تطور تشخيص الاضطرابات النفسية بدليل بيولوجي جديد
تغييرات كبيرة في النسخة السادسة من الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية تشمل دمج العوامل البيولوجية والجينية والمناعية لتشخيص أدق يساعد الأطباء على فهم أعمق للمرض وتحسين خطط العلاج في الصحة النفسية وورلد برس عربي.

لن يتحول تشخيص الاكتئاب أو الفصام أو اضطراب ما بعد الصدمة إلى فحص دم في عيادة الطبيب النفسي، حتى لو أُدخلت المعلومات الجينية والمناعية إلى النسخة السادسة من الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية (DSM-6). هذا ما يؤكده الطبيب النفسي Anand Kumar، الذي شارك في النقاشات التمهيدية. ويعمل المخططون للنسخة المقبلة على إضافة عوامل بيولوجية، منها المعلومات الجينية ومعلومات الجهاز المناعي، إلى وصف الاضطرابات النفسية. ويرى Kumar أن ذلك قد يمنح الطبيب صورة أوسع عن المرض ويساعده على أخذ المخاطر المشتركة بين الاضطرابات في الاعتبار عند التخطيط للعلاج.
ويستند هذا التقرير إلى مقابلة أجرتها Kenna Hughes-Castleberry من موقع Live Science مع Kumar. ويرأس Kumar قسم الطب النفسي في جامعة إلينوي في شيكاغو (University of Illinois Chicago). وقد عمل سنتين في لجنة استراتيجية الدليل (DSM Strategy Committee) ولم يعد عضواً فيها، لكنه أثّر في النقاشات الدائرة حول إدخال البيولوجيا إلى النسخة السادسة.
ما الذي سيتغير في DSM-6 مقارنة بـ DSM-5؟
يستخدم المختصون في الصحة النفسية الدليل (DSM) منذ عقود لتشخيص حالات منها الاكتئاب الجسيم وفقدان الشهية العصابي واضطراب ما بعد الصدمة. وتعتمد التقييمات التشخيصية الحالية على المقابلات وتاريخ الحالة والاستبيانات أو الملاحظة المباشرة لرصد الأعراض.
وحين سألت Hughes-Castleberry عن الفرق بين النسختين السادسة والخامسة، كان سؤالها: «كيف ستختلف النسخة السادسة من الدليل عن النسخة الخامسة؟». وأجاب Kumar:
«حتى هذه اللحظة، قامت التمييزات بين المجموعات الكبرى، أي من يعاني الاكتئاب السريري، أو ما نسميه الاكتئاب الجسيم، ومن يعاني اضطراباً في الأكل، ومن يعاني اضطراب ما بعد الصدمة وغيرها، على أسس سريرية حصراً: تستوفي معايير معينة فتندرج في هذه الفئة، وإذا استوفيت معايير أخرى فتندرج في فئة أخرى.»
وأضاف: «ومن المحاولات الكبرى الجارية الآن للدليل المقبل إدخال عوامل بيولوجية إلى الدليل.»
والفكرة ليست جديدة، فقد ناقشها مخططو الدليل من قبل، لكنهم واجهوا صعوبة في التوافق على ما يُدرج وما يُستبعد. ويقول Kumar: «الفكرة ليست جديدة. فقد نوقشت في الماضي، لكن كان من الصعب التوصل إلى توافق حول ما يدخل وما لا يدخل. وسيبقى ذلك أمراً شائكاً، لكن هناك على الأقل إقراراً واسعاً بأن الوقت قد حان لبدء إدخال البيولوجيا إلى الدليل.»
وهو يتوقع نتيجة إيجابية في النهاية، مع تحفظات: «من المرجح جداً أن تنتهي العملية بتغييرات ذات معنى وبصورة إيجابية. لن يرضي ذلك الجميع. ستكون هناك فجوات، لكن الغاية هي تحسين هذا العمل تدريجياً وجعله أكثر حداثة كلما تقدمنا.»
هل توجد فحوص تشخّص الاضطرابات النفسية اليوم؟
سألت Hughes-Castleberry: «ما نوع العلامات البيولوجية التي رأيتَها ويمكن ربطها فعلاً بهذه الاضطرابات؟». وجاء جواب Kumar حاسماً في ما يتعلق بالتشخيص المخبري:
«ما تفعله اللجنة هو اتباع نهج أكثر دقة. فخارج نطاق مرض ألزهايمر، الذي سأتناوله بعد قليل، لا توجد علامات حيوية تشخيصية قاطعة، أي لا توجد فحوص دم أو مسوح دماغية يمكنك أن تنظر فيها وتقول: "هذا الشخص مشخَّص بالاكتئاب"، أو "هذا الشخص مصاب باضطراب ما بعد الصدمة"، أو "هذا الشخص مصاب بالفصام".»
ويفرّق Kumar هنا بين مفهومين. الأول «العلامة الحيوية» التشخيصية، وهي فحص يحسم التشخيص. والثاني «العامل البيولوجي»، أي مسارات وآليات بيولوجية تؤدي دوراً في نشوء اضطراب ما دون أن تتبلور نتائجها في اختبار مخبري. ويشرح ذلك بقوله:
«ناقشت اللجنة كيف أنه، إضافة إلى العلامات الحيوية البيولوجية، هناك مفهوم العوامل البيولوجية. وأقصد بذلك مسارات وآليات بيولوجية لها دور في نشوء اضطراب بعينه، لكن النتائج لم تتبلور في اختبار مخبري.»
وتشمل هذه العوامل المحتملة الالتهاب وخلل الجهاز المناعي، وهما يمكن رصدهما نظرياً عبر فحوص الدم أو المسوح الدماغية. وعن المناعة يقول Kumar: «على سبيل المثال، علم المناعة، أي دراسة استجابة الجسم لمجموعة من الضغوط، ومنها العدوى وغيرها، ثبت أن له أثراً في نحو 30% من حالات الاكتئاب الجسيم. ومع ذلك لا يوجد حالياً اختبار مخبري بيولوجي واحد يمكن استخدامه لتشخيص الاكتئاب المرتبط بالمناعة في الممارسة السريرية. لذلك تندرج هذه الأمور تحت ما نسميه العوامل البيولوجية.» ويُنشر في هذا الباب بحث عن علاقة المناعة بالاكتئاب.
ألزهايمر: الاستثناء الذي يُقاس عليه
يقدّم Kumar مرض ألزهايمر نموذجاً لما يمكن أن تبلغه الدقة التشخيصية. ويقول: «في ميدان مرض ألزهايمر توجد علامات حيوية قاطعة. توجد الآن فحوص دم لبروتينين يسميان تاو وأميلويد، اعتمدتهما إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA علامتين حيويتين لمرض ألزهايمر. أي أنه إذا كانت لديك صورة سريرية وفحص للحالة العقلية يتسقان مع التدهور الذهني، فلا بد أن يكون لديك فحص إيجابي للعلامة الحيوية كي تُصنَّف مصاباً بألزهايمر على نحو قاطع.»
وهذا تطور حديث، كما يوضح: «وهذا جديد. قبل 10 أو 15 عاماً كانت هناك مسوح دماغية، وإذا أجريتَ بزلاً قطنياً أمكنك العثور على هذه البروتينات في السائل الشوكي. لكن تلك الوسائل تدخلية. أما الآن فلديك فحص دم فعلاً.»
غير أن هذه الدقة لا تتوفر في بقية فروع الطب النفسي. يقول Kumar: «لكن درجة الدقة هذه، لعدم وجود تعبير أفضل، غير متاحة في الفروع الأخرى للطب النفسي. ومع ذلك هناك مؤشرات على تورط مسارات وآليات أخرى.»
كيف تدخل الجينات في الصورة؟
بعد المناعة يتحدث Kumar عن الجينات: «ذكرت علم المناعة مثالاً. وهناك فيل كبير آخر في الغرفة هو علم الوراثة.»
ويلفت إلى أن تصور الناس للجينات غالباً ما يكون مبسطاً: «يفكر معظم الناس في الوراثة على أنها جين شاذ أو طفرة، أي أن جيناً يتبدل أو يتغير فيمنح خطراً أعلى، أي طفرة واحدة تسبب مرضاً واحداً. هكذا يفكر معظم الجمهور في الطفرات: إنها تسبب المرض.»
لكن الأمراض المعقدة تعمل بطريقة مختلفة، كما يقول: «لكن حين تصل إلى الأمراض المعقدة مثل أمراض القلب والسكري، تجد جينات متعددة ضالعة. وقد تكون الأمراض ناجمة عن جين وقد لا تكون. الجينات الشاذة قد تسبب المرض وقد لا تسببه، لكنها ترفع الخطر.»
وفي الاضطرابات النفسية يزداد الأمر تعقيداً: «أما في الاضطرابات النفسية فيصبح الوضع أشد تعقيداً بكثير. فالأمر ليس جينات قليلة هنا وهناك. هناك مئات الجينات، يرفع كل منها خطر الاكتئاب والفصام واضطرابات القلق بمقدار ضئيل.»
وتفحص دراسات المسح الجينومي الشامل مئات أو آلاف الجينات، ويرتبط كل منها بزيادة طفيفة جداً في خطر الإصابة. وتتناول دراسة حديثة نشرتها مجلة Nature هذا المجال الجيني، كما يعرض معهد Sanger أبحاثاً عن الصلة بين الجينات والقدرة المعرفية.
ولا يرى Kumar أن التعقيد مبرر للتراجع: «لذلك، وإن لم يكن هناك اليوم اختبار جيني واحد يمكن استخدامه، فقد ثبت باطراد، وكثير من الدراسات الحديثة قوية، أن أعداداً كبيرة من الجينات ترتبط باضطرابات معينة. لكن لأنه لا يوجد جين واحد ولا مجموعة صغيرة من الجينات، لا يمكننا أن نبتعد عن العلم. التعقيد لا يعني أن نرفع أيدينا ونقول: "الأمر أكبر من اللازم".»
ويضيف: «قد يبدو الأمر مربكاً، لكن الصور الجينية مفهومة اليوم بصورة أفضل مما كانت عليه قبل 20 عاماً. وهذا أمر آخر تفكر فيه هذه اللجنة، وأعتقد أنه ينبغي أن تأخذه في الحسبان مستقبلاً: أن تدمجه بطريقة ما في الفئات التشخيصية.»
هل في إدخال البيولوجيا خطر على التشخيص؟
سألت Hughes-Castleberry: «هل تعتقد أن هناك أي خطر في إضافة هذه العوامل البيولوجية إلى الدليل؟». فأجاب Kumar بالنفي، وشدد على أن الجينات لن تُقدَّم اختباراً بيولوجياً:
«لا أعتقد ذلك، لأنك إذا فكرت في الجينات، فلن تُدخَل بوصفها اختباراً بيولوجياً.»
«يعرف معظم الناس أن الاضطرابات النفسية، شأنها شأن الاضطرابات الطبية الأخرى، تنتشر في العائلات. والوراثة هي التفسير الأكثر معقولية لذلك. وما يفعله هذا، كما آمل، هو إدخال درجة من الوصف الأشمل لهذه الاضطرابات. فحين ينظر طبيب منشغل إلى ذلك، فإنه يؤكد ما كان يشك فيه أصلاً: هناك تاريخ عائلي هنا، والتاريخ العائلي يعني الجينات.»
«الأمر معقد، وجينات كثيرة ضالعة فيه، وهو يعطي توصيفاً أفضل لهذه الحالات. سيبقى التشخيص سريرياً، لكن هذا يوفر سياقاً بيولوجياً، تماماً كما في السكري أو أمراض القلب.»
ويستعين Kumar بأمراض القلب مثالاً على التصنيف الذي يراه ناقصاً في الطب النفسي: «الجينات والبيئة تسببان طيفاً من الاضطرابات الطبية. وفي أمراض القلب لا يوجد جين واحد. فحين يضع أطباء القلب صورة للخطر، فإنها تشمل الجينات وعوامل فيزيولوجية أخرى مثل مؤشر كتلة الجسم، وهو نسبة الوزن إلى الطول، والنظام الغذائي وطيفاً من العوامل البيئية.»
ثم يقول: «درجة التصنيف هذه مفقودة اليوم في الصحة النفسية والطب النفسي. ونأمل أن تكون هذه خطوة أولى في تصحيح، إن صح التعبير، تلك التصورات عما يسبب هذه الاضطرابات.»
كيف قد يتغير العلاج في العيادة؟
عن الاستخدام العملي سألت Hughes-Castleberry: «كيف ستستخدم هذا في عيادة الطبيب النفسي لتوجيه العلاج؟». ويقدّم Kumar مثالاً قائماً على ما يسميه الأطباء «الاعتلال المشترك» (Comorbidity)، ويستهله بقوله: «يمكنني أن أعطيك مثالاً محتملاً واحداً. أنا أتكلف قليلاً.»
ثم يشرح: «هناك مصطلح شائع الاستخدام في الطب النفسي وعلم النفس السريري هو الاعتلال المشترك. ومعناه أن الأشخاص الذين شُخّصوا بالاكتئاب لديهم أيضاً قلق، أو أن الأشخاص الذين شُخّصوا باضطراب قلق لديهم أيضاً تعاطي مواد أو إدمان كحول عموماً.» وتعرّف عيادة كليفلاند (Cleveland Clinic) هذا المفهوم في مقال تعريفي.
ويرى Kumar أن هذا التزامن ليس عرَضياً: «هذا ليس من قبيل المصادفة. وليس شيئاً نجده هكذا فحسب. كثير من هذه الاضطرابات تتشارك الجينات.»
ويورد نسباً تقريبية: «على سبيل المثال، نحو 45% تقريباً من المرضى المشخَّصين باضطراب مزاجي رئيسي لديهم أيضاً اضطراب قلق. وإذا قلبتَ المعادلة: نحو 45% تقريباً من المرضى المشخَّصين باضطراب قلق، وقد يكون اضطراب القلق العام، أو ما نسميه اضطراب ما بعد الصدمة، أو رهاباً، لديهم أيضاً اضطراب مزاجي.» وتتناول دراسة منشورة في PubMed وأخرى في المجلة الأمريكية للطب النفسي انتشار الاضطرابات المزاجية واضطرابات القلق معاً.
وعن أثر ذلك في الممارسة يقول: «أعتقد أنه حين يصنّف الأطباء هذه الاضطرابات معاً، لا بوصفها اضطراباً واحداً بل بوصفها تتشارك قدراً كبيراً من المخاطر النفسية والجينية، ينبغي أن يكونوا متيقظين للاثنين. فالمريض المصاب باضطراب مزاجي، مثلاً، قد يصاب باضطراب قلق الآن أو في وقت لاحق. أو أن الشخص المصاب باضطراب قلق معرّض لخطر تعاطي المواد.»
ويختم هذا الجزء: «لذلك يجب أن تُفصَّل العلاجات على نحو أوسع قليلاً. وآمل أن يكون هذا أمراً يفكر فيه الأطباء حين يتحدثون إلى المرضى وعائلاتهم.»
ما الجديد الأبرز في النسخة السادسة؟
وجّهت Hughes-Castleberry سؤالها الأخير: «ما الجانب الأكثر تميزاً، من وجهة نظرك، في هذه النسخة السادسة المقبلة من الدليل؟». فأجاب Kumar بأنه منحاز إلى البيولوجيا:
«انحيازي هو للبيولوجيا. أقول ذلك لأن كثيراً من الأمور الأخرى، كالعوامل الثقافية وغيرها، مقدَّرة إلى حد بعيد، وسيجري توصيفها على نحو أفضل. وبعض الأمور مثل التغيرات المعرفية، كاختبارات الذاكرة العاملة والانتباه، ليست فريدة بأي اضطراب بعينه.»
وتابع: «ستكون البيولوجيا جديدة نوعياً حين تدخل الدليل، وآمل أن يتم ذلك بصورة جيدة. آمل أن يفعلوا ذلك على النحو المناسب، وأعتقد أنهم سيفعلونه بصورة صحيحة.»
«لن يكون الأمر مثالياً، لكنه سيكون خطوة أولى. أعتقد أن إدخال فكرة أن الجينات والمناعة وعوامل أخرى بالغة الأهمية في نشوء الاضطرابات النفسية، وأنها تفسّر بعض الظواهر التي لم نكن نجد لها تفسيراً من قبل، هو، وأكره استخدام كلمة "قفزة"، لكنه كذلك إلى حد ما.»
«إنه يدفع الميدان إلى الأمام مفاهيمياً، لا كزيادة بطيئة ثابتة تدريجية. وبالنسبة إلى الدليل، سيكون خطوة مهمة إلى الأمام.»
تبقى الأسئلة الأصعب مفتوحة. فالتوافق على ما يدخل الدليل وما يبقى خارجه، وهو ما أعاق المحاولات السابقة، لا يزال «شائكاً» بحسب Kumar. كما أن غياب اختبار جيني أو مناعي واحد يعني أن الطبيب سيظل يشخّص بالمقابلة والأعراض، وأن البيولوجيا ستعمل في الدليل المقبل سياقاً يوسّع الفهم لا حكماً مخبرياً يحسم التشخيص.
أخبار ذات صلة

الأمريكيون يلجأون للكذب عن أعراضهم للحصول على المضادات الحيوية

سرطان القولون في الشباب: دراسة تكشف أسباب الفتك العالي

حملت امرأة «طفلاً حجريّاً» في بطنها ثلاث سنوات لغز تشخيصي
