خيبة أمل البريطانيين بعد عشر سنوات من Brexit
بعد عقد من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يعاني رجال الأعمال من خيبة أمل جراء التحديات الاقتصادية المتزايدة. كيف أثر Brexit على الصناعة البريطانية؟ اكتشف الحقائق والأرقام التي تكشف عن الواقع المؤلم.





بعد عقدٍ كامل من التصويت التاريخي الذي أخرج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، يجد كثيرٌ من رجال الأعمال البريطانيين أنفسهم في مكانٍ لم يتوقّعوه: خائبي الظنّ، بصرف النظر عن موقفهم الأصلي من Brexit.
Simon Boyd يدير شركةً تصنع هياكل فولاذية مسبقة الصنع على الساحل الجنوبي لإنجلترا، ويشحنها إلى عملاء في دول بعيدة كغانا وبربادوس. أمّا Mike Hawes فيترأّس اتحاد مصنّعي السيارات والتجّار (Society of Motor Manufacturers and Traders)، الذراعَ الممثّلة لصناعة السيارات البريطانية. الرجلان كانا على طرفَي نقيض حين صوّتت بريطانيا على الخروج عام 2016، لكنّهما اليوم يتقاسمان شعوراً واحداً: خيبة الأمل من Brexit.
قبل عشر سنوات، وعد المؤيّدون بأنّ الخروج من الاتحاد الأوروبي سيفتح أمام بريطانيا آفاقاً مشرقة؛ ستستعيد السيادة على قوانينها وحدودها، وستنطلق اقتصادياً بعيداً عن إملاءات بيروقراطيي بروكسل. غير أنّ الواقع جاء على نقيض ذلك، إذ وجدت بريطانيا نفسها تكافح للتأقلم مع الحياة خارج أكبر تكتّل للتجارة الحرّة في العالم، الذي يضمّ 27 دولةً وسوقاً من 450 مليون مستهلك.
اليوم، النموّ الاقتصادي متعثّر، والضرائب مرتفعة، والخدمات العامة تئنّ تحت الضغط، وتعاقبت الحكومات دون أن تنجح في وقف تدفّق المهاجرين الذين يعبرون القناة الإنجليزية على قوارب مطاطية. بهذه الصورة، لا يبدو الذكرى العاشرة لـ Brexit مناسبةً للاحتفال.
يقول Boyd لوكالة : «لا، لم يُحقّق Brexit كلّ ما وُعد به، لكنّه يُحقّق شيئاً. الأمر بطيء جداً، ولا تحتاج إلّا إلى النظر في الأرقام لتتأكّد من ذلك».
Boyd، المدير التنفيذي لشركة REIDSteel التي توظّف نحو 130 شخصاً في مصنعها في Christchurch بإنجلترا، لا يزال يؤمن بصحّة خياره حين صوّت لصالح الخروج، لكنّه يُحمّل السياسيين المسؤولية، إذ يرى أنّهم لم يكونوا جادّين في تطبيق Brexit الحقيقي. ويُضيف أنّ بريطانيا واجهت تحدّيات غير متوقّعة خلال السنوات العشر الماضية، من جائحة COVID-19 إلى الحربَين في أوكرانيا والشرق الأوسط.
اقتصاديون يشيرون إلى إشكاليات جوهرية
أسرع تصويت Brexit في رفع تكاليف الأعمال التجارية، حين بدأت الشركات تستعدّ لمستقبلٍ ضبابي طوال سنوات التفاوض على العلاقة الجديدة مع الاتحاد الأوروبي. وحين غادرت بريطانيا رسمياً في 31 يناير 2020، أضافت القواعد الجديدة المنظِّمة للتجارة في السلع والخدمات أعباءً مالية وإجراءات مطوَّلة على التبادل التجاري مع الشركاء الأوروبيين.
Creon Butler، مدير برنامج الاقتصاد العالمي والمالية في مركز أبحاث Chatham House في لندن، يرى أنّ مغادرة السوق الأوروبية الموحّدة خلّفت تداعيات بعيدة المدى.
يقول Butler: «بغضّ النظر عمّا وُعد به وعمّا كان يُؤمَل، لا بدّ من الإقرار بأنّ هذا الخيار كلّفنا خسارةً فادحة في الثروة والرخاء». ويُضيف: «هذا قرارٌ اتّخذه الشعب البريطاني وكان من حقّه اتّخاذه، لكنّه جعلنا أفقر».
وبحسب تقريرٍ حديث صادر عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية (National Bureau of Economic Research) في كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية، فإنّ الاقتصاد البريطاني اليوم أضعف ممّا كان يمكن أن يكون عليه لو لم يحدث Brexit. وقد أجرى الدراسة باحثون من بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة، قارنوا فيها أداء الاقتصاد البريطاني بأداء 33 دولةً أخرى، من بينها الجيران الأوروبيون والولايات المتحدة وكندا واليابان.
وخلص الباحثون إلى أنّ Brexit خفّض الناتج المحلي الإجمالي البريطاني بنسبةٍ تتراوح بين 6% و8%، والاستثمار بين 12% و13%، والإنتاجية بين 3% و4%.
صناعة السيارات أمام تحدّيات متراكمة
كانت شركات صناعة السيارات في بريطانيا من أوائل المعارضين لـ Brexit وأشدّهم صراحةً، إذ حذّرت من أنّ الإجراءات البيروقراطية الإضافية المتعلّقة بشحن القطع والمركبات ستُلحق الضرر بصناعةٍ قائمة على شبكة مصانع متشابكة في دول أوروبية متعدّدة.
هذه المخاوف أثبطت الاستثمار في قطاع السيارات البريطاني، لأنّ الشركات الدولية باتت تُحجم عن النظر إلى بريطانيا بوصفها بوّابةً مثلى للسوق الأوروبية. ولهذا تراهن الصناعة اليوم على اتفاقيات التجارة الدولية لتعزيز الطلب على منتجاتها.
يقول Hawes: «تمكّنّا من مواكبة المتغيّرات، لكن لا شكّ أنّ هذا كلّفنا المزيد من الأعباء والضغوط».
دأب مؤيّدو Brexit على الإشادة بحرية التفاوض على اتفاقيات تجارية مستقلّة بوصفها من أبرز مكاسب الخروج، وقد أبرمت بريطانيا منذ ذلك الحين عشرات الاتفاقيات مع دول تمتدّ من أستراليا إلى الهند إلى الولايات المتحدة. بيد أنّ دول الاتحاد الأوروبي لا تزال تستوعب 41% من صادرات بريطانيا ونصف وارداتها، وفق أحدث الأرقام الحكومية.
خلال أكثر من 50 عاماً من العضوية في الاتحاد الأوروبي وما سبقه من تكتّلات، اعتمدت كثيرٌ من الشركات البريطانية على أوروبا مصدراً للعمالة الرخيصة، ولا سيّما بعد التوسّع الشرقي للاتحاد عام 2004. وقد جفّ هذا النبع بعد أن أنهى Brexit حرية تنقّل العمالة، إحدى الركائز التأسيسية للتكتّل.
وكان أصحاب مطاعم الكاري البريطانية التي باتت جزءاً لا يتجزّأ من النسيج الاجتماعي في مدن تمتدّ من Aberdeen في اسكتلندا إلى Aberystwyth في ويلز من أشدّ المتضرّرين من رحيل العمّال الأوروبيين الشرقيين الذين فضّلوا العودة إلى بلدانهم على مواجهة متطلّبات التأشيرة المُرهقة. والأمرّ من ذلك أنّ هذه الصناعة كانت قد أيّدت Brexit بعد وعودٍ بفتح الباب أمام تأشيرات أكثر للطهاة القادمين من جنوب آسيا، وهو ما لم يتحقّق حتى اليوم.
يقول Oli Khan، رئيس رابطة أصحاب مطاعم بنغلاديش في المملكة المتحدة (Bangladesh Caterers Association UK)، الذي يدير مطعمه في Stevenage شمال لندن: «نشعر بالخيانة».
في محاولةٍ للتخفيف من تداعيات Brexit، بدأ رئيس الوزراء Keir Starmer محادثاتٍ مع الاتحاد الأوروبي لإعادة بناء علاقةٍ أوثق، سعياً لتحريك اقتصادٍ يراوح في مكانه.
استطلاعات تكشف تنامي الإحباط من Brexit
تأتي خطوة Starmer في سياقٍ تكشف فيه استطلاعات الرأي عن تنامٍ ملحوظ في الإحباط من Brexit. فقد أجرت شركة Ipsos للاستطلاعات، بالتعاون مع معهد السياسات في King's College London ومركز أبحاث UK in a Changing Europe، استطلاعاً شمل 2,245 بريطانياً تجاوزوا الثامنة عشرة من أعمارهم خلال شهر مايو، وجد أنّ 48% منهم يرون أنّ Brexit يسير بشكلٍ أسوأ ممّا توقّعوا، مقارنةً بـ 28% فقط في مارس 2021. في المقابل، قال 9% إنّه يسير بشكلٍ أفضل ممّا توقّعوا، فيما رأى نحو ثلثٍ منهم أنّه يسير كما توقّعوا.
غير أنّ Boyd يرى أنّ الاستطلاع الأهمّ هو ذلك الذي جرى في 23 يونيو 2016، حين صوّت 51.9% من المقترعين أي 17.4 مليون شخص لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.
ولا يزال يؤمن بأنّ مستقبلاً أكثر إشراقاً ينتظر بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي. ويُحمّل Brexit الفاشل في الوفاء بوعوده للسياسيين والشركات الكبرى والمصالح الراسخة التي عملت على إفشال إرادة الشعب، ممّا أفضى إلى صفقة أبقت بريطانيا مرتبطةً بالاتحاد الأوروبي أكثر ممّا ينبغي، وحالت دون أن تُطلق طاقتها الكاملة بوصفها أمّةً ريادية يسكنها شعبٌ مبدع ومجتهد.
ويؤكّد أنّه لا مجال للتراجع، مستشهداً بمثالٍ لافت: «تخيّل لو أردنا الانضمام من جديد... اليوم. الشروط التي سيُسمح لنا بالعودة بموجبها ستكون أشبه بأن نعود إلى سفينة Titanic بعد أن نُسلّم سترات النجاة أوّلاً. هل أحتاج إلى مزيدٍ من الكلام؟».
أخبار ذات صلة

الصين تفرض قيوداً على صادراتها للشركات الدفاعية الأمريكية ردّاً على عقوبات واشنطن

الحزب الحاكم في إثيوبيا يحتفظ بالأغلبية البرلمانية وسط انتقادات أمنية

إيران والولايات المتحدة: هل يمكن لـ Trump كسر دورة التصعيد؟
