غاز معدني قرب ثقب درب التبانة يكشف أسرار الكون
رصد تلسكوب جيمس ويب غازاً غنياً بالمعادن قرب الثقب الأسود في مركز درب التبانة ما يفتح نافذة لفهم توزيع العناصر الثقيلة وكيفية تغذية الثقب الأسود رغم تعقيد ظروف الغاز المحلية اكتشف المزيد مع وورلد برس عربي

-قد تكون بعض العناصر التي تُشكّل كوكب الأرض قد وصلت إليه عبر عمليات كونية يمكن تتبّع أثرها اليوم في قلب مجرّتنا. فقد رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) غازاً غنياً بالمعادن قرب الثقب الأسود فائق الكتلة في مركز درب التبانة، المعروف باسم «القوس A*» (Sagittarius A*، ويُختصر Sgr A*). ويرى الباحثون أن هذا الغاز قد يساعد في تفسير توزّع العناصر الثقيلة، وطريقة «تغذّي» هذا الثقب الأسود، وإن ظلّت ظروف الغاز المحلية تعقّد محاولات قراءة تاريخ نشاطه.
ما المقصود بـ«المعادن» عند الفلكيين؟
الكلمة هنا لا تعني ما نفهمه منها في الحياة اليومية. ففي علم الفلك، «المعادن» هي كل العناصر الأثقل من الهيدروجين والهيليوم، ومنها الأكسجين والكربون والحديد والذهب.
وتتشكّل هذه العناصر عبر الاندماج النووي داخل النجوم في المراحل الأخيرة من حياتها. وحين تموت النجوم تطلق ما صنعته إلى الفضاء، فتدخل في تكوين أجيال جديدة من النجوم. ويرجّح الباحثون أن المستعرات العظمى (السوبرنوفا) هي التي زوّدت المنطقة المحيطة بـSgr A* بالمعادن المرصودة.
ماذا رصد جيمس ويب بالضبط؟
يدور التلسكوب عند نقطة لاغرانج الثانية، على بُعد نحو مليون ميل (1.5 مليون كيلومتر) من الأرض، في الاتجاه المعاكس للشمس. ومن هناك التقط البصمات الحرارية لسحب غازية تتصاعد قرب Sgr A*، كما كشفت الملاحظات محتوى هذه السحب من المعادن.
ولفت الباحثين أن التركيب المعدني للغاز يشبه تركيب عدد من النجوم القريبة. ويشير هذا التشابه إلى أن الغاز وتلك النجوم تشكّلت في الوقت نفسه.
نُشرت الملاحظات في مجلة «ذا أسترونوميكال جورنال» (The Astronomical Journal) في 19 أكتوبر، وهي ملاحظات رصدية لا تجربة مخبرية. وتحمل الورقة عنوان «Ionization Structure and Metal Enrichment of the Galactic Center Minispiral Observed with JWST»، وبيانات نشرها: المجلد 172، العدد 5، الصفحة 267، وسنة النشر المدرجة 2026. وقد وقّعها كلٌّ من Ford وBalakrishnan وVon Fellenberg وHaggard وMichail وCui وHora وNeilsen وPrincipe وRoychowdhury وSabha وSmith وSumners وWillner. ويمكن الاطلاع على الورقة الجديدة أو عبر معرّفها الرقمي DOI.
لماذا يهمّ هذا فهمَ «شهية» الثقب الأسود؟
تقول نيكول فورد، الباحثة الأولى في الدراسة وطالبة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة McGill في مونتريال: «نعلم أن في مركز مجرّتنا ثقباً أسود يسحب المادة إلى داخله، لكننا نرى أنه يلتهم كمية أقل بكثير من المادة مقارنةً بالثقوب السوداء فائقة الكتلة الأخرى، وبوتيرة أبطأ».
وتضيف: «جزء من فهم سبب ذلك يعني النظر في خصائص المواد المتاحة له كي يستهلكها، ومنها الغاز والغبار والنجوم التي تدور حوله».
وهنا يأتي دور المعادن. فبحسب باحثي McGill، يؤثّر محتوى المعادن في الغاز: «في سرعة تبرّد الغازات، وهو ما يؤثّر بدوره في مدى سهولة انجذاب الغاز إلى الثقب الأسود». أي أن تركيب الغاز الكيميائي لا يقلّ أهمية عن كميته في تفسير ما يصل إلى الثقب الأسود وما لا يصل.
حدود القراءة: هل يكفي الغاز لمعرفة تاريخ النشاط؟
يوصي الباحثون بالحذر. فقد وجدت دراسة سابقة نُشرت في «ذا أستروفيزيكال جورنال» (The Astrophysical Journal) في مايو أن انبعاثات الغاز قرب Sgr A* تتأثر بظروف السحب المحلية. وهذا يحدّ من فائدة الغاز بديلاً عن مؤشر مباشر لنشاط الثقب الأسود. ويؤكد الباحثون أن الغاز وحده لا يكفي لمعرفة عدد المرات التي كان فيها Sgr A* نشطاً. وتتوفر الدراسة السابقة على الإنترنت.
من مركز المجرّة إلى عناصر الأرض
تتجاوز دلالة النتائج مركز درب التبانة. فبحسب باحثي McGill: «قد تُسهم هذه النتائج في تعميق فهم كيفية توزّع المعادن حول الثقوب السوداء فائقة الكتلة في مجرّات أبعد، وكذلك العمليات التي زوّدت الأرض بالكثير من هذه العناصر».
ويصف الباحثون المعادن بأنها قد تقدّم أدلة على تلك العمليات. وتنشر الجامعة بيانها البحثي كاملاً، كما يمكن الاطلاع على الصفحة التعريفية بنيكول فورد.
يبقى السؤال المفتوح: إذا كان الغاز المعدني يكشف أصل المادة المتاحة للثقب الأسود وكيفية تبرّدها، لكنه لا يحدّد عدد مرات نشاطه، فأيّ مؤشرات أخرى ستُكمل الصورة؟ ذلك ما ستحاول الملاحظات المقبلة الإجابة عنه.
أخبار ذات صلة

ناسا تكشف تحديثات خطة أرتيميس في 23 أكتوبر

نجوم في مهدها: تلسكوب Webb يرصد النجوم الوليدة في حضانة نجمية قريبة
