الصين تطلق صاروخاً باليستياً من غواصة نووية وتثير القلق
اختبرت الصين صاروخاً باليستياً بعيد المدى من غواصة نووية في المياه الدولية ما أثار احتجاجات دولية وأثار مخاوف من تصاعد التوترات العسكرية في آسيا وسط غموض حول نوع الصاروخ ونوايا بكين وورلد برس عربي.


اختبرت البحرية الصينية يوم الاثنين إطلاقَ صاروخٍ باليستي بعيد المدى من غوّاصةٍ تعمل بالطاقة النووية، في خطوةٍ قال عنها خبراء إنّها تكشف عن تنامي القدرات الصينية ومهاراتها ضمن استراتيجية الردع النووي لبكين.
وقد استدعى هذا الإطلاق احتجاجاتٍ أمريكية وآسيوية وباسيفيكية على حدٍّ سواء. وهذه هي المرّة الثانية التي تُطلق فيها الصين صاروخاً باليستياً في المياه الدولية خلال السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من أنّ بكين أبلغت بعض دول المنطقة مسبقاً، فإنّ عدداً منها أفاد بأنّ الإشعار المُسبق لم يكن كافياً، فيما يرى الخبراء أنّ هذا الإطلاق يُفاقم التوتّرات القائمة في ظلّ تصاعد العسكرة في آسيا.
إليك ما هو معلومٌ وما هو غامضٌ حول هذا الإطلاق الصاروخي.
هل هو JL-2 أم JL-3؟ الخبراء يرجّحون أحد الاحتمالَين
أعلنت الصين عن الاختبار علناً يوم الاثنين، لكن بعد إتمام الإطلاق لا قبله، مُشيرةً إلى أنّ الصاروخ أُطلق باتّجاه المحيط الهادئ. وفي بيانٍ موجز، أفادت وكالة أنباء Xinhua الرسمية بأنّ الإطلاق جاء في إطار تدريباتٍ سنوية روتينية، وأنّه يتوافق مع القانون الدولي والممارسات المعمول بها، وأنّه لا يستهدف أيّ دولةٍ أو هدفٍ بعينه. ولم يتضمّن البيان أيّ تفاصيل عن نوع الصاروخ.
وكان الصاروخ يحمل رأساً حربياً وهمياً، لا رأساً نووياً حقيقياً. ويُعدّ الإطلاق في المياه الدولية أمراً نادراً، وإن كانت الولايات المتحدة قد لجأت هي الأخرى إلى هذا الأسلوب في اختباراتها الصاروخية.
نشرت Xinhua صورةً للصاروخ يوم الثلاثاء دون تفاصيل إضافية. ويرى الخبراء أنّه قد يكون إمّا JL-2 أو JL-3، وكلاهما صاروخٌ باليستي يُطلَق من الغوّاصات، غير أنّ معظمهم أشار إلى أنّ الصور المتاحة لا تكفي للجزم بذلك.
وذكرت صحيفة Global Times المملوكة للدولة أنّه "على الأرجح" صاروخ JL-3 يتجاوز مداه 10,000 كيلومتر (6,200 ميل)، في حين يمتلك JL-2 مدىً أقصر.
وأعلنت حكومة نيوزيلندا أنّ الصاروخ أُطلق في المياه الخاضعة لمعاهدة المنطقة الخالية من الأسلحة النووية في جنوب المحيط الهادئ، مشيرةً إلى أنّ ذلك يُخالف روح هذه الاتفاقية.
وقد أُسِّست هذه المنطقة بموجب معاهدة راروتونغا (Treaty of Rarotonga) عام 1986، التي تحظر الأسلحة النووية في المنطقة بأسرها. وكانت الصين قد صادقت على بروتوكولات المعاهدة عام 1987، متعهّدةً بعدم اختبار الأسلحة النووية داخل المنطقة أو التهديد باستخدامها ضدّ الدول الأطراف ذات الأراضي الواقعة فيها.
احتجاجات أسترالية ويابانية ومن دولٍ أخرى
في حين طالبت الصين الدول الأخرى بـ"تجنّب التفسير المبالغ فيه" رداً على الانتقادات، يرى الخبراء أنّ مخاوف تلك الدول لها ما يسوّغها.
وأشار Drew Thompson، الزميل الأول في مدرسة S. Rajaratnam للدراسات الدولية في سنغافورة، إلى أنّ جزءاً كبيراً من هذه المخاوف نابعٌ من غياب المعلومات الواضحة، قائلاً: "جرى التحديث العسكري الصيني والتوسّع في القدرات دون أن يُقابله تزايدٌ موازٍ في الانفتاح والشفافية، ممّا أفضى إلى غموضٍ حول نوايا الصين."
وأعلن رئيس الوزراء الأسترالي Anthony Albanese أنّ الصين لم تُمهل حكومته وقتاً كافياً للإشعار المسبق، مُصرّحاً أمام الصحفيين يوم الثلاثاء خلال زيارته لمدينة هونيارا في جزر سليمان: "لا شكّ أنّ هذا عملٌ استفزازي من جانب الصين يُزعزع استقرار المنطقة."
وأضاف Albanese: "كان هذا اختباراً لصاروخٍ باليستي عابر للقارّات قادرٍ على حمل رؤوسٍ نووية، أُطلق من غوّاصةٍ تعمل بالطاقة النووية. وهذا مثيرٌ للقلق الحقيقي، لأنّ ما نحتاجه هو تقليص الأسلحة النووية لا تكثيفها. وحقيقة أنّ هذا الاختبار جرى أمس مع إشعارٍ مسبق شحيح للغاية تُثير قلقاً بالغاً."
وكانت نيوزيلندا قد أبدت الموقف ذاته يوم الاثنين، إذ وصف وزير خارجيتها Winston Peters الأمر بأنّه "غير مرحَّبٍ به ومثيرٌ للقلق."
وفي هونيارا أيضاً، قال رئيس وزراء جزر سليمان Matthew Wale للصحفيين يوم الثلاثاء: "الصين صديقةٌ عزيزة لجزر سليمان، لكنّ هذا ليس ما يفعله الأصدقاء. هذا ليس... جيّداً لمنطقتنا."
وأضاف Wale: "لا نريد أن نرى أيّ دولةٍ أخرى الصين أو أمريكا أو أيّ طرفٍ آخر لا نريد لأحدٍ أن يختبر صواريخه الباليستية العابرة للقارّات في منطقة جزر المحيط الهادئ. كونوا أصدقاءنا، لكن لا تُهدّدونا."
الاختبار في سياق تصاعد العسكرة في آسيا
جعل الرئيس الصيني Xi Jinping من تحديث جيش التحرير الشعبي أولويةً قصوى في عهده.
وتمتلك الصين أصلاً أكبر جيشٍ نظامي في العالم وأضخم قوّةٍ بحرية على مستوى العالم. وعلى الرغم من أنّ ترسانتها النووية لا تزال دون مستوى الترسانتَين الأمريكية والروسية، فإنّها تعمل بنشاطٍ على توسيع مخزونها من الرؤوس الحربية النووية، وتطوير صواريخ أبعد مدىً وطائراتٍ مسيَّرة متطوّرة.
ومن المتوقّع أن يبلغ الميزانية الدفاعية الصينية 270 مليار دولار في 2026، وقد نمت بمعدّل 7% تقريباً على مدى السنوات الأربع الماضية، وتظلّ أقلّ من 2% من الناتج المحلي الإجمالي. غير أنّ التحليلات المستقلّة تُشير إلى أنّ الإنفاق الفعلي قد يكون أعلى من ذلك بكثير؛ إذ تُقدّر مؤسسة Stockholm International Peace Research Institute الرقم الإجمالي لعام 2024 بـ313.7 مليار دولار.
وتتمحور معظم المخاوف الأمنية حول احتمال انخراط الجيش الصيني في نزاعٍ مسلّح بشأن تايوان، الجزيرة التي تحكم نفسها بنفسها وتعدّها الصين جزءاً من أراضيها، ولم تستبعد اللجوء إلى القوّة لإعادتها إلى سيادتها. كما تُرسل الصين بصفةٍ منتظمة طائراتٍ حربية وسفناً بحرية إلى المياه المحيطة بالجزيرة في إطار ما تُسمّيه مناوراتٍ عسكرية.
وفي مواجهة التوسّع العسكري الصيني وتصاعد نشاطه، رفعت دول المنطقة إنفاقها الدفاعي؛ فاليابان تكسر سقفها التاريخي المحدَّد بـ1% من الناتج المحلي الإجمالي لتُضاعف ميزانيتها الدفاعية إلى 2%، فيما وافقت الفلبين على السماح للولايات المتحدة بتوسيع حضورها العسكري على أراضيها بمنحها حقّ الوصول إلى أربع قواعد إضافية.
وفي هذا الإطار، قالت Emma Chanlett-Avery، مديرة الشؤون السياسية والأمنية في Asia Society Policy Institute: "يُفاقم الإطلاق الصيني العلاقات المتوتّرة أصلاً بين بكين وطوكيو. فمنذ أن أدلت رئيسة الوزراء (Sanae Takaichi) بتصريحاتها العام الماضي حول انخراط اليابان في أيّ نزاعٍ يتعلّق بتايوان، شدّدت الصين قيودها على الصادرات إلى اليابان واتّهمتها بتبنّي 'عصرٍ جديد من العسكرة'."
أخبار ذات صلة

الصين تلمّح إلى احتمال استعادة الولايات المتحدة الامتيازات التجارية لهونغ كونغ

الصين تسجل أبطأ نمو لها منذ أكثر من 3 سنوات

علي بابا تقاضي وزارة الدفاع الأمريكية لإلغاء تصنيفها "شركة عسكرية صينية"
