الصراع السياسي في إسرائيل وأغلبية بلا الأحزاب العربية
غادي إيزنكوت يعلن عن سعيه لتشكيل حكومة بأغلبية صهيونية مستبعداً الأحزاب العربية في مواجهة نتنياهو في انتخابات حاسمة تعكس تحولات عميقة في السياسة الإسرائيلية وتوتر العلاقات مع المواطنين العرب في ظل أجواء من الاستقطاب الشديد ورفض التعاون. وورلد برس عربي

في الأسبوع الماضي، انضمّ غادي إيزنكوت إلى قائمة السياسيين الإسرائيليين الذين تعهّدوا بتشكيل حكومة ذات "أغلبية صهيونية" إن وصلوا إلى رئاسة الوزراء. وهو تعبيرٌ بات مفهوماً على نطاقٍ واسع بوصفه استبعاداً صريحاً لأيّ ائتلاف مع الأحزاب العربية الفلسطينية بهدف إزاحة رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu.
وقال إيزنكوت، الجنرال السابق وزعيم حزب Yashar، في مؤتمرٍ أمني نظّمته صحيفة Yedioth Ahronoth ومعهد دراسات الأمن القومي: "أفضّل تحقيق أغلبية صهيونية من 63 إلى 64 مقعداً، وإن تعذّر ذلك، فسأدعو الأحزاب الحريدية إلى إدراك خطورة المرحلة". وأضاف: "إن لم يُدركوا ذلك، فالأفضل الذهاب إلى انتخاباتٍ جديدة."
تعكس هذه التصريحات تحوّلاً أشمل في المشهد السياسي الإسرائيلي. فمن Naftali Bennett إلى Yair Lapid، بات قادة معسكر المعارضة يستبعدون بصورةٍ متصاعدة تشكيلَ أيّ حكومةٍ تستند إلى الأحزاب العربية الفلسطينية، بما فيها القائمة العربية الموحّدة (Ra'am) التي يؤكّد زعيمها Mansour Abbas استعداده المتكرّر للتفاوض مع الأحزاب ذات الأغلبية اليهودية.
والتحوّل لافتٌ بحقّ. فقد دافع Bennett وLapid في السابق عن شراكتهما مع Abbas في ائتلاف 2021 باعتبارها تجربةً سياسية ضرورية أنهت هيمنة Netanyahu التي امتدّت اثني عشر عاماً. أمّا اليوم، فقد جعل واقع ما بعد 7 أكتوبر من هذا التعاون عبئاً سياسياً باهظاً.
يقول إيهاب جبارين، المحلّل السياسي الفلسطيني: "هذا قبل كلّ شيء نتاج التحوّل في الرأي العام الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر. أيّ شراكةٍ مع حزبٍ عربي فلسطيني تُقدَّم اليوم انتخابياً على أنّها تنازلٌ في الأمن والهوية. حتى الأحزاب الوسطية تخشى أن تُصوَّر على أنّها تعتمد على من يرفضون الطابع اليهودي للدولة."
والانتخابات المقرّرة في 27 أكتوبر تُعدّ على نطاقٍ واسع محطّةً مفصليّة في مسار إسرائيل السياسي. تُشير استطلاعات الرأي إلى تقارب حادّ بين كتلة إيزنكوت وكتلة Netanyahu. وتُلمح بعض الاستطلاعات إلى أنّ إيزنكوت قد يحصل على ما يكفي من المقاعد للحكم دون الأحزاب العربية، فيما تُشير استطلاعاتٌ أخرى إلى أنّ الكتلتين معاً قد تعجزان عن تأمين الأغلبية البرلمانية دون دعمهما.
عودة المحظور
تمثّل الأحزاب الفلسطينية المواطنين العرب في إسرائيل، وهم أحفاد الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم بعد أن هجّرت العصابات الصهيونية نحو 750,000 شخصٍ عام 1948 لإقامة دولة إسرائيل، في الحدث الذي يُسمّيه الفلسطينيون النكبة. ويبلغ عدد هذه المجتمعات اليوم نحو مليوني نسمة، أي ما يقارب خُمس سكّان إسرائيل.
بعد عقودٍ من التمييز، أسّس المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل أحزاباً سياسية للمطالبة بالمساواة المدنية، وإنهاء الاحتلال، والاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية. غير أنّ تلك الأحزاب ظلّت لعقودٍ على هامش السياسة الإسرائيلية؛ إذ كان التعاون مع الائتلافات الحاكمة يُعدّ أمراً محظوراً سياسياً لدى شريحةٍ واسعة من الناخبين اليهود، بل وكثيرٍ من المواطنين الفلسطينيين أنفسهم.
كُسر هذا المحظور عام 2021 حين أصبحت Ra'am صانعةَ ملوكٍ، إذ وفّرت الأربعة مقاعد التي احتاجها Bennett وLapid لتشكيل أغلبيةٍ هشّة وإنهاء حكم Netanyahu بعد أربع انتخاباتٍ متتالية لم تُسفر عن نتيجةٍ حاسمة.
بيد أنّ الهجمات التي قادتها حماس في أكتوبر 2023 أعادت هذا المحظور إلى الواجهة إلى حدٍّ بعيد. فوفقاً لمؤشّر الديمقراطية الصادر عن معهد الديمقراطية الإسرائيلية في ديسمبر 2025، عارض 71.5 بالمئة من اليهود الإسرائيليين إدراجَ الأحزاب العربية في الحكومة المقبلة. وكشف استطلاعٌ منفصل أجراه معهد دراسات الأمن القومي عام 2025 أنّ 57 بالمئة من الإسرائيليين يرفضون إقامة دولةٍ فلسطينية تحت أيّ ظرفٍ كان، ممّا يُجلّي حجم التصلّب الذي اعترى الرأي العام.
يقول جبارين: "نجح Netanyahu في تحويل العلاقة مع الأحزاب العربية الفلسطينية إلى سلاحٍ انتخابي"، في إشارةٍ إلى سنواتٍ من الحملات التي صوّرت التعاون مع السياسيين الفلسطينيين على أنّه خروجٌ عن الشرعية السياسية. "اليوم، أصبحت التكلفة السياسية للاقتراب من الأحزاب العربية الفلسطينية باهظةً جداً."
ويرى جبارين أنّ بعض الأحزاب قد تسعى بعد الانتخابات إلى دعم الأحزاب العربية الفلسطينية إن أجبرتها الحسابات البرلمانية على ذلك. لكنّ قليلين يُبدون استعداداً للإشارة إلى هذا الاحتمال خلال الحملة الانتخابية. "يُبقون الباب الخلفي مفتوحاً، لكنّ الباب الأمامي موصدٌ."
سياسة الممكن
أعاد المناخ السياسي المتصاعد العدائية تجاه المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل منذ أكتوبر 2023 رسمَ استراتيجية الأحزاب الفلسطينية. فلسنواتٍ، أكّد Abbas أنّ Ra'am مستعدّةٌ للتفاوض مع أيّ ائتلافٍ قادرٍ على إزاحة Netanyahu، على الرغم من التصريحات المتكرّرة من قادة المعارضة باستبعاد هذا التعاون.
غير أنّه في هذه الدورة الانتخابية ذهب أبعد من ذلك. فقد نقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية أنّ Ra'am توصّلت إلى اتفاقٍ مبدئي مع Yoav Segalovich، النائب اليهودي السابق عن حزب Yesh Atid، لإدراجه في القائمة الانتخابية للحزب. وأشار استطلاعٌ أجرته قناة Channel 13 إلى أنّ انضمام Segalovich قد يرفع التمثيل المتوقّع لـ Ra'am من خمسة مقاعد إلى سبعةٍ غير مسبوقة.
يرى جبارين أنّ Abbas يخاطب ثلاثة جماهير في آنٍ واحد: الناخبين الفلسطينيين، ومعسكر المعارضة لـ Netanyahu، والمؤسّسة الإسرائيلية. "يريد أن يقول للناخبين العرب الفلسطينيين إنّه لا يزال الوحيد الذي يمارس سياسة الممكن"، يقول جبارين. "وفي الوقت ذاته، يترك لمعسكر المعارضة مخرجاً إن احتاج في نهاية المطاف إلى دعم أحزابٍ غير صهيونية، مع إيصال رسالةٍ إلى المؤسّسة الإسرائيلية بأنّ Ra'am لا تزال شريكاً مؤسّسياً موثوقاً."
لكنّ الاستراتيجية تنطوي على مخاطر. "إنّه يُشير إلى استعدادٍ للتفاوض مع طرفٍ يُعلن علناً أنّه لا مصلحة له في التفاوض معه"، قال جبارين. "هذا يُفرز صورةَ ضعفٍ لأنّ موازين القوى ليست في صالحه."
هل يترشّح الفلسطينيون للكنيست؟
بالنسبة لعايدة توما-سليمان، عضو الكنيست عن حزب حداش (Hadash) ذي القيادة الفلسطينية، فإنّ رفض الأحزاب اليهودية التعاون مع الأحزاب الفلسطينية يعكس أكثر من مجرّد حسابٍ انتخابي.
قالت : "يعرف قادة هذه الأحزاب أنّ الرأي العام الإسرائيلي لا يريد أيّ شراكةٍ مع الأحزاب العربية الفلسطينية بعد سنواتٍ من التحريض. إنّهم يفتقرون إلى الشجاعة لتقديم بديلٍ حقيقي لسياسات الحكومة الراهنة. وفي الواقع، هم أيضاً يحملون مواقف صهيونية وتمييزية."
وترفض توما-سليمان كذلك فكرة أن يكون الانضمام إلى ائتلافٍ حاكم الهدفَ الأوّل للأحزاب الفلسطينية. وقالت: "لم يكن وجودنا في الكنيست قائماً على الانضمام إلى الحكومات فحسب. إنّه فضاءٌ للنضال السياسي نمثّل فيه مجتمعنا، ونكشف سياسات الحكومة، وندافع عن حقوق شعبنا."
وبينما تُقرّ بأنّ البرلمان لم يعد الساحة الوحيدة للعمل السياسي، تُجادل بأنّ التخلّي عنه لن يزيد إلّا في إضعاف نفوذ المواطنين الفلسطينيين في مرحلةٍ تقول فيها إنّ "ثقلنا السياسي ضروريٌّ لمواجهة الفاشية، حتى لو اقتصر ذلك على منع تشكيل حكومةٍ يمينيةٍ متطرّفة أخرى."
أمّا جبارين، فيرى أنّ التحدّي يتخطّى سياسة الائتلافات. ويُجادل بأنّ الأحزاب الفلسطينية أمضت حملاتٍ انتخابية كثيرة منشغلةً بسؤال أيّ حكومةٍ قد تُساعد في تشكيلها، في حين تغيّر المشهد السياسي الإسرائيلي جذرياً. "السؤال المهمّ لم يعد من سيدعونا إلى الائتلاف"، قال. "السؤال الحقيقي هو كيف نُعيد بناء القوة السياسية الفلسطينية داخل إسرائيل على مدى العقد المقبل بطريقةٍ تجعل تجاهلنا مُكلفاً سياسياً."
أخبار ذات صلة

سجن سبعة سائقي تاكسي في المغرب بعد أحداث سبتة: نقابة تصف الحكم بـ "القسوة"

تركيا والسعودية وباكستان توقّع اتفاقية دفاع مشترك الجمعة

تحالف نتنياهو مع الحريديم يظهر شقوقاً قبل الانتخابات الحاسمة
