وفاة الحصبة تكشف مخاطر التهاون في التطعيم
وفاة امرأة في بنسلفانيا بسبب مضاعفات الحصبة تكشف هشاشة نظام التطعيم وتصاعد تفشٍّ المرض في 37 مقاطعة. الحصبة ليست مجرد مرض طفولة بل تهديد حقيقي للمجتمع خاصة غير الملقحين والمصابين بأمراض مزمنة وورلد برس عربي.

في ولاية Pennsylvania الأمريكية، لقيت امرأة في الأربعين من عمرها حتفها جرّاء مضاعفات الحصبة، بعد أن كانت الولاية قد أمضت خمسةً وثلاثين عاماً دون أن تُسجّل وفاةً واحدة بهذا المرض. الحادثة ليست مجرّد رقم في سجلّات الصحة العامة؛ إنّها تكشف عن هشاشة متراكمة في منظومة التطعيم، وعن خطورة الحصبة حين تُترك دون وقاية في مجتمعات باتت تتساهل مع اللقاحات.
أعلن مكتب طبيب الشرعية في Jefferson County في 12 سبتمبر 2026 عن وفاة المرأة، التي كانت تقطن في Jefferson County بولاية Pennsylvania. لم تكن المرأة ملقَّحة ضد الحصبة، وقد تعرّضت للعدوى من شخص مصاب بالمرض. كانت تعاني من أمراض مزمنة، في مقدّمتها مرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD)، وكانت تحتاج إلى أكسجين مُساعد في حياتها اليومية. وقد فارقت الحياة إثر فشل تنفّسي نُسب إلى مضاعفات الحصبة.
وصف Greg Furlong، طبيب الشرعية في Jefferson County، ما جرى بقوله: "خسارةٌ مؤلمة للعائلة، وتذكيرٌ مؤسف بأنّ الحصبة يمكن أن تكون مرضاً خطيراً وقد يُفضي إلى الوفاة". وأضاف Jason Stiver، نائب طبيب الشرعية الأول في المقاطعة، أنّ "هذه المأساة تُبيّن أنّ الحصبة لا ينبغي التهاون معها"، مُنبّهاً إلى مفهوم خاطئ شائع: "كثيرٌ من الناس يربطون الحصبة بأمراض الطفولة، غير أنّها قادرةٌ على إحداث مضاعفات وخيمة في أيّ عمر. الحصبة شديدة العدوى، وقد تُفضي إلى أمراض تنفّسية حادّة، ودخول المستشفى، وفي حالاتٍ نادرة كهذه، إلى الوفاة."
تفشٍّ يجتاح 37 مقاطعة
لا يمكن فهم هذه الوفاة بمعزل عن السياق الوبائي الأوسع. تشهد Pennsylvania في عام 2026 موجة تفشٍّ حادّة للحصبة، تجاوزت فيها الحالات المُسجَّلة 670 حالة موزّعةً على 37 مقاطعة، فيما تجاوز عدد المُدخَلين إلى المستشفيات 124 حالة. وهذه الأرقام وحدها كافيةٌ للدلالة على أنّ الأمر ليس تفشّياً عابراً، بل أزمةً صحية عامة حقيقية.
والأشدّ إيلاماً أنّ وفاة المرأة ذات الأربعين عاماً هي الثالثة المرتبطة بالحصبة في الولايات المتحدة خلال عام 2026، وجميعها وقعت في Pennsylvania. سبقتها وفاتان لرضيعَين في Lancaster County: طفلة في السادسة من أسابيع عمرها كانت تعاني من حالة جينية وراثية حادّة، ورضيعٌ ذكر توفّي إثر تمزّق في الطحال وهو من المضاعفات النادرة جدّاً وكانت أمّه غير الملقَّحة تعاني من حالة حصبة شديدة لحظة ولادته. وقد ظلّت العلاقة السببية المباشرة بين الحصبة ووفاة الرضيع الذكر موضع جدل.
ما يمنح هذه الأرقام ثقلها الحقيقي هو ما سبقها: لم تُسجَّل في Pennsylvania أيّ وفاة بالحصبة طوال خمسةٍ وثلاثين عاماً قبل عام 2026. بمعنى آخر، جيلٌ كامل من الأطباء والمواطنين في هذه الولاية لم يشهد وفاةً بمرضٍ كان يُعدّ من المنجزات الكبرى للتطعيم الجماعي.
جدل سياسي يُعقّد الاستجابة الصحية
بينما تراجع وزارة الصحة في Pennsylvania الحالة ولم تُضفها بعد إلى الإحصاء الرسمي لحالات التفشّي وفق بيان الوزارة الذي أكّد أنّها "تُجري مراجعةً شاملة للحالة وستُزوّد الجمهور بمعلومات مُحدَّثة حين تتوفّر" يدور في الوقت ذاته جدلٌ سياسي يُلقي بظلاله على المشهد برمّته.
فقد استثنت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، التي يقودها وزير الصحة الأمريكي Robert F. Kennedy Jr.، وفاتَي الرضيعَين من بيانات الوفيات الرسمية المرتبطة بالحصبة، مستندةً إلى متطلّبات إبلاغ جديدة لم تكن معمولاً بها من قبل. والأشدّ إثارةً للقلق أنّ Kennedy Jr. المعروف بمواقفه المناهضة للتطعيم وصف في تبادلٍ علني مع حاكم الولاية Josh Shapiro هذه الوفيات بأنّها "مُختلَقة"، في موقفٍ يتعارض تعارضاً صريحاً مع ما يُوثّقه أطباء الشرعية والمسؤولون الصحيون على مستوى المقاطعات.
هذا التوتّر بين الموقف الفيدرالي والواقع الميداني الذي يرصده المسؤولون المحليون يطرح سؤالاً جوهرياً لا يخصّ Pennsylvania وحدها: حين تتعارض الأرقام الرسمية مع ما يُوثّقه أطباء الشرعية في المقاطعات، أيّهما يُشكّل المرجعية التي تبني عليها السياسات الصحية؟
درسٌ لمنطقتنا أيضاً
من منظور الصحة العامة، تُمثّل هذه الحالة نموذجاً مركّباً لعوامل الخطر: مريضة بأمراض مزمنة تُضعف الجهاز التنفّسي، غير ملقَّحة، في بيئة تشهد تفشّياً واسعاً. وهو سيناريو لا يبعد كثيراً عن واقع بعض مناطق شمال أفريقيا، حيث لا تزال فجوات التغطية التطعيمية قائمة في المناطق الريفية والهامشية، وحيث يُعاني جزءٌ من السكان من أمراض مزمنة غير مُسيطَر عليها.
الحصبة مرضٌ يمكن الوقاية منه بلقاحٍ آمن وفعّال توافرت الأدلّة على فعاليته عبر عقود. ما يحدث في Pennsylvania ليس فشلاً في العلم، بل فشلٌ في الثقة وفي السياسات. والسؤال الذي يظلّ مفتوحاً في Pennsylvania كما في غيرها — هو: كم من الوفيات المُمكن تفاديها يحتاج المجتمع لأن يرى قبل أن تستعيد برامج التطعيم الثقة التي فقدتها؟
أخبار ذات صلة

سرطان انتشر في جسد طفل اختفى بعد جرعتين من علاج تجريبي

تغيّرٌ بسيط في الأظافر قد ينبّهك إلى مرضٍ كامن

عقار مصمّم بالذكاء الاصطناعي يجعل دم المرضى أصغر بيولوجياً
