زيارة البابا إلى غينيا الاستوائية بين الأمل والفساد
يتوجه البابا Leo XIV إلى غينيا الاستوائية في ختام جولته الأفريقية، حيث يواجه تحديات الفساد والاستبداد. في بلدٍ يُعاني من الفقر رغم ثرواته النفطية، يسعى البابا لتسليط الضوء على قضايا العدالة وحقوق الإنسان.




يتوجّه البابا Leo XIV يوم الثلاثاء إلى غينيا الاستوائية في المحطة الأخيرة من جولته الأفريقية التي تشمل أربع دول، ليحلّ في بلدٍ يُمثّل ربّما أكثر التحدّيات الدبلوماسية حساسيةً في هذه الرحلة وفي بداياتِ حبريّته.
المستعمرة الإسبانية السابقة الواقعة على الساحل الغربي لأفريقيا يحكمها أطول رئيسٍ أفريقي بقاءً في السلطة، Teodoro Obiang Nguema Mbasogo، البالغ من العمر 83 عاماً، إذ يتولّى الحكم منذ عام 1979 وسط اتّهاماتٍ واسعة بالفساد والاستبداد.
وقد حوّل اكتشاف النفط في المياه الإقليمية في منتصف تسعينيات القرن الماضي اقتصاد البلاد بصورةٍ شبه فوريّة، إذ بات النفط يُشكّل ما يقارب نصف الناتج المحلّي الإجمالي وأكثر من 90% من الصادرات، وفق ما يُشير إليه بنك التنمية الأفريقي.
غير أنّ أكثر من نصف سكّان البلاد، الذين يقتربون من 2 مليون نسمة، يرزحون تحت وطأة الفقر. وقد وثّقت منظماتٌ حقوقية بارزة كـ Human Rights Watch إلى جانب قضايا قضائية في فرنسا وإسبانيا كيف راكمت عائدات النفط ثرواتٍ لعائلة Obiang الحاكمة بدلاً من أن تصبّ في مصلحة الشعب.
وقد أثبت البابا Leo أنّه لن يُلطّف خطابه خلال هذه الجولة الأفريقية الأولى له، والموقف الكنسي من آفة الفساد وعدم المساواة الاجتماعية لا لَبْسَ فيه. وإن كانت محطّته في الكاميرون مؤشّراً على ما سيأتي، فإنّ رسائله في غينيا الاستوائية قد تكون بالحدّة ذاتها.
فحين وصل إلى يَاوُندي الأسبوع الماضي، التقى البابا بالرئيس Paul Biya، البالغ 93 عاماً والأكبر سنّاً بين قادة العالم. وكما هو حال Obiang، يحكم Biya بلاده منذ عقودٍ منذ عام 1982 وتُوجَّه إليه هو الآخر اتّهاماتٌ بإدارة حكمٍ استبدادي.
ولم يُخفّف Leo من لهجته حين وقف إلى جانب Biya وألقى خطاب وصوله في القصر الرئاسي، إذ قال: "لكي يسود السلام والعدال، يجب كسر قيود الفساد التي تُشوّه السلطة وتُجرّدها من مصداقيّتها. يجب أن تتحرّر القلوب من العطش الوثنيّ للربح."
دولةٌ علمانية... لكنّها كاثوليكية بعمق
غينيا الاستوائية دولةٌ علمانية رسمياً، لكنّ الكنيسة الكاثوليكية تقع في صميم منظومتها السياسية والاجتماعية.
وقال Tutu Alicante، الناشط المقيم في الولايات المتحدة والمدير التنفيذي لمنظمة EG Justice الحقوقية: "قيادات الكنيسة مرتبطةٌ بالحكومة ارتباطاً عضوياً عميقاً. جزءٌ من ذلك يعود إلى الخوف الذي زرعته الحكومة في الجميع، بمن فيهم رجال الكنيسة، وجزءٌ آخر مردّه المكاسب المادية التي تجنيها الكنيسة من هذه الحكومة."
في المقابل، أكّد القسّ Fortunatus Nwachukwu، المسؤول الثاني في مكتب التبشير الإرسالي بالفاتيكان، أنّ الكنيسة الكاثوليكية حاضرةٌ في الفضاءات المدنية الصعبة وتعرف كيف تعمل فيها لأداء رسالتها، مُضيفاً: "هل ينبغي للكنيسة أن تشنّ حرباً على الحكومة؟ بالتأكيد لا. هل ينبغي لها أن تبتلع كلّ شيءٍ كأنّه أمرٌ طبيعي؟ لا أيضاً. يجب على الكنيسة أن تواصل الكرازة بالعدالة، في الدفاع دائماً عن الحياة والكرامة الإنسانية والخير المشترك."
ويزيد هذا الأمر تعقيداً في غينيا الاستوائية، حيث يُشكّل الكاثوليك نحو 75% من السكّان، ما يجعلها من أكثر الدول الأفريقية كاثوليكيّةً. لكنّها في الوقت ذاته من أكثرها قمعاً، إذ تواجه حكومتها اتّهاماتٍ متواصلة بمضايقة المعارضين السياسيين والمنتقدين والصحفيين واعتقالهم وتخويفهم.
الفساد... جرحٌ متجذّر
تحتلّ غينيا الاستوائية باستمرارٍ مراتب ضمن الدول العشر الأكثر فساداً في مؤشّر مدركات الفساد السنوي الصادر عن منظمة Transparency International، وإن كانت الحكومة قد اتّخذت في السنوات الأخيرة بعض الخطوات لمعالجة الوضع، وفق ما أفاد به Samuel Kaninda، المستشار الإقليمي للمنظمة في أفريقيا.
فقد أصدرت الحكومة قانوناً لمكافحة الفساد وتعمل على تمويل هيئةٍ مختصّة بهذا الملف. بيد أنّ Kaninda أشار إلى أنّ نجاعة هذه الإجراءات مشروطةٌ باستقلالية الهيئة فعلياً في إجراء تحقيقاتها، واستقلالية القضاء في الوقت ذاته.
وأعرب Kaninda عن أمله في أن تُسلّط زيارة البابا الضوء على هذه الإخفاقات، وأن تمنح شعب غينيا الاستوائية بصيصاً من الأمل. وأضاف أنّه حتى لو استغلّت الحكومة الزيارة لتوحي بأنّها حظيت بمباركةٍ بابوية، فإنّ التاريخ يُثبت أنّ الزيارات البابوية للأنظمة الاستبدادية انتهت في مجملها بأثرٍ إيجابي على الشعوب، قائلاً: "الخطر قائمٌ، لكنّنا في الوقت ذاته نرى في هذه الزيارة فرصةً لتسليط الضوء على كثيرٍ ممّا يجري هناك."
محطّةٌ أخيرة حافلة في رحلةٍ مضنية
على أقلّ تقدير، فإنّ الزيارة البابوية الأولى منذ أن حلّ البابا القديس John Paul II في عام 1982 تُدرّ أرباحاً وفيرة على الخيّاطة Tumi Carine، التي تُصمّم فساتين من قماشٍ تزيّنه صورة البابا Leo، وتقول: "قدوم البابا أتى إلينا بزبائن كثيرين. نحن ممتنّون جداً لقدومه، وسعداء بذلك حقّاً."
وينتظر البابا Leo جدولٌ مكتظّ في غينيا الاستوائية؛ يبدأ بلقاء Obiang فور وصوله، ثم يُلقي خطابَين: الأوّل أمام المسؤولين الحكوميين والدبلوماسيين، والثاني في الجامعة الوطنية. وإلى جانب إقامة القداسات، سيزور مستشفىً للأمراض النفسية وسجناً، ويلتقي بالشباب وذويهم. وقبيل مغادرته يوم الخميس، سيُصلّي عند نصبٍ تذكاري لضحايا انفجارٍ وقع عام 2021 في ثكنةٍ عسكرية في مدينة Bata، راح ضحيّته أكثر من 100 شخص، وقد أُرجع سببه إلى الإهمال في التعامل مع الديناميت داخل ثكنةٍ مجاورة للمناطق السكنية.
أخبار ذات صلة

تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تلتفت للدين بحثاً عن إطارٍ أخلاقي

البابا في غينيا الاستوائية: مخاوف من تشريع نظام قمعي

البابا يحث الشباب على مقاومة فساد السلطة في قداس كاميرون الكبير
