كيف تُعلّم الأجيال الجديدة قصة الحادي عشر من سبتمبر
كيف تُعلّم المدارس الأمريكية الأجيال الجديدة عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر؟ اختلاف المناهج بين الولايات وتحديات سرد قصة غير مألوفة لجيل لم يشهد الحدث. قراءة مهمة لفهم أثر هذا اليوم على التعليم والذاكرة الوطنية في وورلد برس عربي.





حين سأل دزموند كيليان، ذو السنوات التسع، عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي رآها موثّقةً على لوحات متحف ذكرى الرحلة 93 في بنسلفانيا، لم يجد في ذهنه إجابةً مستقاةً من كتاب مدرسي أو درسٍ في الفصل. سمع عن الأمر من أصدقائه فحسب. أما سؤاله لوالده كان مباشراً ومربكاً في آنٍ واحد: "لماذا أرادوا أن يصطدموا بنا؟". أجابه والده Eric Killian بعبارةٍ مقتضبة: "إنها أمورٌ صعبة الحديث عنها".
هذا المشهد الصغير يلخّص معضلةً تواجهها المدارس الأمريكية اليوم: كيف تُعلَّم أجيالٌ لم تعِش الحادي عشر من سبتمبر عن حدثٍ غيّر العالم الذي يعيشون فيه؟ وفي ظلّ مرور ما يقارب ربع القرن على الهجمات، بات نحو ثلث الأمريكيين قد وُلدوا بعدها وهو ما يجعل المدرسة المكانَ الأول والأهمّ لرواية هذه القصة.
جيلٌ لم يشهد الدخان
في يونيو 2023، التقى 40 معلّماً من ولاية بنسلفانيا في النصب التذكاري للرحلة 93 في غرب الولاية، على مدى ثلاثة أيام، لمناقشة كيفية تدريس أحداث الحادي عشر من سبتمبر للأجيال الجديدة. لم يكن اللقاء مجرّد ورشة عمل إجرائية، بل كان أقرب إلى تساؤلٍ جماعي: ما الذي ينبغي أن يعرفه طفلٌ يبلغ اليوم العاشرة عن يومٍ قُتل فيه قرابة 3000 شخص في نيويورك والبنتاغون وشانكسفيل؟
المعلّمة Martha "Marty" Runzer، التي درّست الصفّ الخامس وكانت في السابق مضيفةً في طيران United Airlines، وصفت ركّاب الرحلة 93 وطاقمها بأنهم "أبطالٌ من الحياة اليومية". أما المعلّم John Boston Bradley من مدرسة كاثوليكية في جونستاون، فقد لخّص الدافع وراء هذا الجهد التعليمي بقوله: "سيساعد طلّابنا على فهم أن هذه القصص الصعبة تحتاج إلى أن تُروى".
لكنّ السؤال ليس فقط "هل تُروى؟"، بل "كيف وأين ومتى؟".
خريطةٌ متقطّعة من ولايةٍ إلى أخرى
ما يكشفه الواقع الأمريكي هو غيابُ منهجٍ موحّد. فبينما تُلزم 25 ولاية مدارسها بتدريس الحادي عشر من سبتمبر أو تتوقّع ذلك، تكتفي 13 ولايةً بالإشارة إليه اختياراً. والأكثر لافتاً أن نحو 60% من الولايات لم تُدرج ذكر الهجمات في مناهجها التعليمية حتى بعد عقدٍ كامل من وقوعها.
الفوارق بين الولايات لا تقتصر على وجود التدريس من عدمه، بل تمتدّ إلى الإطار الذي يُقدَّم فيه. ففي ولاية Alabama، يُدرَّس الحادي عشر من سبتمبر ضمن وحدةٍ عن التدخّل العسكري الأمريكي منذ عام 1980، وتبدأ من الصفّ الخامس. وفي Texas، يُقدَّم الحدث صراحةً باعتباره مثالاً على "الإرهاب الإسلامي المتطرّف" وجزءاً من التاريخ المعاصر. في المقابل، تقترح ولاية Colorado أن يحلّل طلّاب المرحلة الثانوية أشكال التمييز التي تعرّض لها العرب والمسلمون في الولايات المتحدة بعد الهجمات، فيما تشمل مناهج New Mexico نقاشاتٍ حول الحروب التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر، وخليج غوانتانامو، وأبو غريب.
أما ولايات California وFlorida وNew Jersey وNorth Dakota، فتتوقّع جميعها نقاشاتٍ حول التوازن بين الأمن القومي والحريات المدنية في مرحلة ما بعد الهجمات وهو سؤالٌ لا يزال حيّاً في النقاشات السياسية حتى اليوم.
على صعيد التشريعات الحديثة، أصدرت Florida عام 2023 قانوناً يُلزم بتخصيص 45 دقيقة على الأقل لتدريس الحادي عشر من سبتمبر في بعض مقرّرات المرحلتين الإعدادية والثانوية. وفي عام 2022، أطلقت Louisiana ما أسمته "Freedom Framework"، وأدرجت ذكر الهجمات بدءاً من الصفّ الثاني الابتدائي. وفي العام ذاته، أصدرت Arizona قانوناً يُلزم بتدريس الحادي عشر من سبتمبر بصورةٍ ملائمة للأعمار في جميع المدارس الحكومية، قبل أن يُحصر لاحقاً في الصفوف من السابع حتى الثاني عشر.
الخوف من الصمت
Gordon Felt، شقيق Edward Felt أحد ضحايا الرحلة 93، يُعبّر عن قلقٍ يشاركه كثيرٌ من المعنيّين بهذا الملف: "الأسوأ من البداية الخاطئة أو استخدام لغةٍ غير ملائمة هو الحذف الكلّي لرواية القصة. هذا هو خوفنا الأكبر".
وتدعم الأرقام هذا القلق: نحو 60% من الشباب الأمريكي يقولون إنهم تعلّموا عن الحادي عشر من سبتمبر في المدرسة لأوّل مرة، وفق استطلاع أجراه Pew Research Center. وهذا يعني أن المدرسة هي الوسيط الرئيسي لنقل هذه الذاكرة — لا العائلة، ولا وسائل الإعلام.
Jeremy Stoddard، أستاذ التعليم في جامعة Wisconsin، يرى تحسّناً نسبياً في المشهد: "بالنسبة للولايات التي تُدرجه، يبدو أن الموضوع يُعالَج بعمقٍ أكبر مما كان عليه في السابق". غير أن هذا التحسّن لا يزال متفاوتاً وغير متكافئ.
Megan Jones، المسؤولة عن التعليم في National Sept. 11 Memorial & Museum منذ عام 2014، ترى أن الهدف الجوهري من هذا التعليم يتجاوز سرد الوقائع: "المفتاح هو مساعدتهم على فهم كيف شكّل الحادي عشر من سبتمبر العالم الذي يعيشون فيه". وقد رفع المتحف أكثر من 25 مليون دولار عام 2023 لدعم برامجه التعليمية.
بين الحماية والذاكرة
يطرح تدريس الحادي عشر من سبتمبر سؤالاً تربوياً حقيقياً: كيف تُقدَّم قصّةٌ مؤلمة لأطفالٍ في سنٍّ صغيرة دون أن تُحدث صدمةً أو تُبسَّط إلى حدّ الإخلال؟ السيناتور الجمهوري John Kavanagh من Arizona صاغ هذه المعادلة بوضوح: "يجب أن نحمي الأطفال الصغار من الرعب الحقيقي للحادي عشر من سبتمبر، ونضمن في الوقت ذاته ألّا ينساه الأطفال الأكبر سناً".
Cade Brumley، مفوّض التعليم في Louisiana، يشرح الدافع وراء إدراج الحدث مبكّراً في المنهج: "توحّدنا حول قناعتنا بأن الحادي عشر من سبتمبر يحتاج إلى أن يُدرَج بصورةٍ حقيقية وجوهرية".
في الطرف الآخر من الفصل الدراسي، تقف Ameya Williams، طالبة في المرحلة الثانوية من New Jersey تبلغ 17 عاماً، لتعبّر عن الأثر الذي يتركه هذا التعليم في نفسها: "أشعر أن فهمه هو فهمٌ لما مرّ به الناس". جملةٌ بسيطة، لكنّها تحمل ما تسعى إليه التربية في أعمق صورها: أن يرى الطالب في التاريخ تجربةً إنسانية لا مجرّد تسلسلٍ زمني.
مع اقتراب الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، تبقى الفجوة بين الولايات واسعةً وقائمة. ما يُعلَّم في فصلٍ في Colorado قد لا يُشبه ما يُقدَّم في فصلٍ في Texas، وما يسمعه طفلٌ في New Jersey قد لا يصل إلى مسامع قرينه في ولايةٍ لا تُلزم بشيء. السؤال الذي يطرحه المعلّمون المجتمعون في شانكسفيل ليس سؤالاً إدارياً عن المناهج بل هو سؤالٌ عن الذاكرة الجماعية: من يملك حقّ رواية القصة، وكيف تُروى حين لا يبقى شاهدٌ عاش اليوم نفسه؟
أخبار ذات صلة

قد تلغي كاليفورنيا قانون الحياد الشبكي بضغط من إدارة ترامب

السعودية تحذف عبارة "لن يتنازل المسلمون عن القدس أبداً" من مناهجها الدراسية

تأثير صراع إيران المتسلسل على تعليم ملايين الأطفال عالمياً
