دبي تحت وطأة الأزمة السياحية وتأثيراتها المدمرة
دبي تواجه أزمة سياحية حادة مع تراجع حاد في حركة المسافرين، مما أدى إلى إغلاق الفنادق وتسريح العمال. رغم رفع قيود السفر، لا تزال الثقة مفقودة. كيف سيؤثر ذلك على مستقبل القطاع؟ اكتشف التفاصيل في وورلد برس عربي.

دبي في مواجهة الأزمة: إغلاق الفنادق وتسريح العمال وسط تراجع حاد في السياحة
أفادت مطارات دبي يوم الاثنين بأن حركة المسافرين في الربع الأول من عام 2026 تراجعت بما لا يقل عن 2.5 مليون مسافر مقارنةً بالفترة ذاتها من عام 2025، فيما شهد شهر مارس وحده انخفاضاً بنسبة 66 بالمئة في أعداد المسافرين. السبب المباشر: الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما أعقبها من ضربات إيرانية انتقامية طالت الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي التي تؤوي قوات أمريكية أو تتعاون معها عن كثب، ما دفع المسافرين إلى تفادي المنطقة بأسرها.
والسؤال الذي يطرح نفسه فوراً: ماذا يعني هذا الانهيار في أعداد المسافرين للعمال الذين يشغلون الفنادق والمطاعم وشركات الخدمات اللوجستية في دبي؟ والجواب، وفق ما رصدناه، ليس مطمئناً.
رفع قيود السفر الجوي
في خطوة تهدف إلى إعادة تحريك عجلة السياحة، أعلنت الإمارات يوم السبت رفع جميع القيود المفروضة على حركة الطيران، وذلك إثر تقييم شامل للأوضاع التشغيلية والأمنية. وكتبت هيئة الطيران المدني على حسابها الرسمي في X: "جاء قرارنا عقب تقييم شامل للأوضاع التشغيلية والأمنية، بالتنسيق مع الجهات المعنية".
جاء البيان في سياق واضح: طمأنة المسافرين الدوليين، لا سيما بعد أن أعلنت عدة شركات طيران أوروبية تعليق رحلاتها إلى منطقة الشرق الأوسط. غير أن أصحاب العمل والعمال الذين تحدّثوا مشترطين عدم الكشف عن هويّاتهم بسبب القيود المفروضة على التصريحات العلنية في دول الخليج أكّدوا أن الأمر سيستغرق وقتاً قبل أن تعود الثقة إلى المسافرين والمستثمرين على حدٍّ سواء.
ووفق بيانات مطارات دبي، لم تستأنف سوى 51 شركة طيران من أصل 90 عملياتها في المطار، فيما تواجه شركات الطيران الأوروبية والأمريكية صعوبات في الحصول على تغطية تأمينية بسبب تحذيرات السفر الحكومية الصادرة عن بلدانها.
من داخل الفنادق: «الأمور تباطأت فعلاً»
تعمل "Charity"، وهي عاملة كينية في أحد فنادق الفئة المتوسطة بدبي، في قطاع الضيافة الذي يُعدّ من أكثر القطاعات تضرراً. تقول إن فندقها تأثّر بشكل مباشر بتراجع أعداد المسافرين خلال الأسبوعين الأولين من مارس، حين لم يعبر المطار سوى 1.4 مليون مسافر.
خلال شهر رمضان، حين كانت الضربات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة في ذروتها، امتلأ الفندق الذي يتبع سلسلة أمريكية بالمسافرين العالقين الذين كانوا يلتقون بممثلي طيران Emirates في الردهة. أُغلق المسبح أمام النزلاء، وفي الأيام الأخيرة جرى نقل النزلاء المقيمين في الطوابق العليا من المبنى المؤلّف من 20 طابقاً إلى الطوابق السفلى كإجراء احترازي.
بعد ذلك، تقول Charity: «الأمور تباطأت فعلاً لأسابيع». وتأمل أن يُعيد إعلان رفع القيود الطمأنينة إلى المسافرين. «سنرى خلال الأسبوع المقبل إن كان الناس سيعودون فعلاً»، قالت وهي تساعد مسافراً أمريكياً من المقيمين الدائمين. وأضافت: «نحن بحاجة إلى عودة السياح الأجانب».
مطار دبي: من الأكثر ازدحاماً إلى «مدن الأشباح»
دبي الدولي يحتل مركز المطار الأكثر ازدحاماً في العالم للمسافرين الدوليين منذ 12 عاماً متتالياً. لكن "Samina"، وهي موظفة في منظمة غير حكومية جنوب آسيوية تتنقل بانتظام بين جنوب آسيا والخليج وأمريكا الشمالية، تصف المشهد الراهن بصورة مغايرة تماماً.
«عند الوصول، المكان فارغ»، قالت عن الصالة الثالثة، المقرّ الرئيسي لطيران Emirates. «الصالتان الأولى والثانية باتتا كمدينتَي أشباح»، في إشارة إلى المباني التي تستضيف شركات الطيران الدولية الأخرى وطيران flydubai. وأوضحت أن تعليق شركات الطيران الدولية لرحلاتها أثّر بشكل واضح في حركة المرور: «في كل مرة تدخل فيها، تجد نفس المسافرين العابرين».
«روح دبي تزعزعت»
على صعيد الأعمال، تصف "Tatiana"، وهي مواطنة روسية تدير شركة لوجستية تساعد الشركات على الانتشار في الخليج، حجم الصدمة التي أصابت قطاع الأعمال. «في غضون أسبوعين، بدأ الناس يقولون إن الأمر لم يعد يستحق البقاء هنا. لم يكونوا خائفين بالضرورة، لكنّهم شعروا أن الأمر لم يعد يستحق». وأضافت: «الشركات بدأت فجأة في تصفية أصولها».
وتقول إن عائلتها باتت تبحث عن خيارات في أوروبا للانتقال التدريجي إليها. أما عمل شركتها فيتأثر بشكل مباشر، إذ تقول: «عملنا بأسره مبنيٌّ على إقناع الناس بأن الإمارات مكانٌ آمن ومريح لممارسة الأعمال».
وتتقاطع شهادتها مع ما قاله "Antoine"، وهو محرر يُدرّب الكتّاب الهواة، إذ أشار إلى أن إحدى عميلاته التي تعمل في وكالة إعلانية وجدت نفسها مسؤولة عن تسريح 1,000 عامل في الإمارات. «كنت تظن أن قطاع الإعلانات محصّن ضد الحروب»، قال بدهشة واضحة.
شاهد ايضاً: إيران: الحرب تُدمّر المستشفيات والعيادات
وهذه الأرقام تعكس حقيقة سوق العمل في دبي: قطاع الضيافة والخدمات الذي يُشكّل العمود الفقري للاقتصاد المحلي يضم نسبة كبيرة من العمالة الوافدة من كينيا وجنوب آسيا وأوروبا الشرقية وهم الأكثر هشاشةً حين تتراجع حركة الأعمال.
الإمارات تُظهر تماسكها
في المقابل، تعمل دبي بجدٍّ على دعم سكّانها ومعنوياتهم. في أرجاء المدينة، تنتشر أعلام الإمارات أمام المنازل والمحال التجارية وعلى اللوحات الإلكترونية على طول الطرق السريعة. وفي مركز تسوق City Walk، تملأ شاشات إلكترونية عملاقة عبارات الشكر للمقيمين باللغتين العربية والإنجليزية. و وضعت صور رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الطرق الرئيسية مع عبارة «حفظ الله وطننا».
لكن المقيمين القدامى يقولون إن أثر الصواريخ والطائرات المسيّرة المُعترَضة كان محسوساً بشكل شبه فوري. "Arjun"، أحد أبناء الجالية الهندية التي يتراوح عددها بين 3.5 و4.3 مليون مقيم في الإمارات، قال خارج عرض سينمائي شبه ممتلئ لفيلم السيرة الذاتية عن Michael Jackson، إنه سعيد بهذا الإقبال، آملاً أن يكون مؤشراً على العودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية. «الروح الجوهرية لدبي بوصفها مكاناً بعيداً عن النزاعات هذه الروح تزعزعت»، قال.
ماذا نترقّب؟
الأسبوع المقبل سيكون اختباراً حقيقياً لمدى فاعلية إعلان رفع قيود الطيران في استعادة ثقة المسافرين. المؤشر الأهم ليس تصريحات المسؤولين، بل عدد شركات الطيران التي ستعود لاستئناف رحلاتها لا سيما الأوروبية والأمريكية التي تتوقف عودتها على رفع تحذيرات السفر الحكومية والحصول على تغطية تأمينية. وحتى تتوضّح هذه الصورة، يبقى العمال في الفنادق والمطاعم ومراكز الخدمات هم الحلقة الأضعف في معادلة التعافي.
أخبار ذات صلة

الاتحاد الأوروبي وعجزه عن معاقبة إسرائيل: شاهدٌ جديد على تراجع نفوذه العالمي

إيران وأميركا والحرب التي لا تنتهي: المال هو السبب الحقيقي

وزير الخارجية الإيراني يعود إلى باكستان رغم إلغاء ترامب رحلة المبعوثين
