بو مينغ الفنان الناجي من مآسي الخمير الحمر
رحل الفنان الكمبودي بو مينغ الناجي من مركز تعذيب الخمير الحمر بعد أن أنقذ حياته برسم زعيمهم بول بوت. قصته شاهدة على مآسي الإبادة الجماعية التي حصدت أرواح ملايين في كمبوديا وورلد برس عربي يروي التفاصيل.


وافت المنيّةُ الفنانَ الكمبودي بو مينغ، أحد سبعة أشخاص فقط يُعرف أنّهم نجوا من مركز التعذيب الشهير الذي أداره نظام الخمير الحمر في كمبوديا خلال أواخر سبعينيات القرن الماضي. كان بو مينغ قد بلغ من العمر 85 عاماً.
ما أبقاه حيّاً لم يكن شيئاً سوى فرشاته؛ فقدرتُه على رسم صور الزعيم بول بوت هي التي حالت دون إعدامه مع الآلاف.
أعلنت الدوائر الاستثنائية في المحاكم الكمبودية وهي المحكمة المدعومة من الأمم المتحدة التي أُسّست للنظر في تهم الإبادة الجماعية وجرائم ضدّ الإنسانية بحقّ قادة الخمير الحمر أنّه فارق الحياة مساء الجمعة إثر أمراضٍ مرتبطة بالشيخوخة.
وجاء في بيان المحكمة: "يمثّل رحيل السيد بو مينغ خسارةً لشاهدٍ تاريخي بالغ الأهمية على الجرائم الجسيمة التي ارتُكبت في عهد نظام الخمير الحمر الوحشي، ولا سيّما على التاريخ والمأساة اللذَين شهدهما مركز الأمن S-21 السابق"، في إشارةٍ إلى السجن المعروف أيضاً بـ Tuol Sleng، حيث احتُجز بو مينغ قرابة عامَين اعتباراً من عام 1977.
إبادةٌ راح ضحيّتها 1.7 مليون كمبودي
حكم الخمير الحمر كمبوديا بين عامَي 1975 و1979، واتُّهموا بالإبادة الجماعية جرّاء ما خلّفته سياساتهم المتطرّفة من موتٍ جماعي، نتيجة الإعدامات والتجويع وانعدام الرعاية الطبية. وتشير التقديرات إلى أنّ نحو 1.7 مليون كمبودي لقوا حتفهم بسبب السخرة والمجاعة والإهمال الطبي وعمليات الإعدام.
وعلى مدى نحو أربع سنوات، احتُجز ما يُقدَّر بـ 16,000 امرأة وطفل في مركز S-21، قبل أن يُقتلوا جميعاً. يقوم اليوم على أنقاض ذلك المركز متحف Tuol Sleng للإبادة الجماعية، الذي يحمل اسم المدرسة الثانوية التي كانت تشغل المبنى قبل استيلاء الخمير الحمر عليه.
شاهدٌ أمام المحكمة
أدلى بو مينغ، إلى جانب ناجيَين آخرَين هما الفنان فان ناث والميكانيكي تشوم ماي، بشهادتهم عام 2009 في محاكمة كاينغ غويك إيف، المعروف بـ "دوتش"، قائد مركز S-21. صدر بحقّه حكمٌ بالإدانة عام 2010 بتهم جرائم ضدّ الإنسانية والتعذيب والقتل العمد، وانتهى به المطاف بالسجن المؤبّد، قبل أن يلقى حتفه خلف القضبان عام 2020 عن عمر 77 عاماً.
في شهادته عام 2010، روى بو مينغ كيف أنّ رسمه لصور بول بوت بأحجامٍ ضخمة، وصور قادةٍ شيوعيّين آخرين، هو ما أنقذ حياته. استغرق إتمام لوحته الأولى العملاقة ثلاثة أشهر كاملة، ثم أمره كاينغ غويك إيف بإنجاز ثلاث لوحاتٍ إضافية لبول بوت، وصور لزعماء شيوعيّين آخرين، من بينهم ماو تسي تونغ الصيني وزعيم كوريا الشمالية كيم إيل سونغ، إلى جانب لوحةٍ تهكّمية تستهدف هو تشي منه، مؤسّس الثورة الشيوعية في فيتنام.
وقال بو مينغ أمام المحكمة المدعومة أمميّاً: "أُمرتُ برسم صورة رأس هو تشي منه على جسد كلب". وكانت فيتنام العدو اللدود لكمبوديا هي التي اجتاحت البلاد في نهاية المطاف عام 1979 وأطاحت بنظام الخمير الحمر.
"لن تطويه النسيان"
قال يوك تشانغ، رئيس مركز التوثيق في كمبوديا الذي يحتضن أرشيفاً ضخماً حول مأساة الخمير الحمر، إنّ مسيرة بو مينغ في طلب العدالة موثّقةٌ، و"لن تطويها ذاكرة الإبادة الجماعية في العالم". وأضاف في رسالة نصّية : "أدعو إلى اتّخاذ إجراءاتٍ لحفظ قصص الملايين الذين نجوا من الخمير الحمر وتزويدهم بالدعم النفسي والجسدي اللازم".
ناجٍ من البراثن، ضحيّةٌ للتطهير
كان بو مينغ، شأنه شأن كثيرين ممّن اقتيدوا إلى Tuol Sleng، قد انضمّ إلى صفوف الخمير الحمر خلال حرب الفترة الممتدة بين 1970 و1975 لإسقاط الحكومة الموالية لأمريكا، غير أنّه اعتُقل لاحقاً في إحدى موجات التطهير الداخلي التي أعقبت انتصار الحركة. وقد تعرّض لتعذيبٍ وحشي قبل أن يُكلَّف بمهمّة الرسم.
اعتُقلت زوجته الأولى معه واختفت من السجن، ويُرجَّح أنّها أُعدمت. ولم يعثر قطّ على طفلَيهما اللذَين نُقلا إلى الأرياف، حيث يُعتقد أنّهما قُتلا هناك.
في سنواته الأخيرة، تزوّج بو مينغ مجدّداً، وكان كثيراً ما يقضي أيّامه في متحف Tuol Sleng للإبادة الجماعية، يبيع للزوّار نسخاً من كتابٍ يروي فيه تجربته.
أخبار ذات صلة

وفاة معتقل تُحيي ذكريات التعذيب والانتهاكات في سجون سوريا

ألمانيا اختارت إسرائيل على حساب القانون الدولي

ثلاث عشرة سنة على مجزرة رابعة: أسر المعتقلين يطالبون بالإفراج السياسي
