وورلد برس عربي logo

تشيلي بين دعم فلسطين وتوجهات اليمين الجديد

تسليط الضوء على العلاقات المتزايدة بين الحكومات اليمينية في أمريكا اللاتينية وإسرائيل، مع التركيز على تشيلي وجالية الفلسطينيين الكبيرة. كيف يؤثر فوز الرئيس كاست على السياسة الخارجية ويعيد تشكيل الموقف من القضية الفلسطينية؟

نساء يحملن لافتة خلال مظاهرة في تشيلي تطالب بوقف الإبادة في غزة، مع تواجد أعلام فلسطينية وشعارات تدعو إلى العدالة.
يحمل المتظاهرون لافتة ضد إبادة إسرائيل في غزة خلال ما يُعرف بمسيرة "Las Ollas Vacias" (الأواني الفارغة) التي نظمتها الجالية الفلسطينية في تشيلي، في سانتياغو بتاريخ 9 أغسطس 2025 (رودريغو أرانغوا/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

موجةٌ جديدة من الحكومات اليمينية تعمل على تعميق علاقاتها مع إسرائيل في أرجاء أمريكا اللاتينية، متجاوزةً ما عُرف بـ«المدّ الوردي» الذي طبع السياسة الخارجية للقارة لسنواتٍ طويلة، وجعلها تقف إلى جانب القضية الفلسطينية.

ولعلّ أكثر ما يثير الاستغراب في هذا السياق هو ما يجري في تشيلي تحديداً، إذ تحتضن أكبر جالية فلسطينية خارج العالم العربي وشمال أفريقيا.

فاز الرئيس Jose Antonio Kast في انتخابات ديسمبر الماضي، بعد حملةٍ انتخابية محورها مكافحة الهجرة وتعزيز الأمن الوطني وخفض الإنفاق العام.

وهو معجبٌ بالديكتاتور الشهير Augusto Pinochet، وتتقاطع خطاباته مع خطاب الأرجنتيني Javier Milei صاحب المنشار، ومع Nayib Bukele «ديكتاتور جيل الألفية» في السلفادور، ومع Donald Trump الذي بات نهجه في الهيمنة الأمريكية على القارة يُعرف لدى عددٍ من المراقبين بـ«عقيدة Donroe».

وإلى جانب قادةٍ جدد في بوليفيا وكوستاريكا وهندوراس، يُجسّد Kast هذا النظام اليميني الجديد بتسريعه استعادة العلاقات مع إسرائيل، على الرغم من حربها الإبادية المستمرة على قطاع غزة المحتل.

قال Ricardo Marzuca، المؤرّخ التشيلي الفلسطيني في مركز الدراسات العربية بجامعة تشيلي: «وهذا بالفعل مشكلةٌ بالنسبة للجالية الفلسطينية في تشيلي».

انقلابٌ دبلوماسي

كان الرئيس السابق Gabriel Boric من أشدّ المنتقدين للإبادة الإسرائيلية في غزة، التي راح ضحيّتها أكثر من 73,000 شهيد فلسطيني منذ أكتوبر 2023.

فقد استدعت حكومته السفير التشيلي، وسحبت الملحقين العسكريين والدفاعيين من تل أبيب، وانضمت إلى الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضدّ إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية. وقُبيل مغادرته منصبه في مارس الماضي، رعى Boric أربعة قراراتٍ أمميّة تُعارض جرائم الحرب الإسرائيلية في فلسطين المحتلة وهضبة الجولان السورية.

كما اقترح مشروع قانون يحظر استيراد البضائع من الأراضي المحتلة، وأيّد المقترح الإسباني بوقف تجارة الأسلحة مع إسرائيل. غير أنّ مشروع القانون لم يُقرَّ، ولم تسِر تشيلي على خطى البرلمان الإسباني الذي أرسى حظراً شاملاً على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل.

قالت Stephanie Elias Musalem، المديرة التنفيذية لـمركز المعلومات الفلسطيني في سانتياغو: «يمكن القول إنّ Boric كان أكثر رئيسٍ تشيلي أبدى دعماً رمزياً وسياسياً للقضية الفلسطينية. بيد أنّ معظم إجراءاته افتقرت إلى ضماناتٍ مؤسسية طويلة الأمد، ممّا جعلها عُرضةً للتراجع».

ثمّ جاء Kast، الذي سبق له أن وصف نهج Boric تجاه إسرائيل بأنّه «غير مسؤول وأيديولوجي بامتياز».

وفي غضون أسابيع، أذن لشركات تصنيع الأسلحة الإسرائيلية بـالمشاركة في معرض FIDAE للطيران والفضاء العسكري، متراجعاً بذلك عن الحظر الذي فرضته الحكومة السابقة على الشركات الإسرائيلية.

وفي 8 مايو، خلال لقاءٍ ثنائي مع الرئيس الإسرائيلي Isaac Herzog في كوستاريكا، أكّد Kast خططه لإعادة السفير التشيلي إلى إسرائيل في غضون أسابيع. وبحسب ما أُفيد، تناول الطرفان أيضاً «استعادة العلاقات الإسرائيلية التشيلية وتعزيز الروابط بين البلدين في مجالاتٍ تشمل الزراعة والصحة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا».

وقد أدانت الجالية الفلسطينية في تشيلي هذا اللقاء إدانةً قاطعة.

قالت Elias: «حافظت تشيلي تاريخياً على ارتباطٍ وثيق بالقضية الفلسطينية». وحتى الرئيس الأسبق ذو التوجّه الوسطي اليميني Sebastian Pinera اعترف بدولة فلسطين عام 2011، وأصبح أوّل زعيمٍ تشيلي يزور رام الله في زيارةٍ رسمية.

ومع ذلك، قالت Elias: «لا ينبغي أن ننسى أنّ تشيلي حافظت على علاقةٍ مادية وثيقة مع إسرائيل منذ سبعينيات القرن الماضي».

ففي عام 1976، وعقب القيود الأمريكية على المساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة لتشيلي بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، باتت إسرائيل أحد أبرز الموردين العسكريين للبلاد.

وبعد عقودٍ من ذلك، ورغم التزامه الخطابي بـ«سلامٍ حقيقي وآمن ودائم»، وسّع Pinera العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية والدفاعية مع إسرائيل، إذ بلغت قيمة التبادل التجاري بين البلدين 281 مليون دولار عام 2018.

وقد ظلّ هذا دائماً «تناقضاً جوهرياً»، على حدّ تعبير Elias.

رجال الرئيس

ثمّة مؤشّرٌ آخر على تعمّق علاقات Kast مع إسرائيل، يتجلّى في الأشخاص المحيطين به.

Eitan Bloch مستشارٌ دولي يعمل في الطابق الثاني من قصر La Moneda، المقرّ الرسمي للرئاسة. هذا الأرجنتيني البالغ من العمر 32 عاماً فحسب يتمتّع بشبكة علاقاتٍ واسعة في الأوساط الصهيونية داخل تشيلي، وقد عمل سابقاً في السفارة الإسرائيلية.

في ديسمبر الماضي، انضمّ إلى وفدٍ من أعضاء مجلس الشيوخ التشيليين زار إسرائيل بقيادة الجالية اليهودية في تشيلي (CJCH)، حيث التقوا Herzog وعدداً من الخبراء في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

أوضحت Elias: «يضمّ الطابق الثاني أكثر الأشخاص ثقةً لدى الرئيس». ولذلك، «يُعدّ Bloch أحد المهندسين الرئيسيين للسياسة الخارجية في هذه الإدارة».

وعيّن Kast كذلك Gabriel Zaliasnik، الصهيوني المُعلن، سفيراً لتشيلي لدى إسرائيل. وكان قد قال في مقابلةٍ أُجريت معه عام 2020: «لا أستطيع أن أتصوّر يهودياً لا يكون صهيونياً».

وZaliasnik رئيسٌ سابق للجالية اليهودية في تشيلي (CJCH)، وهي مؤسسة تدعم ترسيخ العلاقات الدبلوماسية بين تشيلي وإسرائيل. وقد اعتاد Zaliasnik انتقاد Boric وما يُسمّى بـ«اليسار الراديكالي»، مُدّعياً أنّه «يحتضن الجهاد الإسلامي».

كما قال إنّ الجرائم الإسرائيلية في غزة لا تعدو كونها ما تفعله «أيّ ديمقراطية تدافع عن نفسها في مواجهة الإرهاب».

وانتقدت الجالية الفلسطينية في تشيلي هذا التعيين، واصفةً إيّاه بأنّه «قرارٌ بالغ الخطورة، يتعارض مع المصلحة الوطنية، ولا ينسجم مع تاريخ تشيلي في الدفاع عن القانون الدولي، وهو إهانةٌ صريحة لمئات الآلاف من التشيليين من أصولٍ فلسطينية».

الفلسطينيون في تشيلي

باستعادته العلاقات مع إسرائيل، يُخاطر Kast بإحداث شرخٍ داخل شريحةٍ من قاعدته الانتخابية نفسها: الفلسطينيون ذوو التوجّه اليميني.

وصل الجيل الأوّل من المهاجرين الفلسطينيين إلى تشيلي، وهم في معظمهم مسيحيون من بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور، قبل نكبة عام 1948 بزمنٍ طويل، حين أُجبر مئات الآلاف من الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم على يد الميليشيات الصهيونية.

فرّ هؤلاء المهاجرون الأوائل من الاضطرابات الاقتصادية والتجنيد القسري في ظلّ الحكم العثماني، وكثيرٌ منهم بدأوا باعةً متجوّلين، ثمّ أسّسوا مشاريع تجارية ناجحة ودخلوا الحياة السياسية وتركوا إرثاً ثقافياً لا يزال حاضراً حتى اليوم.

قال Marzuca: «كما أنّ المجتمع التشيلي متنوّعٌ تنوّعاً هائلاً، كذلك الجالية الفلسطينية فيه». فهي تمتدّ على طيفٍ سياسي واسع، من المرشّح الرئاسي الشيوعي السابق Daniel Jadue على اليسار، إلى السفير التشيلي لدى المكسيك Francisco Chahuán على اليمين.

وأضاف Marzuca : «ما يجمعهم جميعاً هو الالتزام بالقضية الفلسطينية».

وأوضح Marzuca أنّه بينما يتبنّى اليسار القضية الفلسطينية «من منظورٍ أممي يُولي الأولوية لحقوق الإنسان ومناهضة الإمبريالية وتحرير الشعوب المقهورة»، فإنّ اليمين «يشعر بعدم الارتياح تجاه الخطابات التي تربط النضال الفلسطيني بنضالات تحرير الشعوب الأصلية في أمريكا اللاتينية».

وأضاف أنّهم يحملون «رؤيةً أكثر تحفّظاً وانحساراً للتحرر الوطني الفلسطيني، تتمحور حول هدف إقامة الدولة الفلسطينية».

ومع ذلك، قال Marzuca، فقد «نجحوا في تشكيل كتلةٍ برلمانية متعدّدة الأحزاب (اللجنة البرلمانية التشيلية الفلسطينية المشتركة)، تضمّ أعضاءً من البرلمان وأعضاءً في مجلس الشيوخ من اليسار واليمين التشيليين على حدٍّ سواء، يقفون جميعاً في صفّ فلسطين».

وهكذا، قد يُفضي دعم Kast لإسرائيل إلى «تناقضٍ لدى كثيرٍ من الشرائح اليمينية في الجالية الفلسطينية».

ناشطون مُختطَفون

في غضون ذلك، يواصل ناشطون تشيليون فلسطينيون كفاحهم الدؤوب من أجل العدالة.

Nelson Hadad محامٍ تشيلي فلسطيني يُمثّل أربعة ناشطين تشيليين جرى اعتراضهم واختطافهم بصورةٍ غير مشروعة على متن أسطول الحرية Global Sumud في 18 مايو. قال : «سنُقدّم شكوى جنائية إلى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية».

وأضاف: «جرى احتجازٌ غير مشروع في المياه الدولية... ولا يمكن أن يمرّ هذا دون عقاب».

وأفاد Hadad بأنّ الضحايا تعرّضوا لـ«التعذيب والاستجواب بالعنف الجسدي والضرب والعنف الجنسي» في مركز احتجازٍ في مدينة أشدود الإسرائيلية.

وردّاً على عملية الاختطاف، أبدت الحكومة التشيلية استياءها للسفير الإسرائيلي، وطالبت الحكومة الإسرائيلية بضمان حقوق المحتجزين والإفراج عنهم فوراً.

وأكّد Hadad الدور الذي أدّته الحكومة التشيلية، لا سيّما القنصلان التشيليان في تل أبيب وأنقرة.

غير أنّ Macarena Chahuan، الصحفية والناشطة التشيلية الفلسطينية التي كانت على متن سفينة Sumud خلال عملية الاعتراض الأولى في 30 أبريل، لم تلقَ المعاملة ذاتها.

قالت : «الحكومة لم تُساعدني على الإطلاق»، مضيفةً أنّ عودتها واستقبالها جرى تنسيقهما كلّياً من قِبل وفد تشيلي في أسطول الحرية.

وقال Maurice Khamis Massu، رئيس الجالية الفلسطينية في تشيلي التي أدانت علناً استجابة الحكومة في الحادثتين ووصفتها بأنّها ملتبسة وقاصرة: «لا يمكن للحكومة أن تصمت حين يُحرم مواطنون تشيليون من حرّيتهم في المياه الدولية».

وأضاف : «الأمر يتعلّق بالتزام الدولة بحماية مواطنيها». فـ«ما ندافع عنه ليس أيديولوجيا، بل ركائز تعايشنا الدولي: الاحترام المطلق للقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان».

وفيما يخصّ القضية الفلسطينية، «فهذه ليست مسألة يسارٍ أو يمين، بل سياسةٌ ثابتة للدولة التشيلية أرستها منذ خمسين عاماً».

أخبار ذات صلة

Loading...
اعتقال رجل يرتدي سترة سوداء، يرافقه ضابط أمن في ملابس رسمية، في سياق جهود مكافحة الجريمة في البرازيل.

الخبراء: استهداف واشنطن لعصابات البرازيل محاولة للتأثير على الانتخابات

تصنيف الولايات المتحدة لعصابتَي PCC وCV كمنظمات إرهابية يثير تساؤلات حول الدوافع السياسية وراء هذا القرار. هل يسعى Flávio Bolsonaro لتعزيز صورته قبل الانتخابات؟ اكتشف المزيد عن تأثير هذا القرار على السياسة البرازيلية.
Loading...
دلسي رودريغيز، الرئيسة الفنزويلية بالإنابة، تلوح بيدها خلال مؤتمر صحفي في لاهاي، تعبيرًا عن موقف فنزويلا من النزاع مع غيانا.

رئيسة فنزويلا بالإنابة: تدافع عن السيادة وترفض تصريحات ترامب حول الولاية الـ 51

في لاهاي، حيث تتصاعد التوترات حول النزاع الإقليمي، أكدت دلسي رودريغيز أن فنزويلا ليست ولاية أمريكية. تابعوا معنا لتفاصيل هذا النزاع التاريخي الذي يهدد السيادة الوطنية ويشكل محور اهتمام دولي.
Loading...
رجل يحمل صورة للرئيس الهايتي الراحل جوفينيل مويز، الذي اغتيل في 2021، في سياق محاكمة المتهمين بالتآمر على اغتياله.

اعتقالات في قضية اغتيال رئيس هايتي: أربعة متهمون بالتآمر أمام القضاء الأمريكي

في قلب الفوضى الهاييتية، أدانت هيئة محلّفين في فلوريدا أربعة رجال بتهمة التآمر لاغتيال الرئيس جوفينيل مويز. هل ترغب في معرفة تفاصيل هذه القضية المثيرة؟ تابع القراءة لتكتشف المزيد عن تداعياتها وأبعادها القانونية.
Loading...
لافتة تحمل صورة للرئيس الهندوراسي السابق خوان أورلاندو هيرنانديز، مكتوب عليها "العفو عن JOH لا يمحو الحقيقة ولا ينفي narcoestado".

الهندوراس والمؤامرة : تسجيلاتٌ تُتهم واشنطن وتل أبيب بالتدخّل في أمريكا اللاتينية

تسربت تسجيلات تكشف عن مؤامرات أمريكية وإسرائيلية تهدف لتقويض الحكومات اليسارية في أمريكا اللاتينية. هل تريد معرفة المزيد عن هذه الشبكة المعقدة من التلاعبات السياسية؟ تابع القراءة واكتشف التفاصيل المثيرة!
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية