كشف أسرار سقوط الكرات النارية بين الفضاء والأرض
تُظهر دراسات حديثة كيف يكشف الجمع بين قياسات فضائية وأرضية سقوط كرات نارية في الغلاف الجوي بدقة أكبر، مما يساعد في التمييز بين ظواهر طبيعية وأجسام من صنع الإنسان ويحمي من ردود فعل خاطئة. اكتشف التفاصيل في وورلد برس عربي.

تُظهر ثلاث وقائع حديثة لسقوط كرات نارية في الغلاف الجوي أن الجمع بين قياسات مستقلة، من الفضاء ومن الأرض، يكشف عن الحدث أكثر مما يكشفه أي مستشعر وحده. ويساعد هذا الجمع على التمييز بين حدث طبيعي وجسم من صنع البشر، وهو تمييز يحذّر منه روب لاندس، المتخصص في الدفاع الكوكبي في وكالة ناسا. قال لاندس: «سيكون من المأساة المروّعة أن تردّ أي دولة على حدث طبيعي، إذا فسّرته على أنه ضربة استباقية».
ما الذي رصدته الأقمار الصناعية فوق جنوب المحيط الأطلسي؟
انفجر بوليد (Bolide)، أي كرة نارية شديدة السطوع تنفجر أثناء اندفاعها في الغلاف الجوي، في 1 أبريل 2026 فوق جنوب المحيط الأطلسي قبالة الأرجنتين. وبلغ سطوعه ذروته على ارتفاع نحو 90.5 كيلومتر (60 ميلاً تقريباً) فوق المحيط.
رصدت الحدث مستشعرات أميركية فضائية، عسكرية ومدنية، كما التقطت مستشعرات أقمار حكومية أميركية دخول الكرة النارية السريعة إلى الغلاف الجوي. وإلى جانب ذلك رصده قمران مدنيان بصورة مستقلة، هما القمر GOES-E التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأميركية (NOAA)، والقمر الأوروبي Meteosat Third Generation Imager-1 (MTG Imager-1). ويدور القمران في مدار ثابت بالنسبة إلى الأرض (geostationary)، أي أنهما يبقيان فوق نقطة واحدة تقريباً، وفي موضعين مختلفين على هذا المدار. واعتمد كلاهما على كاشف البرق المركّب عليه.
وكاشفات البرق لم تُصمَّم لرصد البوليدات، بل توفّر ملاحظات «انتهازية» تأتي عرضاً. ويرى لاندس في ذلك فائدة علمية، إذ قال: «مع وجود مصدرين مدنيين، نستطيع فعلاً أن نناقش الأمور بانفتاح أكبر». وأضاف أن هذه المعطيات «تتيح للمجتمع العلمي مناقشة هذه الأحداث وهذه المستشعرات بصورة صريحة ومنفتحة. وتمنحنا كاشفات البرق هذه علماً إضافياً غير متوقّع لمن يدرسون "المطر القاسي"». وتتناول دراسة منشورة عن بوليد جنوب الأطلسي هذه الملاحظات.
كيف تُعاد صياغة الحدث من بيانات متعددة؟
تشير إليزابيث سيلبر، الفيزيائية الأولى في البحث والتطوير بمختبرات سانديا الوطنية التابعة لوزارة الطاقة الأميركية، إلى أن مركز ناسا لدراسة الأجسام القريبة من الأرض (CNEOS) هو نقطة البداية في كثير من الحالات. ويقع المركز في مختبر الدفع النفاث في جنوب كاليفورنيا، ويحسب بدقة عالية مدارات الكويكبات والمذنبات واحتمالات اصطدامها بالأرض، دعماً لمكتب التنسيق للدفاع الكوكبي في ناسا.
قالت سيلبر: «بالنسبة إلى كثير من الكرات النارية، توفّر الرصدات الحكومية الأميركية المسجّلة في قاعدة بيانات CNEOS نقطة انطلاق مهمة، إذ تثبت أن الحدث وقع، وفي حالات كثيرة تقدّم معطيات أساسية مثل الموقع والزمان والطاقة التقديرية». وأضافت: «ويمكن بعدها لأنظمة الرصد المدنية والعلمية أن تضيف قياسات مستقلة تساعد على صقل هذا التوصيف الأولي والتحقق منه».
وتعرض الوقائع الثلاث ما تتيحه هذه القياسات المتكاملة.
كوينزلاند: انفجار تفتّتي في الجو
في 20 مايو 2023 دخلت صخرة فضائية عرضها نحو 3.7 متر (12 قدماً) الغلاف الجوي فوق شمال غرب كوينزلاند في أستراليا. وأحدث سقوطها دويّاً صوتياً مدوّياً، وسجّلته مستشعرات فضائية حكومية أميركية. وخلص الباحثون إلى أن الجسم تفتّت تفتتاً كارثياً. وكان الحدث من بين 20 حدثاً هي الأشد طاقة بين ما سجّله مركز CNEOS منذ عام 1988، وهو الأشد طاقة بين ما شوهد فوق أستراليا، وتعادل طاقته قنبلة قوتها 7.1 كيلوطن. وتفصّل دراسة عن كرة كوينزلاند النارية هذه النتائج.
ألاسكا: حدث لم تسجّله المستشعرات الحكومية
في 24 أبريل 2025 مرّت كرة نارية فوق وسط جنوب ألاسكا، وهي بوليد طبيعي تفكك في الجو، وخلّفت مجموعة بيانات سيزمية صوتية (seismoacoustic) مسجّلة بكثافة، أي بيانات اهتزازات أرضية وموجات صوتية معاً. وضمّت شبكة الرصد 37 محطة زلزالية، و16 مستشعراً منفرداً للموجات تحت الصوتية (infrasound)، وهي موجات أخفض من أن تسمعها الأذن البشرية، إضافة إلى أربع مصفوفات من هذه المستشعرات. وسجّلت الشبكة 30 وصولاً باليستياً للموجات، إلى جانب وصولات متعددة ناتجة عن التفتت. وكشف رادار دوبلر الجوي أن أجزاء من الكرة النارية سقطت على هيئة نيازك، فيما التقطت كاميرات الفيديو الحدث بصرياً على نحو مستقل. وتعرض دراسة مجموعة بيانات ألاسكا هذه المعطيات.
ولم تُبلِغ المستشعرات الحكومية الأميركية عن هذا الحدث في قاعدة بيانات CNEOS، ومع ذلك أعاد الباحثون بناءه كاملاً تقريباً. قالت سيلبر: «حدث ألاسكا مثال مفيد بصورة خاصة، لأن المستشعرات الحكومية الأميركية لم تبلغ عنه في قاعدة بيانات CNEOS. وفي هذه الحالة أُعيد بناء الحدث بالكامل تقريباً من الرصدات المدنية والعلمية». وأوضحت أن البيانات الزلزالية وتحت الصوتية قيّدت المسار والطاقة الصوتية، وأن الفيديو أعطى معلومات بصرية مستقلة، وأن الرادار كشف المادة الساقطة. وأشارت سيلبر إلى أن كثافة الشبكة الأرضية في ألاسكا أتاحت إعادة بناء مفصّلة رغم أن الحدث لم يكن متوقعاً.
ماذا يرى كل مستشعر؟
لكل أداة ما تراه وما تعجز عنه، وفق سيلبر: «تسجّل المستشعرات الزلزالية وتحت الصوتية موجات الصدمة في الغلاف الجوي، ويمكنها أن تقيّد المسار والتفتت والطاقة». وتتابع: «توفّر الرصدات البصرية رؤية مستقلة للرحلة المضيئة. أما رادار دوبلر الجوي فيستطيع كشف المادة الباقية بعد أن تبطؤ وتدخل مرحلة الطيران المظلم (dark flight)»، وهي المرحلة التي ينطفئ فيها توهج الجسم.
وتقول سيلبر: «القوة الحقيقية أن هذه الأنظمة تقدّم معلومات مختلفة ومتكاملة». وتضيف: «حين يتوافر رصد حكومي أميركي، يمكن للبيانات المدنية أن تتحقق منه بصورة مستقلة وتضيف إليه تفاصيل أكثر بكثير. وحين لا يتوافر، كما في هذه الحالة ألاسكا، تستطيع الشبكات المدنية أن تقدّم مع ذلك إعادة بناء مكتملة على نحو مدهش».
وتتيح هذه الملاحظات المتعددة التحقق المتبادل ووصفاً أكمل للحدث. وبحسب سيلبر: «يتيح الجمع بين الرصدات المستقلة أن ننتقل من مجرد معرفة أن الحدث وقع إلى تحديد كيف انتقل الجسم عبر الغلاف الجوي، وأين تفتت، وكم من الطاقة أطلق، وهل نجت مادة منه حتى وصلت إلى الأرض».
لماذا يهم التمييز بين الطبيعي والبشري؟
يقول لاندس إن هذه الكرات النارية «تنتج بالنسبة إلى المراقب العابر ألعاباً نارية طبيعية رائعة، وهي في الغالب غير ضارة». لكنه يشدد على ضرورة تمييزها عن الأحداث التي يتسبب بها البشر، ويحذّر من أن تفسّر دولة حدثاً طبيعياً على أنه ضربة استباقية. ويرى، في رأي شخصي، أن أجساماً أصغر تعبر الغلاف الجوي مما كان يُظن.
ويدعم الرصد المتعدد هذا التمييز، كما يساعد في تقدير آثار الحطام الناتج عن نشاط بشري، ويخدم الدفاع الكوكبي. وتؤكد سيلبر أن هذا الدفاع يتجاوز رصد الأجسام قبل وصولها: «الدفاع الكوكبي لا يقتصر على اكتشاف جسم قبل أن يبلغ الأرض». وتتابع: «بل يشمل فهم ما يحدث أثناء الدخول إلى الغلاف الجوي، أي كيف يتفتت الجسم، وأين يودع طاقته، وما مدى دقة إعادة بناء مساره، وهل تنجو مادة منه حتى تصل إلى الأرض».
وتصف سيلبر أحداث الدخول إلى الغلاف الجوي بأنها «اختبارات واقعية» للأساليب والنماذج المستخدمة في الدفاع الكوكبي. وتقول: «من منظور الدفاع الكوكبي، هذا النوع من التكرار والتعدد مفيد للغاية. فالرصدات الفضائية، وشبكات الزلازل والموجات تحت الصوتية، والكاميرات البصرية، والرادار الجوي، يقدّم كلٌّ منها معلومات مختلفة، وله حدوده الخاصة».
أما ما سيأتي بعد ذلك فتلخّصه سيلبر بقولها: «هذا يحسّن الوعي بالموقف بعد وقوع الحدث، ويساعد على التحقق من النماذج الفيزيائية، ويعزز قدرتنا على تفسير عمليات الدخول المقبلة إلى الغلاف الجوي، سواء تعلّقت بأجسام طبيعية أو بعودة أجسام اصطناعية».
أخبار ذات صلة

تلسكوب Swift التابع لناسا سيسقط على الأرض قريباً.. أين سيهوي؟

تلسكوبا Webb و Hubble يرصدان أشباحاً غامضة في سديم رأس القطة

لماذا يختلف الصيف بين نصفي الكرة الأرضية؟
