشمسي مؤثّراً على الأرض؟
تُوصَف التوهّجات الشمسية بأنها أقوى الانفجارات في المجموعة الشمسية. وتعادل طاقتها تفجير ملايين، بل مليارات، القنابل الهيدروجينية في اللحظة نفسها، وتتجاوز طاقة ثورات البراكين الفائقة وطاقة الكويكب الذي أنهى عصر الديناصورات.
وتُصنَّف التوهّجات بحسب سطوعها في الأشعة السينية إلى فئات مرتّبة A وB وC وM وX، ويمثّل كل حرف عن جاره زيادةً بمقدار عشرة أضعاف في الطاقة المنبعثة.
أما آثارها على الأرض فتأتي من مسارين:
التوهّج نفسه: يضرب الأيونوسفير فيسبّب انقطاعاً في الاتصالات اللاسلكية، قد يطال الطيران والملاحة البحرية. وقد يغيّر كذلك ارتفاعات الأقمار الصناعية ويُدخل أخطاءً في نظام GPS، وقد يُعطّل أحياناً إلكترونيات المركبات الفضائية.
الانبعاثات الكتلية الإكليلية المصاحبة: قد تربك شبكات الكهرباء على الأرض، وتُنتج الشفق القطبي حين تصطدم بكوكبنا.
سبب التوهّج هو إعادة الاتصال المغناطيسي. فالمجالات المغناطيسية للشمس تتلوّى وتدور باستمرار، ثم تنكسر فجأةً إلى تشكيل أكثر استقراراً، فتتحرّر الطاقة التي كانت محتبسة فيها.
كيف يُرصد ما يحدث في إكليل الشمس؟
تنشأ التوهّجات في الإكليل، وهو الطبقة الخارجية للشمس، ومراقبته صعبة بسبب وهج الشمس. لذلك لجأ الباحثون إلى أثرٍ يمكن رؤيته، هو «شرائط التوهّج». وهي «بصمات» من البلازما والجسيمات عالية الطاقة تعود إلى الشمس أثناء إعادة الاتصال، وتتبع خطوط المجال المغناطيسي، وتسطع حين تصطدم بالطبقة الكروماتية (Chromosphere).
قاد الدراسة مارسيل كورتشادو ألبيلو، المنتسب إلى المؤسسة الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة وسفير تلسكوب دانيال ك. إينوي الشمسي. وتشاركه في التأليف ماريا كازاتشينكو من المرصد الشمسي الوطني. والورقة بعنوان «تطوّر التعقيد المكاني في البنية الفرعية لشرائط التوهّج وعلاقته بديناميكيات إعادة الاتصال المغناطيسي»، وهي منشورة في المجلة الفلكية.
اتّبع الفريق منهجاً يمكن وصفه بأنه دراسة رصدية مدعومة بنموذج. فقد قاس تطوّر الشرائط وبنيتها الفرعية اعتماداً على تفاصيل صغيرة في المواضع التي تُودِع فيها الشرائط طاقتها في الطبقة الكروماتية. ثم بنى نموذجاً واختبره أولاً على رصدات اصطناعية، قبل تطبيقه على توهّجٍ فعلي. وتقول ورقة الدراسة:
«نطبّقه بعد ذلك على توهّج شمسي من الفئة M6.5 وقع في 22 يونيو 2015 ورصده مطياف التصوير للمنطقة البينية (IRIS)».
والعيّنة المدروسة إذن توهّجٌ واحد، رصده القمر الصناعي IRIS المخصّص لرصد الشمس، والذي أُطلق عام 2013.
ماذا وجد الباحثون؟
تبيّن أن إيداع الطاقة لا يجري بسلاسة ولا بانتظام، بل على دفعات، فتتفتّت الشرائط إلى شظايا بأحجام مختلفة. وخلص الباحثون إلى أن تعقيد الشرائط يزداد مع ارتفاع معدّل إعادة الاتصال.
وتصف كازاتشينكو أهمية ذلك قائلة: «على مدى سنوات، أشارت المحاكاة إلى أن حدود شرائط التوهّج ينبغي أن تتصرّف بطريقة معيّنة. وفي هذا العمل قدّمنا للمرة الأولى اختباراً رصدياً كمّياً لتلك المحاكاة. وباستخدام أداة جديدة مُقتبسة من مجال مختلف تماماً، تمكّن كورتشادو ألبيلو من إظهار أن تعقيد الشرائط يزداد مع معدّل إعادة الاتصال».
ويقول كورتشادو ألبيلو: «للمرة الأولى أثبتنا تجريبياً وجود علاقة فيزيائية بين الأشكال غير المنتظمة التي نرصدها وبنية منطقة تحويل الطاقة». ويضيف: «يمكننا تشخيص ما يجري في منطقة تحويل الطاقة عبر دراسة اللاانتظام في هذه الأشكال».
وتضع الورقة هذه النتيجة في سياق النماذج النظرية: «تشير نماذج التوهّجات ثلاثية الأبعاد الحديثة إلى أن البنية الفرعية لشرائط التوهّج مرتبطة بتجزّؤ الصفيحة التيارية المُعيدة للاتصال في الإكليل». ثم تضيف: «ومن ثمّ يمكن أن تكون البنية الفرعية لشرائط التوهّج أداة تشخيصية فريدة للعمليات الفيزيائية في الصفيحة التيارية للتوهّج».
ويخلص المؤلفون إلى أن «تراكم التعقيد المكاني للشرائط على مقاييس مكانية متعدّدة يمكن أن يكون مؤشّراً رصدياً بديلاً على تجزّؤ الصفيحة التيارية في الإكليل».
وتصف كازاتشينكو، مشرفة كورتشادو ألبيلو في عمله الجامعي، النتيجة بأنها «مثال جميل على اجتماع النظرية والرصد والتعاون، بدفعٍ من إصرار طالب دراسات عليا وإبداعه».
هل تعني هذه النتيجة توقّع التوهّجات؟
لا. فالدراسة لا تتيح وحدها التنبؤ بالتوهّجات الشمسية. قيمتها في فهم كيفية تحرّر طاقة التوهّج، وفي تطوير نماذج أفضل لها. ويصف المؤلفون عملهم بحذر: «في المجمل، يمثّل تحليلنا خطوة أولى نحو ربط مورفولوجيا شرائط التوهّج ربطاً كمّياً بديناميكيات إعادة الاتصال».
ولم يُحدَّد تاريخ النشر في المادة المتاحة، وقد اختُبرت الطريقة على توهّج واحد، لذا يبقى السؤال المفتوح هو مدى صمود هذه العلاقة في توهّجات أخرى. ويمكن الرجوع إلى بيان المرصد الشمسي الوطني لمزيد من التفاصيل.
أخبار ذات صلة

قرصين في واحد، كيفية تراكم الأقراص، ومحرك الثقب الأسود، والنفاثات

ناسا تكشف تحديثات خطة أرتيميس في 23 أكتوبر

اكتشاف جيمس ويب: معادن غزيرة حول الثقب الأسود الفائق للمجرة
