البرازيل والتعدين النادر تحديات وفرص الطاقة النظيفة
البرازيل تتحول إلى لاعب رئيسي في سوق المعادن النادرة مع تزايد الطلب العالمي واستثمارات أجنبية ضخمة وسط تحديات بيئية وسياسية. هل ستتمكن من حماية مواردها وتحويلها إلى فرص تنموية حقيقية؟ تابع التفاصيل على وورلد برس عربي

في خضمّ التنافس الدولي المتصاعد على موارد الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدّمة، تحوّلت البرازيل إلى وجهةٍ لا يمكن تجاهلها. احتياطياتها من المعادن النادرة الثانية عالمياً بعد الصين باتت تستقطب موجةً من المستثمرين الأجانب الذين يبحثون عن بديلٍ استراتيجي عن بكين. والسؤال الذي يطرح نفسه: من سيدفع ثمن هذه الطفرة الاستخراجية؟
ماذا تقول الأرقام؟
كشف تحليلٌ أجره موقع Reporter Brasil، استناداً إلى سجلّات الوكالة الوطنية للتعدين في البرازيل حتى يونيو الماضي، أنّ طلبات التنقيب عن المعادن النادرة شهدت قفزةً حادّة؛ إذ تجاوز 86% منها الثلاث سنوات الأخيرة فحسب، بما فيها 268 طلباً في النصف الأول من عام 2026 وحده.
المعادن النادرة ليست مجرّد أسماء في قائمة العناصر الكيميائية؛ فهي العمود الفقري للإلكترونيات والمغناطيسات والبطاريات، وكذلك توربينات الرياح ومحرّكات السيارات الكهربائية. وقد قدّرت وكالة الطاقة الدولية عام 2022 أنّ الطلب عليها قد يتضاعف ثلاث مرّات على الأقل بحلول عام 2040. هذا الرقم وحده يكفي لفهم حجم الرهانات.
الصين تهيمن، والبرازيل تملأ الفراغ
تمتلك China ما يقارب نصف الاحتياطيات العالمية من المعادن النادرة، وتسيطر على معظم عمليات المعالجة والتكرير. لكنّ قرار بكين تقييد صادراتها العام الماضي دفع المستثمرين إلى البحث عن بدائل، فوجدوا في البرازيل ضالّتهم.
وفق التحليل ذاته، يقود المستثمرون الأجانب هذه الطفرة، إذ يمثّلون أكثر من أربعةٍ من كلّ عشرة طلبات تنقيب. الشركات الأسترالية والأمريكية في مقدّمة المتسابقين؛ وكان من أبرز الصفقات الأخيرة استحواذ شركةٍ مدعومة أمريكياً على Serra Verde، المنتج التجاري الوحيد للمعادن النادرة في البرازيل.
أمّا الشركات الصينية، فلم تُسجّل أيّ طلبات تنقيب حتى يونيو، غير أنّها تُرسّخ حضورها بطرقٍ أخرى. فقد استحوذت China Nonferrous Metal Mining Group المملوكة للدولة على شركة Mineracao Taboca لإنتاج القصدير، وأعلنت عزمها تقييم إمكانات المعادن النادرة في منجمها الأمازوني. وبالتوازي مع ذلك، أبرمت Shenghe Resources اتفاقيةً مع شريكَيها البرازيليَّين WEG Mineracao وFenrir do Brasil لمتابعة مشاريع المعادن النادرة، من بينها مشروعٌ في ولاية Minas Gerais.
التعدين والبيئة: الثمن الذي لا يظهر في الميزانيات
الطفرة الاستثمارية لها وجهٌ آخر لا تكشفه أرقام الإنتاج. وفق مرصد التحوّل في مجال الطاقة وهو تعاونٌ بين باحثين وموقع Reporter Brasil فإنّ ما لا يقلّ عن ربع طلبات التنقيب تتداخل مع مناطق محمية أو تقع في نطاق عشرة كيلومترات منها، بما فيها مناطق في الأمازون وأراضٍ تعود لمجتمعات السكّان الأصليين. ويؤكّد الخبراء أنّ مشاريع التعدين داخل هذا النطاق الحيوي قادرةٌ على إحداث أضرار بيئية جسيمة.
المخاطر متعدّدة: مواد كيميائية سامّة، ونفاياتٌ مشعّة، وإزالةٌ للغابات، ومياهٌ ملوّثة تتسرّب إلى الأنهار والبحيرات فتُدمّر الثروة السمكية، فضلاً عن تلوّث الهواء والضوضاء.
في ولاية Goias وسط البرازيل، تتداخل أراضي مجتمعٍ صغير من البرازيليين ذوي الأصول الأفريقية مع مطالبات تعدينية تابعة للشركة الكندية Aclara Resources، التي حصلت العام الماضي على تمويلٍ بقيمة 5 ملايين دولار من مؤسسة التمويل الدولي للتنمية الأمريكية. قالت Aclara في بيانٍ رسمي إنّ مشروعها كان يتداخل في البداية مع أراضي المجتمع، لكنّه لن يشمل أيّ أنشطة تعدينية هناك. بيد أنّ السكّان يخشون أن تبدأ العمليات المتوقّعة في عام 2028 بالتأثير على الينابيع المحلية والحياة البرية.
البرازيل تريد الاستثمار... لكن بشروطها
المشهد السياسي في البرازيل يتحرّك بالتوازي مع الطفرة الاستثمارية. قال المشرّع البرازيلي Zé Silva، صاحب مشروع قانون معلّق يهدف إلى وضع سياسة فيدرالية للمعادن الحيوية والنادرة وتحديد أولويات الاستثمار وإنشاء مجلسٍ وطني لمراقبة النفوذ الأجنبي في القطاع:
«التحدّي اليوم هو أنّ China تهيمن على المعالجة والتكرير. بموجب مقترحنا، الشركات مرحَّبٌ بها للاستثمار، لكن يجب أن تنقل التكنولوجيا إلى البرازيل، بما فيها قدرات المعالجة.»
وفي يوم الاثنين، أعلن الرئيس Luiz Inacio Lula da Silva أنّ مجلس الشيوخ سيمضي قُدُماً في مشروع القانون هذا دفاعاً عن المصالح الوطنية، مضيفاً:
«لن نسمح لأحدٍ من الخارج بالقدوم إلى هنا واستغلال مواردنا المعدنية، لأنّنا نريد أن تجري عمليات المعالجة والتحويل هنا.»
هذا الموقف يستحقّ المتابعة عن كثب. فالفرق بين دولةٍ تصدّر المعدن الخام ودولةٍ تُعالجه وتحوّله يُقاس بآلاف فرص العمل وعشرات المليارات من القيمة المضافة. البرازيل تعرف هذا الدرس جيّداً والسؤال هو هل ستملك الإرادة السياسية لتطبيقه في مواجهة الضغوط الاستثمارية الهائلة القادمة من واشنطن وكانبيرا وبكين على حدٍّ سواء.
أخبار ذات صلة

الدين الأمريكي يتجاوز 40 تريليون دولار

الرئيس البرازيلي لولا يشعل حرب التعريفات مع واشنطن

شيري الصينية تستحوذ على مصنع نيسان في أفريقيا وسط تحوّل الإنتاج الكهربائي للأسواق الناشئة
