سر تحول لون كأس ليكورغوس الروماني بين الأخضر والأحمر
كأس زجاجي روماني يتحول لونه من الأخضر إلى الأحمر بسبب جسيمات نانوية من الذهب والفضة داخل الزجاج. رغم محاولات الاستنساخ الحديثة يبقى سر طريقة صنعه الأصلية لغزاً تاريخياً مثيراً بين الصدفة والنية الفنية في صناعة الزجاج. وورلد برس عربي

كيف يتحوّل كأس زجاجي من الأخضر إلى الأحمر بمجرد تغيّر موضع الضوء؟ الجواب، بحسب دراسة صدرت عام 1963، يكمن في جسيمات نانوية دقيقة من الذهب والفضة مبثوثة في زجاج كأس Lycurgus الروماني، وهي أصغر من حبّات الرمل وتتفاعل مع الضوء فتغيّر لون القطعة. وقد وصفت الدراسة هذه الجسيمات بأنها السبب المرجّح للظاهرة، أي أنها تفسير راجح لا يقين مغلق.
عند إضاءة الكأس من الأمام يبدو أخضر يشبه اليشم أو أخضر لبنياً. وعند إضاءته من الخلف يتحوّل إلى أحمر ياقوتي شفاف. ويُعرف هذا السلوك بالزجاج ثنائي اللون (Dichroic glass)، أي الذي يتبدّل لونه بتبدّل اتجاه الضوء.
هل نجح الباحثون في استنساخ التأثير؟
نجحوا في استنساخه، وإن لم يتّضح بعدُ كيف صُنع الأصل. ففي ستينيات القرن العشرين أنتجت شركة Corning Glassworks نسخة طبق الأصل من الزجاج ثنائي اللون، تحوّل لونها من الأخضر إلى الأرجواني الأميثستي. وعاد باحثون إلى هذه النسخة في دراسة عام 2007 عن الزجاج من هذا النوع، وأشارت الدراسة إلى أن عدداً ضئيلاً جداً من شظاياه ما زال باقياً.
وفي عام 2020 استخدم باحثون جسيمات الذهب والفضة النانوية في الطباعة ثلاثية الأبعاد لإعادة إنتاج خصائص الزجاج المتغيّر اللون، كما تعرضه دراسة منشورة في Beilstein Journal of Nanotechnology. ثم جاء خبراء من جامعة شيفيلد (University of Sheffield) فهندسوا صيغة الكأس هندسة عكسية وأعادوا إنتاج الزجاج ثنائي اللون، وكلّفوا فنان زجاج بصنع تصميم مستوحى من Lycurgus باستخدام الزجاج المستنسخ، وفق تقرير الجامعة.
لكن استنساخ الأثر لا يعني معرفة طريقة صنعه الأصلية، فعملية الإنتاج القديمة لا تزال غير مؤكدة. ولم يُعرف أين عُثر على الكأس ولا أين صُنع. ويدرس الباحثون إنتاج الزجاج الروماني ثنائي اللون منذ عقود.
هل قصد الصانع الروماني هذا التأثير؟
هنا يقف الخبراء عند حدود ما يعرفون. فهم لا يعلمون إن كان نافخ الزجاج قد قصد صنع التحوّل اللوني أصلاً. ومن الاحتمالات المطروحة أن آثاراً من الذهب دخلت الزجاج المنصهر عن طريق المصادفة داخل ورشة حرفية قديمة.
في المقابل، تذكر السجلات الرومانية القديمة أكواباً متغيّرة اللون. ومن ذلك رسالة يُحتمل أن يكون الإمبراطور Hadrian قد كتبها في القرن الثاني إلى صهره، وفيها إشارة إلى كأسين ثنائيي اللون للولائم. وإن صحّت نسبتها إليه، فمعنى ذلك أن هذا النوع من الزجاج كان معروفاً قبل صنع كأس Lycurgus نفسه.
ما هذه القطعة التي بين أيدينا؟
الكأس قدح زجاجي يبلغ ارتفاعه نحو 6.3 بوصة (15.9 سنتيمتراً) ويزن قرابة 1.6 باوند (700 غرام). وقد وصفه عالما الآثار D. B. Harden وJocelyn Toynbee في دراسة نُشرت عام 1959 بأنه «كأس قفصي» روماني محفوظ جيداً. وعرّفت الدراسة القطعة بهذا الوصف، أما اللون فتناولته دراسة 1963. ولم يبقَ من هذا الصنف إلا عدد قليل. ويعتقد الخبراء أن زخارفه كانت تُنحت بالقطع والصقل في زجاج سميك، وتُترك جسور زجاجية صغيرة تثبّت الزخرفة في مكانها، فيبدو العمل كأنه قفص. وقدّر الباحثان أن الكأس صُنع في القرن الرابع، ويرجّحان أن ذلك تم في إيطاليا. أما إطار الساق والحافة البرونزي فيُرجَّح أنه أُضيف في القرن التاسع عشر.
وانتقلت القطعة بعد ذلك بين أيدٍ معروفة، إذ امتلكتها عائلة روتشيلد المصرفية منذ منتصف القرن التاسع عشر، ثم اقتناها المتحف البريطاني منها عام 1958.
ماذا ترسم الأسطورة على الكأس؟
يصوّر النقش الملك الأسطوري Lycurgus، الذي أغضب الإله Dionysus. وكان يحكم قبيلة Edoni (Edonians) التراقية، وعارض عبادة Dionysus ونفى الإله إلى البحر بفأس، وفق رواية الأسطورة. وجاء الانتقام على يد كاهنة الإله، Ambrosia، التي تحوّلت إلى كرمة والتفّت حول الملك. وأحاطت به كاهنات أخريات وهو عالق، وعذّبنه.
وقد تتّسق صور الخمر في الأسطورة مع الغرض الذي صُنع له الكأس. وقد يكون تحوّل اللون من الأخضر إلى الأحمر تمثيلاً لنضج العنب على الكرمة. وهذا تفسير محتمل وحسب، ويظلّ السؤال الأكبر بلا جواب: هل رأى الصانع هذا التحوّل ورسمه عن قصد، أم أن الذهب تسلّل إلى الزجاج في ورشة قديمة فاكتسبت الأسطورة لونها من مصادفة؟
أخبار ذات صلة

الحيتان الزرقاء تختفي قرب جزر غالاباغوس.. هل لظاهرة النينيو دخل؟

الدفاع الكوكبي: كيف تراقب الأقمار العسكرية والمدنية الكرات النارية لحماية الأرض من الصخور الفضائية

تلسكوب Swift التابع لناسا سيسقط على الأرض قريباً.. أين سيهوي؟
