وورلد برس عربي logo

الحج في زمن القلق والحروب المتصاعدة

في ظل الأزمات المتزايدة، يواجه الحجاج تحديات جديدة أثناء تأديتهم لفريضة الحج. ارتفاع تكاليف السفر، والقلق من التصعيد، والذكريات المؤلمة في قلوبهم. تعرف على قصصهم وكيف يواصلون رحلتهم رغم كل الصعوبات.

مجموعات من الحجاج يتجمعون حول الكعبة المشرفة في مكة، مع مظلات وأمتعة، وسط أجواء من القلق بسبب الظروف السياسية الراهنة.
قالت السلطات السعودية إن 1.5 مليون حاج قد وصلوا إلى المملكة العربية السعودية لأداء مناسك الحج.
التصنيف:ديانة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في زاوية هادئة من منزله في شرق لندن، كان شاهد علي وزوجته يضعان قطعةً تلو الأخرى في علبة معدنية صغيرة. مدّخرات متراكمة على مدار سنوات، نتاج تقشّفٍ حقيقي: تأجيل الإجازات، والتخلّي عن الكماليات، وتأخير أعمال الترميم. كلّ ذلك من أجل هدفٍ واحد أن يؤدّيا فريضة الحجّ معاً قبل أن يتقدّم بهما العمر.

لكنّ ما كان يُفترض أن يكون لحظةَ ترقّبٍ وشوق، تحوّل إلى مزيجٍ من القلق والشكّ بعد أن اندلعت الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى.

يقول علي من منزله: «طلب منّا أبناؤنا أن نعيد التفكير، لكنّنا انتظرنا هذه اللحظة طوال حياتنا. كان هناك قدرٌ كبير من الغموض بسبب إلغاء الرحلات الجوية على نطاق واسع، غير أنّ الأمور لم تتغيّر، ويبدو أنّنا ذاهبون».

هذا القلق ليس حكرًا على عائلة علي. إنّه يتردّد في المنازل والمساجد في كلّ أنحاء العالم، غير أنّه لم يثنِ مئات الآلاف عن المضيّ في رحلتهم هذا العام. وقد أعلنت السلطات السعودية السبت أنّ نحو 1.5 مليون حاجٍّ قدموا من الخارج، متجاوزةً بذلك إجمالي العام الماضي.

وفي سياقٍ لافت، كشف مسؤولان في وقتٍ سابق من هذا الأسبوع أنّ الرئيس الأمريكي Donald Trump أجّل هجوماً مخطّطاً على إيران بعد أن حذّره حلفاؤه الخليجيون ومسؤولون في إدارته من استئناف الحرب خلال موسم الحجّ. وقد أشار Trump لاحقاً إلى أنّ اتفاقاً «جرى التفاوض عليه إلى حدٍّ بعيد»، فيما أفادت تقارير متعدّدة بأنّ الطرفين باتا قريبَين من الاتفاق على تمديد وقف إطلاق النار ستّين يوماً وإبرام مذكّرة تفاهم.

ارتفاع تكاليف السفر

الحجّ فريضةٌ دينية وركنٌ من أركان الإسلام الخمسة، يُؤدّيها المسلم مرّةً واحدة على الأقل في حياته. وكثيرٌ من العائلات تُنفق عقوداً في الادّخار والانتظار، إذ تمتدّ قوائم الانتظار في بعض دول الجنوب العالمي لسنواتٍ طويلة. وبالنسبة للحجاج المسنّين تحديداً، فإنّ فكرة التأجيل تحمل ثقلاً استثنائياً ماذا لو لم تأتِ فرصةٌ أخرى؟

تقول فرزانة بيغم، معلّمةٌ متقاعدة من Birmingham تستعدّ للسفر إلى مكة المكرّمة: «الغموض في كلّ مكان الآن. لكن إذا دعاك الله، لا يمكنك أن ترفض بسبب السياسة».

بيد أنّ الصراع خلق تحدّياتٍ لوجستية حقيقية. اضطرّت شركات الطيران التجاري في منطقة الخليج إلى إعادة توجيه رحلاتها بسبب قيود المجال الجوي ومخاوف التصعيد، فيما علّقت بعض الناقلات مؤقّتاً خطوطها عبر أجزاء من المنطقة، ما أفضى إلى تأخيراتٍ وارتفاعٍ في أسعار التذاكر.

وأفاد منظّمو رحلات الحجّ في الأردن وباكستان وإندونيسيا بأنّ تكاليف الحجّ ارتفعت بحدّةٍ في الأسابيع الأخيرة جرّاء ارتفاع أسعار الوقود وإطالة مسارات الرحلات.

يقول أحد منظّمي رحلات الحجّ في الأردن فضّل عدم الكشف عن هويّته نظراً لحساسية الموضوع: «الوضع يتغيّر كلّ يوم. الرحلات تُعاد توجيهها، والأسعار في حركةٍ مستمرّة، والحجاج يتّصلون كلّ ساعة يسألون: هل لا يزال الأمر آمناً؟ حين اندلعت الحرب أوّل مرّة، كان هناك قلقٌ كبير بين عملائي، لكنّ ذلك يبدو أنّه خفّ نسبياً».

وقد سعت السلطات السعودية إلى طمأنة الحجاج بأنّ خططاً طارئة شاملة جاهزةٌ للتنفيذ. غير أنّ بعض الدول ذات الغالبية المسلمة أحالت التكاليف الإضافية إلى الحجاج مباشرةً؛ فقد فرضت الهند رسوماً إضافية قدرها 10,000 روبية (105 دولارات) على باقات الحجّ، في حين أعلنت إندونيسيا التي تضمّ أكبر عدد من المسلمين في العالم أنّها ستتحمّل هي التكاليف الإضافية.

الحجّ في ظلّ الغموض

على الرغم من التقارير المتعلّقة بقرب التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، تظلّ المخاوف قائمةً من احتمال اشتعال الحرب من جديد. فممرّات الطيران في الخليج، المكتظّة أصلاً، تُعدّ من بين الأكثر ازدحاماً في العالم، وأيّ تصعيدٍ إقليمي سيُلقي بظلاله على شبكات السفر الدولية.

في مطار Heathrow هذا الأسبوع، تجمّعت مجموعاتٌ من الحجاج البريطانيين حول عربات الأمتعة المحمّلة بالحقائب وسجاجيد الصلاة. بعضهم كان يتابع آخر المستجدّات بقلقٍ قبيل المغادرة، وبعضهم الآخر آثر الابتعاد عن متابعة الأخبار كلياً.

إحدى النساء كانت تسافر برفقة والدتها المسنّة، وقد توسّل إليها أقاربها بالإلغاء. تقول: «أخوتي قالوا يجب أن ننتظر عاماً آخر. لكنّ أمّي عمرها 78 عاماً. قالت: ماذا لو لم يكن لديّ عامٌ آخر؟».

ويُلقي الألم الإنساني في المنطقة بظلاله الثقيلة على هذا الموسم. كثيرٌ من المسلمين المستعدّين للحجّ يحملون في قلوبهم حزناً عميقاً إزاء الحروب والأزمات الإنسانية المتواصلة، ولا سيّما في غزة. وتثقل كاهلَ كثيرين فكرةُ أنّ فلسطينيّين محاصَرين بالحرب والحصار لن يتمكّنوا من أداء الفريضة هذا العام.

تقول بيغم: «سنصلّي من أجلهم حين نكون هناك. لا يمكنك أن تفصل الحجّ عمّا يجري للمسلمين في مكانٍ آخر».

والحقيقة أنّ الحجّ مضى في التاريخ رغم الحروب والأوبئة والاضطرابات السياسية. لكنّ جائحة Covid-19 كانت استثناءً صارخاً، إذ اضطرّت المملكة العربية السعودية لأوّل مرّة في التاريخ الحديث إلى تقليص أعداد الحجاج تقليصاً حاداً، ممّا أصاب الملايين بخيبة أملٍ موجعة.

«جوهر الحجّ هو التضحية»

كان عودة الحجّ بأعدادٍ كبيرة بعد الجائحة قد بعث تفاؤلاً متجدّداً لدى منظّمي الرحلات والحجاج على حدٍّ سواء. والآن، يُعيد الصراع مع إيران إدخال الغموض من الباب الخلفي.

يرى المحلّلون أنّ هذا الوضع يكشف مدى هشاشة السياحة الدينية العالمية أمام الصدمات الجيوسياسية. يقول خبيرٌ في قطاع الطيران مقيمٌ في الخليج طلب هو الآخر عدم الكشف عن هويّته : «الحجّ يعتمد على تنسيقٍ دولي هائل. حين يتحوّل المجال الجوي إلى ساحة عسكرية أو يصبح غير مستقرّ، تنتشر التداعيات بسرعة. بعض الحجاج قد يضطرّون للبقاء في المملكة العربية السعودية فترةً أطول».

لكنّ الإيمان، في نهاية المطاف، يبقى أقوى من الخوف في قلوب كثيرٍ من الحجاج. في غرب لندن، جلس المصلّون في ندوةٍ تحضيرية للحجّ في أحد المساجد يستمعون إلى المنظّمين وهم يشرحون إجراءات الطوارئ ومتطلّبات التأمين على السفر والتأخيرات المحتملة. لكنّ النقاش كان يعود مراراً إلى الروحانيات بعيداً عن السياسة.

ذكّر الأئمّة الحجاجَ بأنّ المشقّة كانت دائماً جزءاً من هذه الرحلة. قال أحد المتحدّثين للحاضرين: «جوهر الحجّ هو التضحية. فعبر التاريخ، سافر الناس في ظروفٍ أشدّ خطورةً بكثيرٍ ممّا نواجهه اليوم».

هذه الرسالة تجد صدىً واسعاً لدى المستعدّين للرحيل. بعضهم يعترف بأنّه يشعر بالخوف، وذوو بعضهم لا يزالون قلقين. لكنّ القليل منهم يبدو مستعدّاً للتخلّي عن خططٍ ربّما أمضى عقوداً يُعدّ لها.

بالنسبة لشاهد علي وزوجته، فإنّ التراجع عن القرار بات أمراً لا يُفكّران فيه.

يقول بهدوء: «لا نعرف ما الذي سيحدث في العالم. الحرب في كلّ مكان. لكنّنا نؤمن بأنّنا إذا أراد الله أن نُتمّ الحجّ، فسنُتمّه».

أخبار ذات صلة

Loading...
مئذنة مسجد قديمة عند الغروب مع أشجار النخيل، تعكس أهمية الأذان في الهوية الإسلامية وسط الجدل حول قانون مكبرات الصوت في إسرائيل.

مشروع قانون إسرائيلي لتقييد الأذان يجتاز القراءة الأولى في الكنيست

مشروع قانون إسرائيلي عنصري واستفزازي يهدد حرية الأذان ويثير غضب الفلسطينيين بوصفه هجوماً على العبادة والهوية الإسلامية. اكتشف تداعياته الخطيرة على المسجد الأقصى وحقوق الفلسطينيين، وكن جزءاً من هذا الحدث.
ديانة
Loading...
البابا ليون الرابع عشر يتحدث مع أساقفة إسبان خلال زيارة رسمية، مع التركيز على قضايا الاعتداءات الجنسية والشفافية في الكنيسة الكاثوليكية.

البابا يطالب الأساقفة الإسبان بتعويضات للضحايا

في رسالة قوية، أكد البابا Leo XIV على ضرورة التعويض لضحايا الانتهاكات الجنسية في الكنيسة الإسبانية، داعياً إلى الشفافية والعدالة. هل ستستجيب الكنيسة لهذا النداء؟ اقرأ المزيد عن هذه الأزمة وتأثيرها على المجتمع الكنسي.
ديانة
Loading...
البابا ليون الرابع عشر يصافح الرئيس تودورو أوبياج نغويما في مناسبة رسمية، مع خلفية من الزهور البيضاء، تعكس العلاقات بين الكنيسة والحكومة في غينيا الاستوائية.

البابا في غينيا الاستوائية: مخاوف من تشريع نظام قمعي

في غينيا الاستوائية، حيث تتشابك السياسة والدين، يثير البابا Leo XIV الجدل بزيارته. هل ستُستخدم هذه الزيارة لتلميع صورة نظام قمعي؟ اكتشف المزيد عن الانتهاكات والتحديات التي تواجه البلاد.
ديانة
Loading...
البابا ليون الرابع عشر يستقبل باقة من الزهور من طفلة صغيرة خلال زيارته إلى غينيا الاستوائية، وسط حشد من الصحفيين والمشاهدين.

البابا في غينيا الاستوائية: تحدٍّ دبلوماسي يختتم جولته الأفريقية

في غينيا الاستوائية، حيث تتقاطع السياسة مع الفساد، يزور البابا ليو الرابع هذه الدولة المثقلة بالتحديات. هل ستسهم كلماته في إحداث تغيير حقيقي؟ تابعوا معنا تفاصيل هذه الزيارة التاريخية وتأثيراتها المحتملة.
ديانة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية