خطر تزييف الأعراض وتأثيره على مقاومة المضادات الحيوية
كشف استطلاعان أن نحو 30% من البالغين و27% من مقدمي الرعاية للأطفال يزورون الأطباء بتزييف أعراض للحصول على مضادات حيوية مما يزيد من خطر مقاومة المضادات. تعرف على دوافعهم وتأثير هذا السلوك على الصحة العامة في وورلد برس عربي.

كشف استطلاعان أميركيان أن قرابة 30% من البالغين، ونحو 27% من مقدّمي الرعاية للأطفال، أقرّوا بأنهم زيّفوا الأعراض أمام الطبيب كي يحصلوا على مضادات حيوية. وتكتسب هذه النتائج أهميتها من أن الإفراط في استخدام المضادات الحيوية يغذّي مقاومتها، ومن أن قرار الطبيب بوصفها يعتمد جزئياً على ما يرويه المريض عن أعراضه.
نُشر الاستطلاعان يوم الجمعة 30 أكتوبر في مجلة JAMA Network Open الطبية. وهما استطلاعان للرأي يعتمدان على ما يصرّح به المشاركون عن أنفسهم، وليسا تجربة سريرية ولا مراجعة منهجية. وتتناول البيانات الولايات المتحدة وحدها، ولا تتضمن المادة المتاحة أرقاماً عن الدول العربية.
ماذا قال البالغون عن تزييف الأعراض؟
شمل الاستطلاع الأول نحو 960 بالغاً من أنحاء الولايات المتحدة، أجابوا عن الأسئلة في يناير وفبراير 2026. وسُئلوا عن المبالغة في الأعراض الموجودة فعلاً، واختلاق أعراض غير موجودة، ودوافعهم، وخصائصهم السكانية، وسلوكياتهم الصحية، ومعتقداتهم.
أفاد نحو 28% منهم بأنهم حرّفوا أعراضهم للحصول على مضاد حيوي. وقال 26% إنهم بالغوا في أعراض كانت موجودة، وقال 17% إنهم اختلقوا أعراضاً. وكانت الأعراض الأكثر تزييفاً هي أعراض نزلات البرد، ومنها الحمى والسعال والتهاب الحلق.
وتشير النتائج كذلك إلى أن هذه الحيلة تبدو لأصحابها ناجحة:
كان نحو ثلثي من زيّفوا أعراضهم واثقين بدرجة متوسطة على الأقل من أن كذبتهم ستدفع الطبيب إلى وصف المضاد.
قال 77% منهم إن الأسلوب نجح مرة واحدة على الأقل.
لماذا يكذب المرضى؟ وما الذي يرتبط بالكذب؟
ذكر المشاركون في الاستطلاع الأول دوافع عدة، منها الشعور بمرض شديد، وتوقّع التعافي السريع، والرغبة في التحكم في العلاج. وقارن الباحثون بين من كذبوا ومن لم يكذبوا، فوجدوا أن الأكثر كذباً كانوا أميل إلى الشعور بأن الأطباء لا يأخذونهم على محمل الجد، وأكثر تأييداً لعبارات توحي بأن مقاومة المضادات الحيوية خدعة.
وفي المقابل، كتب مؤلفو الدراسة: «ارتبطت المعرفة الأكبر بالمضادات الحيوية والنفور من تناولها بانخفاض احتمال تزييف الأعراض». وبدا الندم محدوداً، إذ قال أقل من 30% ممن زيّفوا أعراضهم إنهم نادمون على الكذب أو على تناول المضاد الموصوف لهم. وعزا النادمون ندمهم إلى الآثار الجانبية، أو إلى عدم فاعلية العلاج، أو إلى اعتبارات أخلاقية تتعلق بالكذب نفسه.
هل يتكرر الأمر مع الأطفال؟
شمل الاستطلاع الثاني 236 من الآباء والأوصياء على أطفال ومراهقين دون الثامنة عشرة. وأفاد نحو 27% منهم بأنهم كذبوا بشأن أعراض الطفل للحصول على مضاد حيوي. واعتقد 87% ممن كذبوا أن كذبتهم نجحت مرة واحدة على الأقل. وجاءت دوافعهم مشابهة لدوافع البالغين في الاستطلاع الأول.
وقال مؤلفو الدراسة: «تشير هذه النتائج إلى أن تزييف الأعراض قد يسهم في الإفراط في استخدام المضادات الحيوية في رعاية الأطفال».
حدود الأرقام
يتعيّن قراءة النسب بحذر. فالمشاركون يمثّلون أعماراً وفئات سكانية ومواقع جغرافية متنوعة داخل الولايات المتحدة، لكنهم ليسوا بالضرورة عيّنة ممثلة للبلاد كلها. ووصف المؤلفون معدل الكذب بأنه تقدير أولي، وليس قياساً غير متحيّز على مستوى السكان. وقد لا يكون بعض المشاركين أفصح عن تزييفه للأعراض أو تذكّره.
لماذا يقلق الكذب الصحة العامة؟
تحدث مقاومة المضادات الحيوية حين تكتسب البكتيريا قدرة على تحمّل الأدوية المصمّمة لقتلها. ويشمل سوء استخدام المضادات تناولها ضد العدوى الفيروسية، وهي عدوى لا تعالجها هذه الأدوية أصلاً. وهي لا تشفي المريض من مرضه الفيروسي، وقد تسبب اضطراباً في المعدة أو مشكلات في الميكروبيوم المعوي، أي مجتمع الكائنات الدقيقة في الأمعاء. كما يضغط الاستخدام غير الضروري على البكتيريا لتتطور وتكتسب وسائل تُبطل مفعول المضادات.
وتُظهر بيانات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) عن المقاومة حجم المشكلة في الولايات المتحدة. فقد تسببت البكتيريا والفطريات المقاومة للأدوية في نحو 9.7 مليون إصابة عام 2023، بعد أن كان العدد 2.8 مليون عام 2017. وارتفع العدد التقديري للوفيات الناجمة عن هذه الجراثيم من 35,000 إلى 50,800 في الفترة نفسها. وسبق أن عرضت المراكز أرقاماً سابقة عن المقاومة.
أين يقع دور الطبيب؟
تجري معظم وصفات المضادات الحيوية للمرضى الأميركيين في العيادات الخارجية، وهناك يصعب على الطبيب أن يحدد بسرعة هل يحتاج المريض إلى مضاد أم لا. فكثير من العدوى البكتيرية لا تتوافر لها اختبارات تشخيصية سريعة وحاسمة، وقد تدفع مواعيد الفحص القصيرة الطبيب إلى التخوف من إغفال عدوى قد تتفاقم. وقد يواجه الأطباء كذلك ضغطاً من المرضى البالغين أو من مقدّمي الرعاية للأطفال لوصف المضاد.
وفي تعليق على الدراستين، قال الدكتور جيفري ليندر، وهو طبيب باطنية عامة وباحث سريري في الرعاية الأولية في Northwestern Medicine: «بصفتنا أطباء، نعلم أن المرضى يكذبون علينا أحياناً». غير أنه توقف عند رقم لافت في النتائج، وهو أن نحو 80% ممن أقرّوا بتزييف الأعراض حصلوا على وصفة. وقال: «لا يستقيم أن يحصل نحو 80% ممن قالوا إنهم زيّفوا أعراضهم على وصفة طبية»، وأضاف أن ذلك لا يحدث «إلا إذا كان واصفو الدواء يُخدعون عمداً، أو الأرجح أنهم يُنهَكون بما يرونه طلباً من المرضى، بغض النظر عن الملاءمة السريرية الفعلية».
وفي رأي ليندر أن قراءة سلوك المريض على أنه مطالبة بالدواء تنطوي على خلط بين الأعراض والتشخيص. فقال: «ربما يفسّر الأطباء مبالغة المرضى في الأعراض وأسئلتهم على أنها مطالبة بمضاد حيوي، لكن الأعراض لا تحدد دواعي الاستعمال، بل التشخيص هو الذي يحددها». ويرى أن على الطبيب أن يقدّر في كل وصفة هل هي أرجح أن تنفع المريض أم أن تضرّه.
ويخلص ليندر إلى أن المسؤولية تبقى على عاتق الطبيب مهما كان ضغط المريض أو كذبه، فقال: «واجب الأطباء أن يتصرفوا بما يحقق مصلحة المرضى، حتى لو كان المرضى يأملون منا شيئاً آخر، وحتى لو لم يعجبهم ذلك، وحتى لو كذبوا بشأن أعراضهم». ويبقى السؤال الذي لا تجيب عنه هذه الاستطلاعات هو كيف يمكن للأنظمة الصحية أن تمنح الأطباء وقتاً وأدوات تشخيص تخفف الضغط عليهم، ما دام الاختبار السريع الحاسم غير متاح لكثير من العدوى البكتيرية.
أخبار ذات صلة

سرطان القولون في الشباب: دراسة تكشف أسباب الفتك العالي

حملت امرأة «طفلاً حجريّاً» في بطنها ثلاث سنوات لغز تشخيصي

باحثون يطورون غرسة تحول السكر في الدم لعلاج السكري من النوع الثاني
