عنف الكارتيلات يهدد سلام المكسيك خلال كأس العالم
بينما تعيش المدن الكبرى أجواء كأس العالم بأمان، تتعرض مجتمعات ريفية في المكسيك لهجمات عنيفة من كارتيلات مسلحة وسط تجاهل حكومي يترك السكان في خطر مستمر. قصة مأساوية من وورلد برس عربي تكشف الواقع المظلم.

في الساعة السادسة من صباح الأربعاء، حين كانت الشمس تتسلّل فوق قمم جبال وسط المكسيك، بدأت القنابل تتساقط من طائرات مسيّرة تابعة لأحد الكارتيلات.
مجموعة المجتمعات الريفية المعروفة بـ Guajes de Ayala، التي باتت تحت الحصار، كانت قد أمضت أسابيع تُحذّر جهات إنفاذ القانون في ولاية Guerrero من تمدّد كارتيل La Nueva Familia Michoacana نحو مناطقها. لكنّ نداءاتها ذهبت أدراج الرياح، فيما كانت الاحتفالات بكأس العالم تستأثر باهتمام المدن الكبرى كمكسيكو سيتي وGuadalajara وMonterrey.
لم يكن أمام ماريلو سولوريو، البالغة 24 عاماً، سوى الاختباء في عيادة طبية مهجورة قريبة، رفقة 70 امرأةً وطفلاً وشيخاً، وهم يستمعون إلى دويّ انفجارات الطائرات المسيّرة وأصوات الرصاص المتبادل بين الكارتيل ومجموعة المتطوّعين المسلّحين من أبناء المنطقة، يتمنّون أن ينتهي كلّ شيء وأن يظلّوا على قيد الحياة.
قالت سولوريو عبر الهاتف من مخبئها، في إشارةٍ إلى بطولة كأس العالم: "بينما يحتفل بعضهم بالأهداف، يُذبَح آخرون بقنابل الطائرات المسيّرة. بدلاً من حماية الناس في المدن التي تستضيف كأس العالم، كان ينبغي على الحكومة المكسيكية أن تحمي أناساً مثلنا، ممّن لم يرتكبوا أيّ ذنب."
القوات المكسيكية تتمركز حول مدن كأس العالم
سارعت السلطات المكسيكية إلى نفي وقوع الهجمات في Guerrero المنكوبة بالعنف، على الرغم من مقاطع مباشرة بثّها السكان المحليون تُظهر أعمدة الدخان وأصوات إطلاق النار من نقاط المراقبة التي أقامها الأهالي على المرتفعات للرصد المبكّر.
جاءت هذه الهجمات في خضمّ أشهر من المعاناة التي تخوضها الرئيسة المكسيكية Claudia Sheinbaum في مواجهة العنف الجنائي المتجذّر في البلاد. وعلى الرغم من أنّ معدّلات القتل شهدت انخفاضاً ملحوظاً في عهدها، فإنّ الضغوط تصاعدت خلال العام الماضي إذ سعت المكسيك إلى تقديم صورة أمنية مطمئنة قبيل انطلاق كأس العالم، لا سيّما في أعقاب موجة العنف التي اجتاحت مدينة Guadalajara المضيفة في فبراير الماضي. ويُضاف إلى ذلك التهديدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي Donald Trump بشأن اتّخاذ إجراءات عسكرية ضدّ الكارتيلات، فضلاً عن توتّرات سياسية داخلية متعدّدة.
في ضوء ذلك، ضاعفت المكسيك انتشارها الأمني في مدن كأس العالم، إذ نشرت 100,000 عنصر أمني في مكسيكو سيتي وMonterrey وGuadalajara بصورة رئيسية، لضمان سير البطولة بسلام. وقد اختُتم الجزء المكسيكي من المنافسات يوم الأحد دون وقوع حوادث أمنية تُذكر.
بينما امتلأت شوارع المدن الكبرى بالمشجّعين المحتفلين، ظلّ العنف يضرب أجزاء واسعة من البلاد دون هوادة. ويرى المحلّل الأمني المكسيكي David Saucedo أنّ هجمات من قبيل ما جرى في Guajes de Ayala هي من تداعيات الاستراتيجية الأمنية المرتبطة بكأس العالم.
قال سوسيدو: "كان الحضور الأمني كثيفاً في مكسيكو سيتي وGuadalajara وMonterrey، إذ نُقل عدد كبير من عناصر الجيش والحرس الوطني من ولايات أخرى لتعزيز مدن البطولة. لكنّ ذلك أفضى في الوقت ذاته إلى ترك مناطق عديدة خارج نطاق المدن المضيفة دون حماية كافية."
في شمال ولاية Sinaloa، خلّفت اشتباكات نهاية الأسبوع بين مجموعات إجرامية ضحايا بينهم ضابط بحري و10 من المشتبه بهم. وفي الأسبوع الذي سبق ذلك، أعلنت السلطات في جنوب ولاية Veracruz عن العثور على جثّة صحفي مخطوف قالت إنّه قُتل على يد مجموعات إجرامية. أمّا في ولاية Chiapas الجنوبية، التي تشهد منذ سنوات صراعاً دموياً على النفوذ بين الكارتيلات، فقد عُثر الأربعاء على ثمانية جثث في مكانٍ واحد تركت بجانبها رسائل من الكارتيل.
تحذيرات أُهملت قبل الهجوم
كان مجتمع Guajes de Ayala قد أبلغ جهات إنفاذ القانون بأنّ الكارتيل يُضيّق الخناق على بلداتهم، ونشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع تُظهر طائرات مسيّرة تابعة للكارتيل تحلّق فوق المنطقة، إلى جانب معلومات عن مواقع مقاتلي الكارتيل وهم يتقدّمون نحو المنازل. قالوا إنّهم كانوا يخشون هجوماً وشيكاً، وأكّدت سولوريو أنّ أحداً لم يُبادر إلى مساعدتهم.
وفي صبيحة الأربعاء، بلغت الأمور ذروتها. فيما لجأت سولوريو ومن معها إلى العيادة المهجورة هرباً من المعركة، آثر آخرون الاحتماء في الكنائس.
لم تردّ السلطات المحلية والفيدرالية على طلب التعليق الذي وجّهه إليها، غير أنّه عقب استفسار عن الهجمات، نشر مجلس الأمن المكسيكي على منصّة X بياناً جاء فيه أنّ "الأحداث الواردة في التقارير الإخبارية قد استُبعدت" من قِبل السلطات، مشيراً إلى أنّ قوات الأمن الولائية "تتوجّه إلى المنطقة للتحقّق من الأوضاع وتعزيز الحضور المؤسّسي وتوفير الأمن للسكان."
وكانت السلطات قد نفت في وقت سابق اتّهامات بتخلّيها عن مجتمعات Guerrero، إلّا أنه تم التأكد حين تمت زيارة المنطقة مؤخّراً لم يكن هناك أيّ حضور أمني للدولة في محيط تلك المجتمعات.
منذ سنوات، يتمدّد كارتيل La Nueva Familia Michoacana داخل ولاية Guerrero، وهو الكارتيل الذي صنّفته إدارة Trump العام الماضي منظّمةً إرهابية أجنبية، إلى جانب كارتيلات مكسيكية أخرى وعصابات من أمريكا الوسطى والجنوبية. وفي مواجهة هذه الهجمات، وفي ظلّ ما وصفه السكان بغياب تامّ للسلطات الأمنية، فرّ المئات من منازلهم، فيما شكّل رجال المجتمع مجموعة مسلّحة من المتطوّعين للتصدّي للكارتيل. وقد سلّحت هذه المجموعةَ كارتيلاتٌ منافسة تخوض صراعاً على النفوذ مع La Nueva Familia Michoacana، وتمتلك أسلحةً عسكرية مهرَّبة من الولايات المتحدة وقنابل يدوية وطائرات مسيّرة تستخدمها في رصد تحرّكات الكارتيل المتقدّم.
في منطقة كـ Guerrero التي تعيش على وقع الصراعات الجنائية منذ عقود، بات السكان يعرفون جيّداً أنّ السؤال لم يكن يوماً "هل سيتعرّضون لهجوم آخر؟" بل "متى؟"
أخبار ذات صلة

أكثر من 100 فنزويلي مُرحّلين من أميركا فُقد الاتصال بهم قبل الزلازل بساعات

نافذة الإنقاذ تضيق في فنزويلا بعد الزلازل المزدوجة المدمّرة

المباني القديمة والبناء الرديء يعرّضان فنزويلا لأخطار الزلازل
