الهوية المفقودة وصدى ألم السكان الأصليين
فيلم How We Stand يعيد سرد معاناة السكّان الأصليين في أمريكا عبر قصة أخوات يواجهن الترحيل والعنصرية والتعقيم القسري. دراما تجمع بين الواقعية السحرية والتاريخ لتسليط الضوء على جروح مهملة من الماضي. وورلد برس عربي

في أوكلاهوما ما بعد عاصفة الغبار، كانت الأرض نفسها تبدو كأنّها تتذكّر ما حدث لها. في تلك البيئة القاسية، تبدأ المخرجة Marie Clements قصّة فيلمها "How We Stand"، لتنقلنا من الخمسينيات المنسيّة إلى لوس أنجلوس عام 1973، حيث تتفرّق ثلاث أخوات من السكّان الأصليين على مسالك مختلفة، يجمعها جرحٌ واحد وإرثٌ من العنف المنظَّم الذي مارسته الدولة الأمريكية بحقّ شعوبها الأصلية.
الفيلم الذي كتبته Marie Clements وأخرجته يُقدَّم بوصفه عملاً فنيّاً يمزج الواقعية السحرية بالتوثيق التاريخي، ويعالج ثلاثة ملفّات مؤلمة في آنٍ واحد: قانون الترحيل الهندي، والتعقيم القسري للنساء من السكّان الأصليين، وصورة الهنود النمطية التي رسّختها هوليوود الكلاسيكية. عُرض الفيلم لأوّل مرة في مهرجان Toronto International Film Festival (TIFF)، وهو يسعى حاليّاً إلى الحصول على حقوق التوزيع في الولايات المتحدة.
حين تُصبح المدينة فخّاً
الأخوات الثلاث Jessie وMiranda وJaney يتيماتٌ نشأن مع أمّهن Angela في أوكلاهوما، قبل أن يدفعهن قانون الترحيل الهندي الصادر عام 1956 إلى لوس أنجلوس. كان هذا القانون الفيدرالي يُهجّر السكّان الأصليين من أراضيهم نحو المدن دون أيّ دعم حقيقي، في ما يشبه وعداً زائفاً بحياةٍ أفضل.
لكنّ الوصول إلى المدينة لا يعني النجاة. تموت Angela التي تؤدّي دورها Cara Jade Myers في غارة بوليسية على حفلة سرّية تُقيمها مجموعة من مجتمعها تحت جسر نهر لوس أنجلوس. بعد رحيلها، تتشتّت الأخوات في متاهة نظام الأسر البديلة، ولا يلتقين من جديد إلّا في عام 1973، حين تكون كلٌّ منهن قد حملت ثقلها الخاصّ من الصمت والألم.
Amber Midthunder تؤدّي دور Jessie التي أصبحت طبيبة وتبدأ إقامتها في عيادة نسائية مجانية يديرها زوجها الأبيض Daniel، الذي يلعب دوره Darren Mann. لكنّ Jessie تعيش انفصالاً أعمق من ذلك: حين يُسألها أحدٌ عن هويّتها، تُقرّ بأنّها من السكّان الأصليين من الناحية التقنية، لكنّها تضيف أنّها لا تشعر بأنّها "امرأة هندية" بسبب تبنّيها. هذا الانفصال عن الجذور هو ما تحاول إحدى مريضاتها أن تُعالجه بكلماتٍ بسيطة: "الطريقة الوحيدة لمعرفة نفسك هي أن تجدي عائلتك. هناك دائماً طريق للعودة."
Alyssa Wapanatâhk تؤدّي دور Miranda، التي سلكت طريق النضال والتمثيل في آنٍ واحد؛ فهي ناشطة تُجري اختباراً للحصول على دور في فيلم غربي يُخرجه Bob Stills الذي يؤدّي دوره Eric Johnson. وحين يُسأل Stills لماذا أراد في طفولته أن يلعب دور "الهندي"، يُجيب ببساطة مُثيرة للسخرية: "لأكون حرّاً." أمّا Isabel DeRoy-Olson فتؤدّي دور Janey، الأخت الصغرى التي تعاني صدمةً طبّية مجهولة وتمرّ بانهيار نفسي حادّ.
العنف الذي يرتدي ثوب الرعاية
ما يجعل "How We Stand" أكثر من مجرّد دراما عائلية هو قدرته على كشف الوجه المؤسّسي للعنصرية. الفيلم يُجسّد كيف أنّ العنصرية لم تكن مجرّد مواقف فردية، بل كانت سياسات دولة: بين عامَي 1970 و1976، أجرت عياداتٌ صحّية تموّلها الحكومة الفيدرالية عمليات تعقيم سرّية للنساء من السكّان الأصليين، في جريمة بقيت طويلاً خارج السرديات الرسمية.
شخصية الطبيب النفسي التي يؤدّيها Gil Bellows تُجسّد هذا التناقض الصارخ؛ فهو يحتفظ في مكتبه بمجموعة من القطع الأثرية الأصلية ورثها عن جدّه، بينما يُعلن أمام الكاميرا: "كنت خائفاً من العنف في تلك الغرفة." والدا Daniel اللذان يؤدّي دوريهما Michael Shanks وHelen Shaver يُمثّلان نموذجاً آخر للعنصرية اليومية المُعتادة التي تتسرّب عبر المجاملات والصمت.
هوليوود نفسها تقف في قفص الاتهام داخل الفيلم؛ فالأفلام الغربية الكلاسيكية رسّخت صورة نمطية مُشوَّهة للسكّان الأصليين، وها هو الفيلم يُعيد تفكيك هذه الصورة من الداخل، عبر شخصية Miranda التي تجلس أمام كاميرا المخرج وتعرف تماماً ما الذي تُمثّله.
الواقعية السحرية كفعل مقاومة
لا تكتفي Marie Clements بتوثيق الجرح، بل تختار الواقعية السحرية أداةً لاستعادة التاريخ الأصلي ومواجهة العنصرية بلغةٍ تتجاوز الوثيقة. وهذا النهج يُذكّر بعملها السابق "Bones of Crows" الذي عالج صدمة مدارس الإصلاح التي أُجبر فيها أطفال السكّان الأصليين على التخلّي عن لغتهم وثقافتهم.
نهر لوس أنجلوس الذي شهد موت Angela ليس مجرّد خلفية جغرافية؛ إنّه فضاءٌ يحمل ذاكرة سينمائية مُثقلة بأفلام الجريمة، لكنّ Clements تُعيد كتابة ما جرى تحت جسوره بصوتٍ مختلف تماماً.
الفيلم حصل على تقييم B+ من الناقد الذي تابعه في TIFF، وهو تقييمٌ يعكس قوّة المادة الدرامية وثقلها التاريخي. لكنّ السؤال الأكبر يبقى معلّقاً: هل ستجد هذه القصّة طريقها إلى الجمهور الأمريكي الواسع عبر موزّع يؤمن بأنّ الذاكرة المُهمَّشة تستحق شاشةً كبيرة؟ أم أنّ "How We Stand" سيظلّ يبحث عن مكانٍ له في سوقٍ لم يتعلّم بعد كيف يسمع ما لا يريد أن يتذكّره؟
أخبار ذات صلة

Tenzing: رحلةٌ استثنائية تصعد بالمشاهد إلى إيفرست مع أوّل رجلَين فتحا قمّتها — أحدهما شيربا أغفلته الذاكرة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

الذكاء الاصطناعي والحداد: 'Talk to Me When You Are Dead' يستكشف حدود الحياة الرقمية بعد الموت
