غزة تعود للحياة من خلال تجربة الواقع الافتراضي
يستعرض المقال تجربة نعيم أبو رضي الذي استخدم تقنية الواقع الممتد لإعادة إحياء ذكريات غزة المفقودة، مُتيحًا للفلسطينيين حول العالم فرصة الانغماس في ثقافتهم وتراثهم، رغم الدمار الذي حل بالمدينة. غزة موجودة وأهلها باقون.

في عام 2022، كان نعيم أبو رضي يشتاق إلى بيته. كانت قد مرّت نحو سبع سنوات منذ آخر مرّة رأى فيها غزة. وبوصفه طالب دراسات عليا في الإعلام، قطعه الحصار الطويل المفروض على القطاع عن وطنه، فلم يبقَ منه في ذاكرته سوى صورٍ متلاشية.
غير أنّ هذا الباحث المتابع لتقنيات الإعلام الجديد وجد طريقاً آخر للعودة.
أرسل أبو رضي كاميرا بزاوية 360 درجة إلى غزة، حيث أخذها صديقٌ له صحفي إلى كلّ الأماكن التي كان يشتاق إليها: الأسواق الشعبية، والشوارع المزدحمة وميادين مدينة غزة، والحمّام التركي العريق الذي يمتدّ تاريخه إلى ألف عام، والبحر.
استغرق وصول الكاميرا إلى غزة ستّة أشهر. لكنّ تجربة الـ360 درجة حين وصلت غدت بمثابة نافذةٍ تجاوز من خلالها قبضة إسرائيل على حدود القطاع، وعاد إلى وطنه، ولو افتراضياً.
حين عادت إليه اللقطات، ذرف الدموع.
بالتعاون مع أحلام محتسب، أستاذة الدراسات الإعلامية في جامعة كاليفورنيا الحكومية في سان برناردينو، وفريق الباحثين في مختبر X-Real، قرّروا توسيع المشروع.
استعانوا بأحمد حسب الله، مصوّراً فيديو في غزة، لالتقاط مزيدٍ من اللقطات بين يوليو 2022 ويوليو 2023.
تطوّر المشروع ليصبح رحلةً أشمل، تمنح الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية المحتلّة وسائر أنحاء العالم فرصةً ل"تجربة" غزة عبر منظومةٍ من التقنيات الحديثة، من بينها الواقع الافتراضي والواقع المعزّز، المعروفة مجتمعةً بـXR أو الواقع الممتدّ (Extended Reality).
فأجيالٌ من الفلسطينيين الذين أُجبروا على مغادرة غزة إبّان النكبة لم تُتَح لهم العودة إليها قطّ. وآخرون خارج القطاع لم يعرفوه إلّا من خلال عدسةٍ إعلامية مشوّهة.
كانت هذه التجربة ستتيح، على الأقلّ من الناحية النظرية، لحظةً عابرة لاستشعار غزة فرصةً للانغماس في مكانٍ وفضاءٍ حُرموا من رؤيته، وعلى شروطهم هم لا شروط غيرهم.
ثمّ جاءت أحداث 7 أكتوبر 2023. أفضت الهجمات التي قادتها حركة Hamas على جنوب إسرائيل في ذلك اليوم شُنّت الحرب على غزة، وراح ضحيتها أكثر من 72,000 شهيد فلسطيني جرّاء الغارات الإسرائيلية. وقد أعلنت منظّمات حقوق الإنسان المتعدّدة والباحثون المتخصّصون في الإبادة الجماعية والأمم المتحدة أنّ إبادةً جماعية تجري في القطاع المحاصر.
راح أبو رضي يشهد كيف تتهاوى الأماكن ذاتها المساجد والشوارع والمباني السكنية والمدارس والجامعات تلك التفاصيل اليومية التي وثّقتها كاميرا الـ360 درجة.
فرّ حسب الله، المصوّر الميداني للمشروع، إلى جنوب غزة، فيما دُفنت الكاميرا تحت الأنقاض خلال الإبادة. واستشهد والده أيضاً.
أمام هذا الدمار الفادح الذي طال الأرواح والممتلكات والنسيج الاجتماعي في غزة، تأخّر إطلاق المشروع حتى مطلع عام 2024، حين أفاق الثنائي من ذهولهما وأدركا أنّهما يحتفظان بأضخم أرشيف من مقاطع الفيديو بزاوية 360 درجة من غزة. كان ذلك أرشيفاً نادراً لا يُقدَّر بثمن، يوثّق الحياة اليومية والتراث الثقافي، وكبسولةَ زمنٍ نجت من الإبادة والمحو.
قال أبو رضي، المرشّح حالياً لنيل درجة الدكتوراه من جامعة كولورادو-بولدر: "كنّا نريد إظهار الثقافة والتاريخ. لم يخطر ببالنا قطّ، حتى في أشدّ الكوابيس وطأةً، أنّنا كنّا نوثّق التاريخ، وأنّ كلّ ما كنّا نصنعه ونلتقطه سيغدو يوماً ذكرى."
وأضاف أنّ المشروع سيكون بمثابة ردٍّ مضادٍّ على مساعي إسرائيل لمحو شعبٍ بأكمله: غزة موجودة وأهلها باقون.
أطلق أبو رضي على المشروع اسم The Phoenix of Gaza XR.
وقال: "سيكون أهل غزة مجدّداً كطائر الفينيق الذي يبعث من تحت الرماد، وسيُعيدون بناء غزة من جديد."
مواجهة الفلسطينيين بحقيقتهم
خلال الأسابيع الماضية، جاب هذا المعرض الاستثنائي جامعاتٍ عدّة في الولايات المتحدة، داعياً الزوّار إلى ارتداء نظّارات الواقع الافتراضي والانغماس في غزة كما كانت قبل الإبادة.
يستطيع الزوّار أن يضعوا أنفسهم في أرجاء مختلفة من غزة: أن يقفوا جانباً فيما يمرّ بهم شابٌّ يتزلّج في مخيّم للاجئين، أو يجولوا في كنيسة القدّيس برفيريوس (ثالث أقدم كنيسة أرثوذكسية يونانية في العالم) بعيون الزائر الأوّل، أو يُعجَبوا بالجامع العمري الكبير، أو يتجوّلوا في أسواق مدينة غزة التاريخية العريقة.
تتيح تجربة XR للزوّار أن يرفعوا أبصارهم نحو السماء، أو يقفوا إلى جانب الأطفال وهم يغوصون في مياه البحر الأبيض المتوسّط، أو يُصغوا إلى ضجيج المرور اليومي، أو يلتفتوا لدراسة تمثالٍ منحوتٍ داخل كنيسةٍ تاريخية خلفهم.
شاهد ايضاً: ألبانيز تدعو المحكمة الجنائية الدولية لإصدار مذكرات اعتقال ضد وزراء إسرائيليين بتهمة تعذيب الفلسطينيين
بإمكانهم الوقوف بجانب شابٍّ يقطف التين والعنب والتمر، أو الجلوس في سيارةٍ تتلوّى على طريق الرشيد المحاذي للشاطئ.
يُقدّم المزيج بين الفيديو الغامر والصوت تجربةً حسّية لا مثيل لها.
وفي الأماكن التي التُقطت فيها صور بزاوية 360 درجة بدلاً من الفيديو، يجد الزوّار أنفسهم في الصفّ الأوّل داخل مسجدٍ يجلس فيه شيخان يقرآن القرآن الكريم، فيما يستعدّ طفلٌ صغير للوضوء عند النافورة.
غير أنّه بحلول منتصف أكتوبر 2023، كان كثيرٌ من هذه المواقع قد دُمّرت أو أُلحقت به أضرارٌ بالغة.
كنيسة القدّيس برفيريوس، على سبيل المثال، تحوّلت إلى ملجأٍ لمئات الأشخاص هرباً من الغارات الجوية الإسرائيلية.
وفي 19 أكتوبر 2023، قصفت إسرائيل الكنيسة، فدمّرت جزءاً كبيراً منها وارتقى 18 فلسطينياً.
شاهد ايضاً: عائلات أسترالية أطلق سراحها من قبل قوات سوريا الديمقراطية مضطرة للعودة إلى المخيم في سوريا
وفي الأشهر التي تلت ذلك، صار مصير الأشخاص الذين ظهروا في مقاطع الفيديو والصور مجهولاً.
يدفع المعرض، بتصويره الصريح للإنسانية الفلسطينية في مقابل مشاهد الدمار المباشر في غزة، زوّارَه إلى المواجهة: مواجهة صور الحياة اليومية في القطاع المحاصر قبل أكتوبر 2023، ثمّ الدمار الذي أعقبه.
قالت طالبةٌ تبلغ من العمر 19 عاماً، زارت المعرض في Hunter College: "جعلني أتساءل كيف سيكون الأمر لو كنّا في تلك الوضعية."
هذه القوّة في "المواجهة" هي ما يأمل أبو رضي أن تكون رافعةً للتغيير الاجتماعي لدى من يختبرون التجربة.
لكنّ المشروع لم يتوقّف عند هذا الحدّ.
بعد أشهرٍ من الإبادة، اجتمع الفريق من جديد، وأوجد طريقةً لاستخراج الكاميرا من تحت الأنقاض، وطلب من يحيى صبيح، صحفيٍّ محلّي في غزة، إعادة زيارة بعض المواقع التي وثّقوها في العام السابق.
وانضمّ مختبر IDA B Wells للبيانات في جامعة Princeton إلى المشروع لدعمه.
بات المعرض يتيح الآن للزوّار خيار التجوّل وسط الأنقاض والحطام.
قالت شردي مرجي، ناشطةٌ في مدينة نيويورك أسهمت في نقل المعرض إلى مواقع مختلفة، إنّ المشروع يمتلك القدرة على أن يكون من النوع الفنّي الذي يدفع الناس إلى الفعل. وأضافت: "أنت تُنقَل إلى المكان لتشهد ما دُمّر."
وبالمثل، قال علي بشّار (26 عاماً)، الذي زار المعرض في نيويورك، إنّه وجد التجربة مؤثّرة رغم أنّه كان يعتقد أنّه بات متبلّداً تجاه مشاهد غزة.
وأشار بشّار إلى أنّ الطابع الغامر للتجربة جعل النظر بعيداً أو الهروب العاطفي أمراً أصعب.
وقال : "شعرت أنّني أستطيع مشاهدتها مراراً وتكراراً وما زلت أتعلّم أو أرى شيئاً جديداً."
إعادة بناء غزة
تُشير التقديرات المحافظة إلى أنّ أكثر من 200,000 فلسطيني استشهدوا أو أُصيبوا في الإبادة الإسرائيلية في غزة.
وكما يُؤكّد الباحثون في الإبادة الجماعية منذ أمدٍ بعيد، فإنّ جريمة الإبادة لا تقاس أساساً بحجم الضحايا، بل بالنيّة الصريحة لإبادة تاريخٍ وثقافة ومحوهما.
يُقدّم هذا المشروع نافذةً على حجم تلك النيّة.
كتبت المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز في تقريرها الصادر في أكتوبر 2024 بعنوان الإبادة بوصفها محواً استعمارياً: "لقد دفع حجم الدمار في غزة إلى توجيه اتّهاماتٍ بالإبادة العمرانية، وإبادة المدن، وإبادة التعليم، وإبادة الطبّ، والإبادة الثقافية، والإبادة البيئية."
وأضافت ألبانيز: "كما وعد القادة الإسرائيليون، جرى تحويل غزة إلى مكانٍ لا يصلح للحياة الإنسانية."
خاطبت محتسب، من جامعة كاليفورنيا الحكومية في سان برناردينو، جمهوراً تجاوز 100 زائر في Hunter College بنيويورك في مطلع أبريل الماضي.
وأوضحت أنّ المشروع الذي وُلد في الأصل لتوثيق التاريخ والثقافة والبهجة اليومية الفلسطينية في مقابل الصورة النمطية التي تُختزل فيها غزة بالحرب والمعاناة قد تحوّل إلى فعلٍ من أفعال المقاومة في وجه المحو.
اعتصر البكاءُ حنجرةَ محتسب وهي تروي كيف اغتالت إسرائيل صبيح نفسه، الذي التقط جزءاً كبيراً من لقطات مشروع XR خلال الإبادة.
كان حسب الله في الثانية والثلاثين من عمره حين اغتيل في 7 مايو 2025، وهو يجلس في مطعمٍ يحتفل بمولد ابنته سنا.
يُعدّ واحداً من نحو 270 صحفياً استهدوا على مدار هذه الإبادة.
وبعد أشهر، أصرّت زوجته أمل، وهي مصوّرة، على الانضمام إلى المشروع لمواصلة عمل زوجها الراحل.
يقول أبو رضي إنّ المشروع يُعيده إلى السبب الأصلي الذي دفعه لدراسة الإعلام: تحدّي الصور النمطية عن وطنه ودحضها.
فهو شابٌّ نشأ في غزة عاش في خيمةٍ من غرفة واحدة ورأى كيف يُشوّه الإعلام الدولي صورة وطنه وأهله.
في عام 2014، انتقل إلى تركيا لدراسة الصحافة، ثمّ درس لاحقاً، بوصفه طالب دراسات عليا في جامعة كاليفورنيا الحكومية في سان برناردينو، كيف يُمثَّل الفلسطينيون في وسائل الإعلام.
واليوم، يأمل أن تُسهم لقطات الـ360 درجة الغامرة في دعم المحامين الذين يحقّقون في جرائم الحرب المرتكبة في غزة، فضلاً عن مصمّمي المدن الساعين إلى بناء نماذج ثلاثية الأبعاد لدعم جهود إعادة الإعمار، لا سيّما في المواقع ذات الأهمية التاريخية.
وقد تواصلت منظمة Amnesty International بالفعل مع فريق XR، فيما يعمل المشروع حالياً مع مصمّمي مدن في جامعة Brown ومهندسين في علم الحاسوب من جامعة Boston على مسار إعادة البناء.
منذ عام 2022، وصل المشروع إلى جماهير في أوغندا وإيطاليا وكندا وهولندا والنرويج، وأكثر من 50 جامعةً وفضاءً مجتمعياً في الولايات المتحدة.
وقد جاب المشروع مؤخّراً عدّة جامعات على الساحل الشرقي الأمريكي في منتصف أبريل، شملت Hunter College في نيويورك، وجامعة Brown في بروفيدنس، وMIT في بوسطن.
وفي أواخر أبريل، احتضن Fisk Planetarium في جامعة كولورادو بولدر عرضاً خاصّاً.
وفي يونيو المقبل، سينتقل المشروع إلى جنوب أفريقيا، ثمّ إلى اليابان وإسبانيا لاحقاً.
وختم أبو رضي بالقول: "ها نحن نحفظ هذه الذكريات. نحفظها في الواقع الافتراضي، في الإعلام الغامر، حيث لا تستطيع إسرائيل مهاجمتها، ويستطيع ملايين الناس حول العالم زيارتها والوصول إليها، ونحن نحفظها للأجيال القادمة."
وأضاف: "استطاعوا مهاجمة الأماكن، واستطاعوا قتل كثيرٍ من الناس، لكنّهم لم يستطيعوا قتل الذاكرة."
أخبار ذات صلة

محكمة أوروبية تتحدى المملكة المتحدة بشأن سحب جنسية شميمة بيغوم

السعودية تسجل رقمًا قياسيًا جديدًا في عدد أحكام الإعدام خلال عام
