تدهور احترام القانون الدولي في السياسة الألمانية
في ذكرى محاولة اغتيال هتلر يواجه الجيش الألماني تحديات في احترام القانون الدولي وسط مواقف متناقضة من قيادته التي تهون انتهاكاته لأسباب سياسية مما يهدد الديمقراطية وسيادة القانون داخلياً وخارجياً وورلد برس عربي يكشف التفاصيل.

في 20 يوليو من كلّ عام، يُحيي الجيش الألماني ذكرى المحاولة الفاشلة لاغتيال أدولف هتلر عام 1944، وهي مناسبةٌ يُقسم فيها المجنّدون الجدد يمين الولاء في مبنى Bendlerblock الذي كان يضمّ قيادة الجيش إبّان الحقبة النازية، وكان في الوقت ذاته مركزاً لمجموعة المقاومة التي قادها كلاوس شينك غراف فون شتاوفنبرغ، قبل أن يُعدَم أعضاؤها في الموقع نفسه إثر فشل انقلابهم. في هذا العام، شهدت الذكرى حدثَين لافتَين كشفا عن طبيعة الموقف الألماني من القانون الدولي ومن الديمقراطية في الداخل.
في السنوات الأخيرة، اعتاد كبار المسؤولين الألمان على إلقاء خطاباتٍ في هذه المناسبة يُمجّدون فيها الديمقراطية ويؤكّدون أهمية سيادة القانون لتحقيق السلام والحرية. غير أنّ الإشادة بسيادة القانون شيءٌ، والالتزام بها شيءٌ آخر.
هذا العام، استمع المجنّدون إلى المثقّف الألماني نافيد كيرماني، وهو من القلائل الذين يُسمح لهم بمخاطبة ضمير النخبة السياسية في المناسبات الرسمية. ولم يكن موقفه متطرّفاً بأيّ معنى؛ إذ قال: "لا أحد سوى المستشار الألماني نفسه بات يتعامل مع القانون الدولي بتهوينٍ ممنهج، ويتغاضى عن انتهاكاته متى اقتضت المصلحة السياسية... لكنّ التهديد بمحو حضارةٍ بأكملها، أو الهجوم المُعلَن على البنية التحتية المدنية لدولةٍ ما، جرائمُ واضحةٌ لا تستلزم خبرةً قانونية ولا مراجعةً للضمير لتمييزها."
هذا الكلام صحيحٌ بلا جدال. فالمستشار الألماني فريدريش ميرتس لا يبدو مُبالياً بالقانون الدولي الذي التزمت ألمانيا بصونه درساً استخلصته من ماضيها النازي. وقبل توليه منصبه، أعلن أنّه سيجد السبيل لدعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu إلى ألمانيا، في حين كانت مذكّرة اعتقال صادرة بحقّه عن المحكمة الجنائية الدولية قائمةً آنذاك، متجاهلاً الالتزام القانوني الدولي بتنفيذ تلك المذكّرة فور وطء Netanyahu التراب الألماني.
لم يكن ذلك مجرّد تجاهلٍ صريح للقانون الدولي ومؤسّساته، بل كشف عن استعداد المستشار لتفكيك أحد أعمدة الديمقراطية ذاتها مبدأ الفصل بين السلطات في سبيل استقبال من بات يُعدّ في نظر كثيرين جزّاراً للشعب الفلسطيني.
"إشارةٌ كارثية"
أشار كيرماني أيضاً إلى الصلة بين التطوّرات الخارجية والداخلية في ما يتعلّق بالحرب على إيران، قائلاً: "حين يتصدّى مستشارٌ ألماني وهو الزعيم الغربي الوحيد الذي فعل ذلك للدفاع عن تهديد الرئيس الأمريكي بمحو حضارةٍ بأكملها، فإنّ ذلك مدمِّرٌ ليس لسمعتنا وحسب... إنّ التهوين من القانون الدولي على أعلى المستويات يُرسل إشارةً كارثية لديمقراطيتنا. فإذا تآكل حكم القانون في علاقاتنا الخارجية، فلن يطول الأمر قبل أن يُستهان به في الداخل أيضاً."
وفي 24 يوليو، انضمّ وزير الخارجية الألماني Johann Wadephul إلى هذا المشهد المُخزي، حين سُئل في مقابلة على برنامجٍ ساخر محلّي: "هل يصطدم القانون الدولي، على ما فيه من قيمة، بحدود السياسة الواقعية (Realpolitik)؟"
فأجاب الوزير: "نعم، إذا كنتَ صريحاً، نعم. هذا صحيح. لكن لنكن صادقين: هكذا تعمل الأنظمة القانونية. فكّر في نفسك حين تقود السيارة هل التزمتَ دائماً بالقواعد مئة بالمئة؟... القانون يقول إنّك في المناطق السكنية لا يحقّ لك تجاوز خمسين كيلومتراً في الساعة. ومع ذلك، يقود بعضهم بسرعةٍ أعلى."
وأضاف: "والأمر مع القانون الدولي كذلك. في الجوهر هو الشيء نفسه. عليك التعامل معه. الأنظمة القانونية موجودةٌ لتوفير التوجيه، لكنّها لا تُطبَّق مئة بالمئة بحذافيرها."
قال الوزير ذلك بجدٍّ تام، دون أدنى مسحةٍ من السخرية.
إنّ المساواة بين القانون الدولي وقواعد المرور اليومية تهوينٌ صادمٌ وإهانةٌ لهذا القانون وإن كانت لا تُفاجئ كثيراً في ضوء صمت ألمانيا على إبادة أكثر من 70,000 فلسطيني على يد حليفتها إسرائيل في غزة.
ما كان ذات يومٍ إنجازاً حضارياً بالغ الأهمية في أعقاب النازية، بات اليوم في نظر المستشار الألماني ووزير خارجيته مجرّد سلعةٍ تُوظَّف لخدمة المصالح الذاتية. لقد أضحى القانون الدولي ورقةً في يد الغطرسة الغربية النيوليبرالية.
في المقابل، يرى كيرماني المشهدَ بوضوح، وهو ثابتٌ في موقفه الرافض للتهديد الأمريكي بإعادة إيران إلى "العصر الحجري". وقد قال هذه الحقيقة في وجه رئيسٍ أمريكي يُجاهر بالتفكير في تدمير حضارةٍ يمتدّ تاريخها آلاف السنين، ومستشارٍ ألماني عجز عن اتّخاذ موقفٍ من هذه الفظاعات. وقد لفت المراقبون إلى تعبير الألم الذي ارتسم على وجه وزير الدفاع الألماني Boris Pistorius، وهو جالسٌ خلف كيرماني، وقد بدا أنّه توقّع خطاباً مختلفاً تماماً.
تواطؤٌ مُخزٍ
بيد أنّه رغم جرأة كيرماني في مجاهرة الحكومة الألمانية بالحقيقة في هذه المناسبة الرمزية الثقيلة، فإنّ تحليله أخطأ في نقطتَين: فإيران ليست المحكّ الحقيقي للمكانة الدولية لألمانيا، كما أنّنا لسنا بحاجةٍ إلى الخشية من تراجعٍ ديمقراطي مستقبلي فهو جارٍ بالفعل.
المحكّ الحقيقي للسمعة الدولية لألمانيا كان ولا يزال تواطؤها المُخزي في أزماتٍ متعدّدة: الإبادة الجماعية في فلسطين، وموجة إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية المحتلّة، و"الحرب الشاملة" التي تشنّها الدولة الصهيونية على لبنان.
لقد أفسد دعم برلين لإسرائيل في هذا السياق مكانةَ ألمانيا الدولية إفساداً لا رجعة فيه.
وفي الوقت ذاته، تسير عمليات تآكل الديمقراطية منذ سنواتٍ في ظلّ إعادة الهيكلة النيوليبرالية لألمانيا.
إنّ التفريغ المتعمّد للديمقراطية من مضمونها مهّد الطريق لا لتطبيق القانون الدولي انتقائياً فحسب، بل لتقليص الحقوق الأساسية داخل ألمانيا نفسها.
الشعب الألماني يرفض بوضوح مشاركة بلاده في إبادة الشعب الفلسطيني؛ ففي استطلاعٍ حديث، أعرب 73 بالمئة من المستطلَعين عن نظرتهم السلبية لإسرائيل، فيما رفض 80 بالمئة مواصلة تصدير الأسلحة إليها. ومع ذلك، ارتفعت تراخيص تصدير الأسلحة الألمانية لإسرائيل ارتفاعاً حادّاً، ممّا يُمكّن تل أبيب من مواصلة ارتكاب جرائم الحرب.
إنّ تجاهل الحكومة الألمانية الصريح لإرادة شعبها يكشف بذاته عن مسار تراجعٍ ديمقراطي، يزيده تفاقماً فرضُ قيودٍ داخلية على الحقوق الأساسية، من بينها: حرية التجمّع، وحرية الرأي والتعبير، والحرية الأكاديمية، فضلاً عن انتهاكاتٍ تطال ضمانات المحاكمة العادلة وكلّ ذلك في خدمة المنظومة الصهيونية.
يُراد لألمانيا أن تسود فيها ثقافة الصمت؛ ألّا يعلم الناس ما تُمكّن الدولةُ الصهاينةَ من فعله في فلسطين، ولا أنّ أيديولوجيا التفوّق العرقي الإسرائيلية تجد في برلين التزاماً أعمق ممّا يجده القانون الدولي.
ولو تجرّأ كيرماني على ذكر فلسطين صراحةً، لكان هو نفسه على الأرجح ضحيةً لمقصلة الإسكات.
أخبار ذات صلة

ثلاث عشرة سنة على مجزرة رابعة: أسر المعتقلين يطالبون بالإفراج السياسي

الجوع في غزة: كيف يحرّفون دراسة اليونيسف

حكمٌ ألماني يحظر مقارنة إسرائيل بالنازية
