إندونيسيا تعزز قبضتها على مواردها الاستراتيجية
إندونيسيا تعيد هيكلة سياساتها التجارية على السلع الاستراتيجية، مما يؤثر على الأسواق العالمية. مع فرض رقابة حكومية جديدة، تستهدف البلاد استعادة الاحتياطيات وتعزيز الشفافية. كيف ستؤثر هذه الخطوة على الصين واستثماراتها؟





أعادت إندونيسيا رسم سياساتها التجارية المتعلقة بالسلع الاستراتيجية الكبرى في خطوةٍ مباغتة، وصفها بعض المحللين بأنّها استحواذٌ قسري على صناعاتٍ محورية في هذا البلد الغني بموارده الطبيعية، مع تداعياتٍ تمتد إلى الأسواق العالمية.
أعلن الرئيس الإندونيسي Prabowo Subianto أمام البرلمان الأربعاء عن لائحةٍ جديدة تُلزم شركةً حكومية أُسِّست حديثاً بالإشراف على صادرات البلاد من الفحم الحراري وزيت النخيل وسبائك الحديد بحلول سبتمبر المقبل.
وأوضح Prabowo أنّ من بين أهداف هذا القرار رفع العائدات الضريبية، بما يُسهم في استعادة الاحتياطيات الحكومية التي استنزفتها صدمات الطاقة الناجمة عن الحرب في إيران. ونظراً لمكانة إندونيسيا بوصفها مصدِّراً رئيسياً للسلع الأساسية، فإنّ هذه القواعد الجديدة ستُلقي بظلالها على سلاسل الإمداد الدولية.
تُعدّ إندونيسيا أكبر مُصدِّر للفحم الحراري المستخدَم في توليد الطاقة، وكذلك لزيت النخيل الذي يدخل في صناعاتٍ شتّى من مستحضرات التجميل إلى الوقود الحيوي. وتحتضن هذه الدولة الجنوب آسيوية التي يبلغ عدد سكانها نحو 287 مليون نسمة أكبر احتياطيٍّ معروف من النيكل في العالم، وهو معدنٌ لا غنى عنه في بطاريات السيارات الكهربائية والفولاذ المقاوم للصدأ.
ويرى المحللون أنّ الصين، بوصفها الشريك التجاري الأكبر لإندونيسيا، ستكون الأكثر تأثّراً بهذا التحوّل في السياسة.
وقال Lie Xie من مركز الأبحاث البريطاني Third Generation Environmentalism إنّ الصين ترصد عن كثبٍ هذه "المبادرة نحو التأميم" وتدرس "انعكاساتها على مسار التعاون المستقبلي". وأضاف: "المسار الذي تسلكه إندونيسيا بالغ الأهمية بالنسبة للصين."
وقد يُؤثّر سرعة تطبيق القرار على وصول الصين إلى الموارد التي تحتاجها صناعاتها في مجال التكنولوجيا النظيفة، إذ تعتمد هذه الصناعات على السلع الإندونيسية لتلبية الطلب المتنامي على الطاقة المتجددة. وتُعدّ الشركات الصينية من أبرز المستثمرين في قطاعاتٍ عديدة بإندونيسيا، بما فيها المعادن الحيوية.
وقال Li Shuo من China Climate Hub التابع لـ Asia Society Policy Institute إنّ "إندونيسيا باتت حيويةً للصين" لأنّها تُمدّها بالسلع التي "تُرسّخ هيمنتها في صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات والتصنيع الصناعي". وأضاف: "لكنّ طبيعة هذه العلاقة في تطوّر مستمر."
وإذا أُحسنت إدارة هذا التحوّل، فقد يفتح مركزة التجارة الإندونيسية الباب أمام استثماراتٍ أمريكية أوسع، وفق ما أشار إليه المحللون، في سياق التنافس مع الصين على الموارد الاستراتيجية.
وقال Bhima Yudhistira من مركز الدراسات الاقتصادية والقانونية (CELIOS) ومقرّه جاكرتا إنّ "هذه الخطوة رسالةٌ واضحة باستقطاب الاستثمار الأمريكي نحو إندونيسيا بصورةٍ أكبر"، واصفاً السياسة الجديدة بـ"الاستحواذ القسري" الذي سيُفضي إلى مراجعة كل عقدٍ في الصناعات التي تهيمن عليها الصين.
إندونيسيا تُحكم قبضتها على مواردها الطبيعية
أبلغ Prabowo المشرّعين بأنّ إندونيسيا خسرت ما يصل إلى 908 مليارات دولار جرّاء تقليل المصدِّرين لقيمة مبيعاتهم المُعلَنة تهرّباً من الضرائب والرسوم.
وقال: "الهدف الرئيسي لهذه السياسة هو تعزيز الرقابة والإشراف ومكافحة التقليل من قيمة الفواتير، والتسعير التحويلي، وتحويل عائدات الصادرات."
والكيان الجديد الذي سيتولّى الإشراف على صادرات هذه السلع PT Danantara Sumberdaya Indonesia سُجِّل رسمياً قبل يومٍ واحد من إعلان Prabowo. وتمتلك Danantara، صندوق الثروة السيادي الذي أطلقه الرئيس العام الماضي، 99% من هذا الكيان، الذي سيُعزّز نفوذ الحكومة في تحديد أسعار سلعها الاستراتيجية.
وقالت Yvonne Mewengkang من وزارة الخارجية الإندونيسية إنّ هذا الإجراء "يمثّل إصلاحاً في منظومة الحوكمة، وخطوةً نحو تعزيز مصداقيتنا في إدارة تجارة السلع الاستراتيجية بصورةٍ منظّمة وخاضعة للمساءلة."
وخلال الفترة الممتدة من يونيو إلى أغسطس، يُتوقَّع أن تُحوِّل الشركات الخاصة معاملاتها في الاستيراد والتصدير إلى Danantara، التي ينبغي أن تتولّى بحلول سبتمبر إدارة جميع المعاملات التجارية مع المشترين الأجانب.
وقال وزير التنسيق الاقتصادي Airlangga Hartarto: "ستُقدَّم توضيحاتٌ للمستثمرين لاحقاً، حتى يكون أصحاب المصلحة على علمٍ بالأمر قبل الأول من يونيو. فضلاً عن ذلك، نُركّز في المرحلة الأولى على الشفافية في إعداد التقارير."
ويتشكّك المحللون التجاريون في قدرة الحكومة على الاستحواذ بسلاسةٍ على تجارة كل هذه القطاعات في أقل من أربعة أشهر.
السياسات الجديدة تُلقي بثقلها على الصناعات الصينية
تُعدّ الصين الشريك التجاري الأول لإندونيسيا وأحد أبرز مصادر الاستثمار الأجنبي المباشر فيها.
وتهيمن الشركات الصينية على صناعة النيكل الإندونيسية، وتحتل الصين مكانة المستورد الأول للموارد التي يطالها قرار الاستحواذ التجاري.
ومن بين الدول المستوردة الكبرى لزيت النخيل والفحم والنيكل الإندونيسي: الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى جانب الهند واليابان وكوريا الجنوبية والدول المجاورة كماليزيا وفيتنام والفلبين.
في عهد Prabowo، عمدت الحكومة إلى تعزيز سيطرتها على السلع ذات الأهمية الاستراتيجية، من خلال ملاحقة عمليات التعدين غير المرخّصة، والاستحواذ على المزارع، ودفع عجلة تطوير صناعة تكرير محلية للمعادن الحيوية.
وحتى قبل إعلان Prabowo، كانت غرفة التجارة الصينية في إندونيسيا قد أرسلت الأسبوع الماضي رسالة احتجاجٍ من خمس صفحات تُبرز مخاوف المستثمرين إزاء مناخ الأعمال غير المستقر في البلاد.
وأشارت الرسالة إلى أنّ المؤسسات الصينية باتت تواجه "تنظيماتٍ مُفرطة الصرامة، وتطبيقاً مبالَغاً فيه، بل وفساداً وابتزازاً من قِبَل الجهات المختصة"، مؤكّدةً أنّ ذلك "أخلّ بشكلٍ حاد بسير الأعمال الطبيعي" و"أضرّ بثقة المستثمرين على المدى البعيد."
وقال Yudhistira: "لم يُعِر Prabowo انتباهاً لشكاوى هذه الشركات الصينية، ثم أقدم على خطوةٍ مُثيرة للصدمة بإنشاء هذا الكيان الجديد للسيطرة على الصادرات."
فرصةٌ مفتوحة أمام مستثمرين آخرين
بفرض الدولة سيطرتها على القطاعات الاستراتيجية، تسعى إندونيسيا إلى تنويع مصادر استثماراتها، وفق ما يرى Yudhistira من CELIOS. فتقليص النفوذ الصيني قد يستقطب اهتمام أطرافٍ أخرى، في مقدّمتها الولايات المتحدة.
غير أنّه حذّر من أنّ ذلك لن يزيد إلا من حدّة التنافس على الموارد بين القوّتَين العظميَين.
بيد أنّ نجاح هذه السياسة في استقطاب مستثمرين جدد سيتوقّف في نهاية المطاف على مدى شفافية تطبيقها، كما أشار Syahdiva Moezbar من Centre for Research on Energy and Clean Air.
ولا تزال الشركات الخاصة في حالة من الضبابية. إذ يرى Eddy Martono، رئيس الرابطة الإندونيسية لزيت النخيل، أنّ تأثير Danantara على التجارة محدودة الحجم وصادرات المنتجات المتخصّصة والصناعات التحويلية لا يزال بحاجةٍ إلى توضيح.
وقال: "عادةً ما يمتلك المصدِّرون أسواقهم الراسخة؛ ويجب أن نضمن ألّا نخسر هذه الأسواق إذا لم تُدَر بالشكل الصحيح.".
أخبار ذات صلة

شركات الشحن تنظر نحو اليونان بديلاً عن دبي

فيلم «مينوتور» عن القتل والفساد في روسيا بوتين يهزّ مهرجان كان

أسواق العملات تهزّ الأسهم والدولار يُعيد رسم الخريطة
