وورلد برس عربي logo

معاناة الفلسطينيين بين التهجير المستمر وتسوية الأرض

قصص نازحي غزة تكشف تهجيرًا متكررًا وسياسة إسرائيلية لتوسيع «الخط الأصفر» وتهجير السكان بالقوة وسط دمار شامل وأمل ضئيل بالعودة. حياة الفلسطينيين في خطر مستمر وسط تصعيد عسكري وضغوط نفسية وإنسانية هائلة وورلد برس عربي.

طفل يحمل حقيبة فوق أنقاض منزله المدمر في غزة، وسط دخان وركام، مما يعكس معاناة المدنيين جراء التصعيد العسكري.
يمشي فتى فلسطيني بجوار أنقاض مبنى دمره هجوم إسرائيلي في وسط غزة في 24 مايو (أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

جمال أبو سكران، البالغ من العمر 32 عاماً، وأطفاله الثلاثة لم يجدوا متّسعاً من الوقت لالتقاط أنفاسهم وأفكارهم في أعقاب آخر موجة تهجير طالتهم.

جاء تهجيرهم الخامس والعشرون منذ اندلاع الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة في أكتوبر 2023، إثر إعلان إسرائيل في يونيو الماضي توسيع ما بات يُعرف بـ«الخط الأصفر»، الذي يمتدّ اليوم ليشمل 70 بالمئة من مساحة القطاع المحاصر.

وعلى الرغم من وجود هدنة رسمية معلنة منذ أكتوبر من العام الماضي، تواصل إسرائيل تضييق خناقها على نحو 1.8 مليون نسمة لا يزالون في القطاع، إذ تُكثّف ضغطها لحشرهم في رقعة جغرافية تتقلّص باستمرار.

فقد أبو سكران منزله أوّلاً في حيّ الشجاعية شرق مدينة غزة، بعد أن دمّره قصفٌ جوّي إسرائيلي في مطلع الحرب. لجأ فوراً إلى خيمة قريبة، وما فتئ يُهجَّر منذ ذلك الحين من مخيّم إلى آخر كلّما توسّعت العمليات العسكرية الإسرائيلية.

كان منزله القديم يقع ضمن نطاق «الخط الأصفر»، وهو المنطقة التي كان من المفترض تسيطر عليها إسرائيل مؤقتًا في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، غير أنّها رفضت الانسحاب منها، كما رفضت المضيّ في تنفيذ المرحلة الثانية التي تشترط هذا الانسحاب.

قال أبو سكران: «حتى بعد وقف إطلاق النار، لم تتوقّف الرصاصات والقذائف قطّ».

وأضاف: «الحياة في مخيّمات النزوح كانت لا تُطاق. كنّا ننتظر أن تهدأ إطلاقات النار لمجرّد الذهاب إلى الحمّام».

ويقول الأب لثلاثة أطفال إنّ إطلاق النار كان يبدأ عادةً في الصباح الباكر، من قِبَل الجيش الإسرائيلي والعصابات الفلسطينية التي تعمل متعاونةً معه على المستوى المحلّي.

وأشار إلى أنّ المدنيين النازحين كانوا في حالاتٍ كثيرة يُستهدفون بشكلٍ مباشر.

في البداية، بعد إعلان الهدنة، كان مقيماً بعيداً عن الخط الأصفر، إلى أن بات مسكنه المؤقّت يقع ضمن ما بات يُسمّى «الخط البرتقالي»، أي المناطق التي مدّت إسرائيل سيطرتها إليها بعد وقف إطلاق النار.

وتذكّر قائلاً: «كان الأمر مرعباً. إطلاق نار عشوائي، وكلاب ضالّة، وجرذان، وقذائف في كلّ مكان. لم يتبقَّ سوى الأنقاض».

التسوية بالأرض

في مكانٍ آخر من القطاع، نصب نبيل أبو أرمانة، البالغ من العمر 68 عاماً، وعائلته خيمتهم فوق أنقاض منزلهم الثاني، بعد أن دمّر القصف الإسرائيلي منزلهم الأوّل في رفح.

اضطرّوا إلى الفرار مجدّداً بسبب إطلاق النار المتواصل، والمضايقات العسكرية الإسرائيلية، وتقدّم الدبّابات الإسرائيلية التي اقتربت إلى مسافة 700 متر من الخط الأصفر.

وحين عاد أبو أرمانة مؤخّراً إلى منزله، اكتشف أنّ الخط الأصفر الموسَّع حديثاً يمرّ الآن مباشرةً عبر أرضه.

قال: «المكان بالغ الخطورة الآن. كلّ شيء ذهب. لا شيء تبقّى».

يبدو أنّ إسرائيل تنتهج سياسة ممنهجة تهدف إلى جعل الأراضي الواقعة داخل خطّها الأصفر غير صالحة للسكن بصورة دائمة أمام الفلسطينيين.

منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر، لم تتوقّف الجرّافات الإسرائيلية عن تحويل المباني إلى ركام، فيما تتولّى فرق الهدم إسقاط الهياكل الأكبر حجماً.

وقد أعلن وزراء إسرائيليون، من بينهم بتسلئيل سموتيريش، مراراً عن هدفهم المتمثّل في تسوية القطاع بالأرض بذريعة تشجيع الفلسطينيين على المغادرة «طوعاً».

قال أبو أرمانة: «كنت آمل في العودة إلى بيتي قريباً، لكنّنا أصبحنا بلا مأوى. الأرض تعني لي كلّ شيء».

وأضاف بصوتٍ مرتجف: «هذه أفعالٌ همجية. نحن أبرياء. كلّ ما نريده هو أن نعيش بكرامة».

وتابع: «لقد عشت حروباً إسرائيلية لا تُحصى، منذ حرب 1967 حتى اليوم. لقد دمّروا كلّ ما بنيته طوال حياتي».

ذريعةٌ لإعادة الاحتلال

أوضح عبد الناصر أبو عون، المحلّل السياسي، أنّ إسرائيل تستخدم مفهوم الخط الأصفر بوصفه رواية إعلامية لتبرير إعادة احتلال أجزاء من غزة، في حين تنفّذ على أرض الواقع سياسة الأرض المحروقة الرامية إلى تفريغ المناطق من سكّانها وهدم مبانيها وارتكاب ما وصفه بجرائم الحرب.

وأشار إلى أنّ إسرائيل لا تكفّ عن توسيع الخط الأصفر، وأنّها أدخلت ما بات يُعرف بالخط البرتقالي لضمّ مزيدٍ من الأراضي داخل القطاع.

ووفقاً لأبو عون، أقامت إسرائيل تلالاً للمراقبة العسكرية فوق مقابر فلسطينية أثرية، وبات النازحون في خيامهم يرون هذه المواقع المشرفة على ما تبقّى من منازلهم المدمّرة.

قال: «هذا أحد أساليب إسرائيل في الحرب النفسية»، مستنتجاً أنّ الهدف هو معاقبة الفلسطينيين.

وأضاف أنّ الاستراتيجية الإسرائيلية تبدو موجَّهة نحو إجبار السكّان على التوجّه إلى منطقة المواصي، رغم الدمار الشديد الذي لحق بما تبقّى من بنيتها التحتية.

وبحسب المحلّل، فإنّ المنطقة لا تستطيع استيعاب الأعداد المتزايدة من النازحين، ممّا يُرجّح حدوث انهيارٍ إنساني وبيئي مديد.

وختم بالقول: «إسرائيل تُثبت للعالم أنّها لا تحترم لا الاتفاقيات ولا الوسطاء ولا القانون الدولي. هي لا تفهم إلّا شريعة الغاب».

تدمير منظومة المياه والصرف الصحّي

كشف ماهر سالم، المدير العام للتخطيط والاستثمار في بلدية غزة، أنّ نحو 35 بالمئة من مصادر المياه في مدينة غزة فُقدت بعد أن وقعت ضمن نطاق الخط الأصفر وجرى تدميرها لاحقاً.

وأوضح أنّ إسرائيل خفّضت كميات المياه الداخلة إلى غزة من 20,000 متر مكعّب يومياً إلى نحو 12,000 متر مكعّب، وهي مياه تدفع ثمنها السلطة الفلسطينية، غير أنّ هذا التخفيض أفضى إلى شحٍّ حادّ جعل نصيب الفرد اليومي لا يتجاوز 10 لترات في المتوسّط.

وأشار سالم أيضاً إلى تدمير المحطّة الرئيسية لتحلية المياه في منطقة السودانية الساحلية، التي كانت تُنتج نحو 10,000 متر مكعّب يومياً.

وأضاف أنّ ما يقارب 150 كيلومتراً من شبكات البنية التحتية للمياه دمّرتها إسرائيل خلال الحرب، إلى جانب مضخّات الصرف الصحّي ومنشآت الصرف في مدينة غزة.

كما منعت إسرائيل الوصول إلى مواقع مكبّات النفايات الرئيسية في القطاع، الواقعة قرب الحدود داخل الخط الأصفر، ممّا اضطرّ البلديات إلى تخزين النفايات داخل المناطق السكنية، وفق ما أفاد سالم.

وقد تراكم جرّاء ذلك ما يُقدَّر بـ 400,000 متر مكعّب من القمامة داخل مدينة غزة، في ما وصفه بأزمة بيئية وصحّية عامّة بالغة الخطورة.

وكان مكتب الأمم المتّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) قد أفاد في أبريل بأنّ أكثر من 80 بالمئة من مخيّمات النزوح في غزة، البالغ عددها أكثر من 1,600 مخيّم، رصدت انتشاراً متكرّراً للقوارض والحشرات، ممّا أشعل موجات من الأمراض، وأُبلغ عن حالات عدوى جلدية وطفح في صفوف النازحين.

أخبار ذات صلة

Loading...
دخان يتصاعد فوق مبانٍ في صنعاء بعد ضربات جوية سعودية على مطار صنعاء، مع تصاعد التوتر بين الحوثيين والسعودية.

الحوثيون يؤكدون قصف مطار صنعاء

تصعيد جديد ينهي الهدنة بين الحوثيين والسعودية بعد ضربات جوية على مطار صنعاء، ما يهدد استقرار المنطقة ويعقد جهود السلام في اليمن. اكتشف تفاصيل التصعيد وتأثيراته على الصراع الإقليمي واستعد لتتبع آخر التطورات الحاسمة.
الشرق الأوسط
Loading...
الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في اجتماع رسمي، مؤسس نهضة قطر الحديثة ودبلوماسي بارز في أسواق الطاقة والإعلام.

الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الأمير السابق لقطر، يرحل عن عمر 74 سنة

رحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يختتم حقبة تحول فيها قطر إلى قوة عالمية في الغاز والدبلوماسية والإعلام. اكتشف كيف شكّل إرثه مستقبل قطر وقيادتها الشابة. تابع التفاصيل الآن!
الشرق الأوسط
Loading...
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الصومال حسن شيخ محمود يجلسان أمام أعلام بلديهما في اجتماع لتعزيز التعاون البحري والموانئ.

مصر تعمّق محاذاتها البحرية في القرن الأفريقي عبر اتفاق مع الصومال

تشهد منطقة البحر الأحمر تحالفاً جديداً بين مصر والصومال لتعزيز النقل البحري والأمن الإقليمي، ما يؤسس محور نفوذ قوي يوازن التوترات مع إثيوبيا. اكتشف تفاصيل الاتفاق وفرص التعاون البحري الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
عناصر عسكرية مصرية على مركبة عسكرية قرب الحدود مع غزة، في سياق التنسيق الأمني بين مصر وإسرائيل وسط توترات الحرب.

الجيش الإسرائيلي والمصري يشاهدان مباراة الأرجنتين معاً في القاهرة

تتصاعد التوترات في غزة وسط حوار استراتيجي مصري إسرائيلي يركز على التنسيق الأمني ودور القاهرة كوسيط رئيسي مع حركة حماس بعد سنوات من التعاون العسكري. اكتشف تفاصيل المشهد الإقليمي المعقد وتأثيره على مستقبل القطاع الآن.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية