وورلد برس عربي logo

ازدواجية كندا في حقوق الإنسان بين أوكرانيا وغزة

تسلط المقالة الضوء على ازدواجية كندا في التعامل مع حقوق الإنسان والقانون الدولي بين دعمها لأوكرانيا ووقوفها إلى جانب إسرائيل رغم اتهامات بجرائم حرب في غزة ما يطرح تساؤلات حول مصداقية مواقفها السياسية وورلد برس عربي.

رئيس وزراء كندا ورئيس أوكرانيا يقفان أمام أعلام بلديهما خلال اجتماع في فرنسا عام 2023، في سياق دعم كندا العسكري والسياسي لأوكرانيا.
رئيس وزراء كندا مارك كارني والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يحضران قمة مجموعة السبع في فرنسا بتاريخ 16 يونيو 2026 (خدمة الصحافة الرئاسية الأوكرانية/وكالة فرانس برس)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail
  • تتحدّث أوتاوا عن القانون الدولي وحقوق الإنسان حين يُلائم ذلك المصالح الجيوسياسية الغربية فحسب. والتناقض الصارخ بين موقف كندا من إسرائيل في حرب غزة، وموقفها من روسيا في الصراع الأوكراني، يكشف ازدواجية معايير خطيرة تأتي على حساب مصداقية الأعراف الدولية وشرعيتها.

يُظهر هذا التحليل، الذي أعددته بالتعاون مع Joseph Bouchard، ومرجعه البيانات الرسمية الكندية المتعلقة بالصراعين، تبايناً واضحاً لا يحتمل التأويل. فحين غزت روسيا أوكرانيا في فبراير 2022، ردّت كندا بيقينٍ أخلاقي لا تردّد فيه. أدان رئيس الوزراء آنذاك Justin Trudeau الغزوَ باعتباره عملاً غير قانوني ولا مبرّر له، وسارعت أوتاوا إلى فرض العقوبات، وفي غضون شهرين من اندلاع الحرب، أعلن مجلس العموم بالإجماع أن روسيا ترتكب إبادة جماعية.

وبحلول عام 2025، كانت كندا قد قدّمت لأوكرانيا 22 مليار دولار من المساعدات، منها 6.5 مليار دولار مساعداتٍ عسكرية، فضلاً عن تدريب ما يزيد على 47,000 عنصر من الكوادر العسكرية والأمنية الأوكرانية. وفي مايو الماضي، أعلن رئيس الوزراء Mark Carney أن معركة أوكرانيا هي «معركتنا».

قارن هذا بموقف كندا من الحرب الإسرائيلية على غزة،.دأبت أوتاوا على التأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، حتى في الوقت الذي أطلقت فيه كبرى منظمات حقوق الإنسان وخبراء الأمم المتحدة تحذيراتٍ جدية بشأن ما قد يرقى إلى مستوى جرائم الحرب والإبادة الجماعية.

وحين سُئل Trudeau في سبتمبر 2024 عمّا إذا كانت كندا ستُدين إسرائيل أو تفرض حظراً على توريد الأسلحة إليها، بعد أن دُمِّر معظم قطاع غزة ارتقى ما لا يقلّ عن 40,000 شهيد فلسطيني قتيلاً، أكّد قائلاً: «إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها».

لم يتبدّل الموقف الكندي إلا تحت وطأة ضغط شعبي واسع، حين اعترف Carney بـالدولة الفلسطينية في 21 سبتمبر 2025. غير أنه حتى بعد أن أقرّت وزيرة الخارجية Anita Anand في أغسطس الماضي بأن «المعاناة الإنسانية في غزة بلغت مستوياتٍ لا يمكن تصوّرها»، في ظلّ مجاعةٍ معلنة تضرب القطاع، رفضت كندا اتخاذ أي إجراء ملموس في مواجهة إسرائيل.

إطاران متنافسان

تتأرجح كندا بانتهازية واضحة بين إطارين متنافسين. في مواجهة خصومها كروسيا، تستحضر لغة النظام الدولي الليبرالي، ذلك النظام الذي يرفع راية حقوق الإنسان الكونية والقانون الدولي ومبادئ من قبيل مسؤولية الحماية (R2P).

وكندا نفسها أسهمت في صياغة إطار مسؤولية الحماية، الذي يُلزم الدول بحماية مواطنيها من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، وإلا وجب على المجتمع الدولي التدخّل.

أما حين يتعلّق الأمر بحلفائها كإسرائيل، فتلجأ كندا إلى ما يُسمّى «النظام القائم على القواعد» وهو إطار مرن يُشيد بالأعراف الدولية في الخطاب دون أن يُفضي إلى تقييد الحلفاء الغربيين فعلياً، فيما تُطبَّق هذه الأعراف بصورة انتقائية ومجحفة على الخصوم الجيوسياسيين والأنظمة غير الغربية الأضعف.

«النظام القائم على القواعد» في جوهره أداةٌ لتكريس الهيمنة الغربية مع الإبقاء على مظهر الشمولية والعالمية.

وهذه الازدواجية البنيوية تكشف حقيقةً مزعجة لا تريد النخب الغربية الاعتراف بها: إن دعمهم لإسرائيل، الدولة المُقامة على تهجير جماعي قسري، يُجلّي أن بعض الأرواح وحدها تستحق الحزن عليها، وأن المعركة لا تُخاض إلا حين تقتضيها الحسابات الجيوسياسية.

وبعد تحليل ما يزيد على 250 بياناً رسمياً كندياً تتعلق بحربَي أوكرانيا وغزة، باستخدام 10 معايير ثنائية، برز نمطٌ منهجي واضح.

ففي ما يخصّ أوكرانيا، طالبت كندا بوقف فوري لإطلاق النار، وأدانت الضربات الروسية على المستشفيات والمدارس، وأكّدت سيادة أوكرانيا، وصرّحت باسم روسيا بوصفها المعتدي، واستحضرت مبدأ مسؤولية الحماية.

وفي 28 فبراير 2022، صرّحت Melanie Joly، وزيرة الخارجية الكندية آنذاك، أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة: «حقوق الإنسان كونية ولا يمكن توظيفها لتبرير الحرب والجريمة».

وفي تجلٍّ لما تُسمّيه كندا نشاطها الدبلوماسي بوصفها قوة وسطى، أضافت: «النظام الروسي يتحدّى منظومة السلام والقانون الدولي، والميثاق ذاته الذي أرسينا دعائمه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. سعت روسيا إلى الاستهزاء بنظامنا الدولي، وإلى إعادة العالم إلى منطق 'القوة تصنع الحق'. لن نسمح بحدوث ذلك».

مكانة أخلاقية مهزوزة

في المقابل، تعاملت كندا مع ملف غزة بمنطقٍ مغاير تماماً؛ إذ أحجمت في البداية عن المطالبة بوقف إطلاق النار، وامتنعت عن وصف الضربات الإسرائيلية بالعشوائية أو غير المتناسبة، وأكّدت «حق إسرائيل في الوجود» دون أن تُقابل ذلك بلغة مماثلة تجاه فلسطين، وأغفلت استحضار مبدأ مسؤولية الحماية الذي دافعت عنه في الحالة الأوكرانية.

وفي اجتماعٍ جمعها في مارس 2024 بنظيرها الإسرائيلي Israel Katz، أعادت Joly التأكيد على إدانة كندا لهجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، وأبدت تضامناً ثابتاً والتزاماً راسخاً بأمن إسرائيل، وأعادت تأكيد حقها في الدفاع عن نفسها. وخلافاً لموقفها من روسيا، لم تُحاسب كندا إسرائيل محاسبةً فعلية، مكتفيةً بالتصريح بضرورة احترام القانون الدولي.

تُؤطّر كندا التاريخ الأوكراني باعتباره تاريخ ضحية للإمبريالية الروسية، مستحضرةً مجاعة الهولودومور، وسياسات التروسة السوفيتية، وضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014، لتقديم الغزو الروسي عام 2022 باعتباره امتداداً لعدوانٍ تاريخي على السيادة الأوكرانية.

بيد أن تاريخ فلسطين في ظلّ الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي أشدّ وضوحاً وأكثر توثيقاً: من النكبة عام 1948، إلى التوسّع الإقليمي العدواني عام 1967، إلى عقود من الحصار على غزة والتطهير العرقي المتواصل في الأراضي المحتلة.

وقد خلصت كلٌّ من Amnesty International ومنظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية B'Tselem إلى أن المنظومة الإسرائيلية ترقى إلى مستوى الفصل العنصري (الأبارتهايد). كما وُثِّقت جرائم بالغة الخطورة كـالتعذيب، والاغتصاب، والتجويع، والإعدام الميداني للمدنيين توثيقاً لا يقبل الجدل. ومع ذلك، تأبى كندا الاعتراف بهذه الحقائق.

وفي أكتوبر 2025، تساءل السيناتور Yuen Pau Woo: «لماذا ثمة ازدواجية في معايير تعاملنا مع الوضع في غزة مقارنةً بأوكرانيا مثلاً؟» محذّراً من أن إخفاق كندا في اتخاذ موقف حازم يُلحق ضرراً بالغاً بمكانتها الأخلاقية.

موقف كندا من أوكرانيا يُجسّد ما تبدو عليه السياسة الخارجية حين يكون المعتدي دولةً تُصنَّف خصماً استراتيجياً يُراد إضعافه. وموقفها من غزة يُجسّد في المقابل مصلحةً غربية موازية في الهيمنة على الشرق الأوسط.

أي موقف أخلاقي تنتهجه كندا إنما يصدر عن حسابات الملاءمة أو المصادفة. وما لم تواجه كندا هذه الحقيقة، فستبقى ادّعاءاتها الأخلاقية جوفاء، ونفوذها الدولي في تراجع مستمر.

أخبار ذات صلة

Loading...
شاحنة عسكرية روسية تحمل منظومة دفاع جوي S-400 تُحمّل في طائرة شحن كبيرة، في سياق مفاوضات بيع المنظومات إلى الإمارات.

روسيا تفتح الباب لتركيا بيع أنظمة S-400 للإمارات

تتصاعد التوترات حول صفقة بيع منظومات S-400 التركية للإمارات وسط تحفّظات روسية وأمريكية معقدة. اكتشف تفاصيل المفاوضات التي قد تغيّر موازين القوة في الشرق الأوسط، تابع معنا لمعرفة المزيد.
سياسة
Loading...
شاحنات نقل متوقفة عند معبر حدودي بين الإمارات والسعودية تعكس تأخيرات متزايدة في حركة التجارة البينية بسبب التوترات السياسية والاقتصادية.

تأخّر التبادل التجاري بين السعودية والإمارات وسط التوتّرات

تشهد التجارة بين الإمارات والسعودية تأخيرات متزايدة وتعليق تحويلات مصرفية، مما يؤثر على الشركات الصغيرة والمتوسطة ويزيد التوتر الاقتصادي بين الجارين الخليجيين. اكتشف المزيد عن تداعيات الأزمة الآن.
سياسة
Loading...
متظاهرون في تركيا يحملون لافتات تنتقد ترامب ونتنياهو وحلف الناتو خلال احتجاجات ضد قمة الناتو 2026 في أنقرة.

الأسلحة والإبادة في غزة: محركات الاحتجاجات المناهضة لحلف الناتو في تركيا

تتصاعد الاحتجاجات في تركيا ضد قمة حلف شمال الأطلسي 2026 وسط قمع واسع واعتقالات، مع رفض يساري متزايد لعضوية تركيا في Nato. اكتشف تفاصيل الأزمة واحصل على رؤية بديلة الآن.
سياسة
Loading...
تجمع احتجاجي أمام محكمة وستمنستر في لندن يرفع علم فلسطين وأيرلندا مطالباً بدعم القضية الفلسطينية وحظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية.

الاتحاد الأوروبي يشدّد: أيرلندا تحظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية

أيرلندا تصدر قانوناً يحظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، تأكيداً على دعمها للقانون الدولي وحقوق الفلسطينيين. اكتشف تفاصيل القرار وتأثيره الآن.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية