حقيقة المجاعة في غزة بين الإنكار والاعتراف
إسرائيل تنفي استخدام التجويع كسلاح في غزة وسط اتهامات بالإبادة الجماعية وتقارير أممية تؤكد وقوع مجاعة ثم تحسن في التغذية بعد المساعدات. قراءة متعمقة تكشف تعقيدات الأزمة وتناقضات الروايات في وورلد برس عربي.

نفت إسرائيل باستمرار استخدامها التجويع سلاحاً من أسلحة الحرب في غزة.
تعود هذه الإنكارات إلى مذكّرة الردّ الإسرائيلية المقدَّمة إلى محكمة العدل الدولية في يناير 2024، رداً على الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا بتهمة الإبادة الجماعية في لاهاي. وقد أكّد المحامون الإسرائيليون آنذاك أنّ "إسرائيل أعلنت مراراً وعلناً أنّه لا حدّ لكمّيات الغذاء والمياه والمأوى والإمدادات الطبية التي يمكن إدخالها إلى غزة".
غير أنّ منظمات حقوق الإنسان طعنت في هذه التصريحات منذ البداية.
فقد أفادت منظمة Amnesty International بأنّ السلطات الإسرائيلية لم تسمح "في أيّ لحظة" بين أكتوبر 2023 ومطلع يوليو 2024 بإيصال "مساعدات كافية وإمدادات أساسية منقذة للأرواح".
وبعد أن فرضت إسرائيل حصاراً شاملاً امتدّ من مارس حتى منتصف مايو 2025، أعلنت منظمة الصحة العالمية (WHO) أنّ هذا الحصار أفضى إلى "واحدة من أسوأ أزمات الجوع في العالم"، مع الإشارة إلى وفاة 57 طفلاً بسبب سوء التغذية مع التنبيه إلى أنّ "هذا الرقم على الأرجح أقلّ من الواقع".
وحين أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكّرة اعتقال بحقّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين Netanyahu في نوفمبر 2024، تضمّنت التهم "جريمة حرب استخدام التجويع أسلوباً من أساليب الحرب، وجريمة التعمّد في توجيه الهجمات ضدّ المدنيين".
ولإسرائيل طبعاً الحقّ الكامل في الطعن بهذه الاتهامات، وقد دأب مؤيّدوها على ذلك بانتظام. وفي الأسبوع الماضي، أطلقوا حملةً جديدة في أعقاب نشر دراسة UNICEF التي تناولت سوء التغذية في غزة، مع تركيز خاص على الأطفال دون سنّ الخامسة.
"كلا النتيجتَين صحيحتان"
كان السفير الأمريكي لدى إسرائيل Mike Huckabee من أوائل من تلقّفوا هذه الوثيقة، إذ كتب على منصة X (تويتر سابقاً): "هذا محرج لمن يكرهون إسرائيل. حين تُفنّد منظمة أممية لا تُعدّ صديقةً لإسرائيل الكذبة القائلة إنّ إسرائيل 'تجوّع الأطفال'، فالأمر يستحق القراءة. إسرائيل إبادية؟ لقد أخطأوا مجدّداً!"
وأضاف المتحدّث الحكومي الإسرائيلي السابق Eylon Levy على X أنّ "'مجاعة غزة' كانت دائماً مجرّد أكذوبة"، فيما نشرت منظمة UN Watch التي ترصد الأمم المتحدة من منظور مؤيّد لإسرائيل : "مجاعة غزة؟ ليس وفق UNICEF. استطلاع جديد يُظهر أنّ غزة تسجّل واحدة من أدنى معدّلات سوء التغذية الحادّ لدى الأطفال في العالم."
في المقابل، كتب Andrew Fox، الباحث في Henry Jackson Society، على X أنّ فكرة حدوث مجاعة في غزة إبّان الهجوم الإسرائيلي قد "دُحضت دحضاً قاطعاً".
أوّل ما يجب قوله هنا هو أنّ كلّ من يحمل ذرّةً من إنسانية ينبغي أن يُرحّب بأيّ خبر يُفيد بأنّ أطفال غزة باتوا أفضل تغذيةً وهذا حقٌّ لا جدال فيه.
وتُثبت دراسة UNICEF بالفعل أنّ وقف إطلاق النار الذي أثبت هشاشته في أوجه كثيرة أتاح دخول كمّيات أكبر من الغذاء إلى القطاع. وإن كانت السلطات الإسرائيلية تستحقّ الإشادة على ذلك، فلا مانع البتّة من الإقرار بها.
بيد أنّنا لم نعثر في الدراسة على أيّ دليل يسوّغ ادّعاءات Huckabee وسواه بأنّ المجاعة لم تقع أصلاً في غزة.
وحين تم التواصل مع UNICEF لاستيضاح هذه النقطة، جاء ردّها: "الدراسة الغذائية الأخيرة ترصد الأوضاع في منتصف عام 2026، أي بعد أكثر من تسعة أشهر من تأكيد التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC) وقوع المجاعة في أغسطس 2025، وبعد سريان وقف إطلاق النار وتصاعد كبير في المساعدات الإنسانية. ولا يمكن لهذه الدراسة أن تُخبرنا بما كانت عليه الأوضاع في أغسطس 2025، ولم تُصمَّم أصلاً لذلك.
"كلتا النتيجتَين صحيحتان: فقد تأكّدت المجاعة آنذاك، وانخفض سوء التغذية الحادّ لدى الأطفال منذ ذلك الحين. وهذا التحسّن هو ثمرة المساعدات المُقدَّمة في الفترة الفاصلة، وليس دليلاً على أنّها لم تكن ضرورية."
اتّساقٌ مُفزع
كانت منظمة Medical Aid for Palestinians (Map)، وهي منظمة خيرية بريطانية، قاطعةً في الموقف ذاته، إذ أبلغتنا: "الادّعاءات بأنّ المجاعة لم تقع في غزة غير صحيحة، ومضلِّلة، وخطيرة."
وأشارت المنظمة كذلك إلى أنّ مسح الوضع الغذائي للأطفال اليوم لا يمكنه بأثرٍ رجعي أن يُفنّد ما تأكّد من وقوع مجاعة العام الماضي.
وقالت Map: "كلتا النتيجتَين يمكن أن تقوما معاً في آنٍ واحد: فالمجاعة تأكّدت في غزة وفق IPC في أغسطس 2025، والدراسة التي نسّقتها UNICEF تُظهر انخفاضاً في سوء التغذية لدى الأطفال المشمولين بالمسح منذ ذلك الحين. وقراءة النتيجة الثانية باعتبارها دحضاً للأولى هو تحريفٌ وإساءة استخدام للبيانات ونتائج الدراسة."
بل إنّ أحد ما كشفته الدراسة الأخيرة وتجاهله Huckabee وسواه يتّسق اتّساقاً مُفزعاً مع ادّعاءات التجويع.
فقد وجدت UNICEF أنّ نحو طفلٍ واحد من كلّ ثمانية أطفال دون سنّ الخامسة يعاني من التقزّم (Stunting)، مُلاحِظةً أنّ ذلك "يُشير إلى ضغطٍ غذائي طويل الأمد وحرمانٍ متكرّر يتجاوز الهزال الآني".
وتُعرِّف منظمة الصحة العالمية التقزّم بأنّه "الإعاقة في النموّ والتطوّر التي يعانيها الأطفال جرّاء سوء التغذية والعدوى المتكرّرة وضعف التحفيز النفسي-الاجتماعي".
والتقزّم في معظمه لا رجعة فيه، وتترتّب عليه عواقب وخيمة على المدى البعيد. وهو في حقيقته النتيجة الحتمية لسوء التغذية والتجويع الذي وثّقته منظمات الإغاثة منذ بدء الهجوم العسكري الإسرائيلي على غزة.
حماية أطفال غزة
أكّد لنا Martin Shaw، الأستاذ الفخري للعلاقات الدولية والسياسة في جامعة Sussex وأحد خبراء الإبادة الجماعية، أنّ آثار سياسات التجويع الإسرائيلية السابقة بين عامَي 2023 و2025 باتت ظاهرةً في تقزّم الأطفال.
وقال: "آثار ثلاث سنوات من العنف العسكري الإسرائيلي من جرحى وبتر أطراف وأمراض غير معالَجة وفقدان ذوين وضغطٍ نفسي هائل وتدمير للخدمات الصحية والتعليمية وغيرها كلّها تتجلّى في أوضاع الأطفال."
فضلاً عن ذلك، فإنّ استنتاج الدراسة بأنّ الأطفال دون الخامسة في المناطق الواقعة خارج الخطّ الأصفر الإسرائيلي يُسجّلون معدّلات منخفضة من سوء التغذية الحادّ يستند إلى الوزن المُسجَّل لهؤلاء الأطفال.
وأوضح لنا Mike Spagat، أستاذ الاقتصاد في Royal Holloway: "أوزان الأطفال يمكن أن تنخفض بشكل حادّ في غضون أسابيع قليلة، ويمكن استعادتها في أسابيع قليلة أيضاً بالعلاج المناسب لا سيّما حين يُشرف عليه متخصّصون، كما هو الحال هنا."
وأضاف: "قياس الهزال (Wasting) هو بالتالي لقطةٌ آنية للأوضاع في لحظة بعينها، واللحظة مهمّة. هذا المسح أُجري في يونيو 2026: أي بعد ثمانية أشهر من سريان وقف إطلاق النار، وبعد ربعَين كاملَين من الإطعام على نطاق واسع."
ويخلص Spagat إلى أنّ انخفاض معدّل الهزال يمثّل "الأثر المقيس لتدخّل احترافي، في حين يستشهد به مؤيّدو إسرائيل دليلاً على أنّ هذا التدخّل لم يكن ضرورياً أصلاً".
والواضح أنّ دراسة UNICEF الجديدة لا تنعكس بأيّ وجه على الاتهام الوارد في مذكّرة اعتقال المحكمة الجنائية الدولية، القاضي بأنّ Netanyahu استخدم التجويع سلاحاً من أسلحة الحرب. ولا ينبغي لأحد سواء أكان من أصدقاء إسرائيل أم من منتقديها أن يوظّف هذا التقرير أداةً سياسية.
ثمّة واجبٌ يقع على عاتقنا جميعاً: بذل كلّ ما في وسعنا لحماية أطفال غزة الذين عانوا كثيراً وصمدوا أمام أهوالٍ جسيمة. ولهم الحقّ في العودة، على وجه الاستعجال، إلى حياةٍ طبيعية يكفلها لكلّ إنسانٍ حقّه الأصيل.
أخبار ذات صلة

طالبان تعتقل موظفَيْ بعثة الأمم المتحدة السياسية في أفغانستان

الجيش الأميركي يعترف بمقتل 153 مدنياً في غارات اليمن

حفريات كوسوفو في مقابر جماعية جديدة تتعلّق بمفقودي حرب 1998-99
