وورلد برس عربي logo

أطفال غزة بين الجوع والتقزم في ظل الحصار

في غزة طفلة تعاني تقزماً حاداً بسبب سوء التغذية نتيجة الحصار والجوع المستمرين، وأحلامها البسيطة في المدرسة باتت بعيدة. قصة أميرة وأطفال غزة تبرز مأساة إنسانية تحتاج صوتنا ودعمنا في وورلد برس عربي.

طفلة فلسطينية تعاني من سوء تغذية حاد وتقزّم في النمو، تظهر عظامها بارزة على فراش في منزلها بغزة بسبب الحصار الإسرائيلي.
يجلس محمد أحمد مسعود السوسي، البالغ من العمر عشر سنوات والذي يعاني من سوء التغذية بسبب القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات إلى غزة، داخل خيمة في مدينة غزة بتاريخ 6 مايو 2026 (بلال أسامة/إيماجو/صور APA عبر رويترز)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في غرفةٍ صغيرة في حيّ الصبرة بمدينة غزة، ترقد أميرة راشد البالغة من العمر 6 سنوات على فراشٍ متهالك، عاجزةً عن الحركة. يداها مكسوّتان بكدماتٍ زرقاء من إبر المحاليل الوريدية التي تتلقّاها يوماً بعد يوم.

في ظروفٍ اعتيادية، كانت هذه الطفلة الفلسطينية تستعدّ الآن لارتداء زيّها المدرسي والانضمام إلى أقرانها في الصفّ الأوّل الابتدائي. غير أنّ شهوراً من التجويع المنهجي الذي فرضته إسرائيل في سياق الإبادة الجارية في غزة أفضت إلى سوء تغذيةٍ حادّ وتقزّمٍ في النموّ، مع تداعياتٍ مزمنة على تطوّرها الجسدي والمعرفي.

تقول والدتها آية راشد : "كنت أحلم بتسجيل أميرة في المدرسة، وشراء الزيّ الموحّد والحقيبة والأدوات المدرسية كسائر الأطفال، لكنّ حالتها الصحية تمنعها من مغادرة المنزل أو مخالطة أقرانها."

كانت أميرة واحدةً من عشرات الآلاف من الأطفال الذين عانوا سوء التغذية جرّاء الحصار الإسرائيلي على غزة منذ أكتوبر 2023، وكانت أسرتها من بين مئات الآلاف الذين بقوا في شمال القطاع طوال فترة الحرب.

في أغسطس 2025، أعلن تصنيف مراحل الأمن الغذائي المتكامل (IPC) المدعوم من الأمم المتحدة وقوع مجاعة في مدينة غزة، حيث تقيم أسرة راشد.

تقول آية: "عشنا معاناةً لا توصف من الجوع وشحّ الغذاء. نفد الدقيق من بيتنا ومن الأسواق معاً، ولم تكن ثمّة مساعدات غذائية، فلم أجد أمامي إلّا أن أخبز خبز الشعير."

تقزّم في النموّ

كانت حالة أميرة قد بدأت تتدهور قبل ذلك بأشهر. في يناير 2025، حين اشتكت من ألمٍ في الصدر، أخذتها والدتها إلى مستشفى عبد العزيز الرنتيسي للأطفال، فأُصيب الأطباء بالذهول حين وجدوا أنّ طولها ووزنها يقعان دون المعدّل الطبيعي لسنّها بفارقٍ كبير.

تتذكّر آية: "حين رآها الطبيب، أخذه الاستغراب. قال إنّها تحتاج إلى فحوصاتٍ شاملة فوراً، وإنّ حالتها بالغة الخطورة."

أكّدت الفحوصات أنّ أميرة تعاني سوء تغذيةٍ حادّاً أفضى إلى تقزّمٍ شديد في النموّ. وعلى الرغم من أنّ آية رأت بأمّ عينيها كيف تذبل ابنتها يوماً بعد يوم، فإنّها لم تستطع توفير العلاج اللازم في خضمّ الحرب. حتى بعد دخول أميرة إلى مستشفى الرنتيسي، ظلّ وزنها ثابتاً ونموّها متوقّفاً.

تقول آية بحسرة: "الأمر مُفجع. قضيت وقتاً طويلاً بين المستشفيات والأطباء، لكنّهم يقولون إنّ سوء التغذية الذي عانته أحدث ضرراً بالغاً ودائماً في جسدها."

اليوم، لا يتجاوز وزن أميرة 12.5 كيلوغراماً، وطولها متر واحد. وعلى الرغم من أنّها في السادسة من عمرها، يقول الأطباء إنّ عمر عظامها لا يتعدّى عمر طفلةٍ في الثانية.

بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، تعلّقت آية بأملٍ في تحسّن حالة ابنتها، لكنّ شيئاً لم يتغيّر يُذكر. تقول: "ظننت أنّ حالتها ستتحسّن حين تبدأ الهدنة ويدخل الغذاء. لم يخطر ببالي قطّ أنّها بلغت حدّ المرض السريري."

أخبر الأطباء آية بأنّ جسد أميرة لم يعد يستجيب للعلاج، رغم خلوّها من أيّ حساسيةٍ أو اضطرابٍ في امتصاص العناصر الغذائية.

تقول آية: "فقدت كلّ أملٍ في تعافيها داخل غزة بعد أن استنفدنا كلّ سبيل. حتى الأطباء باتوا يقولون إنّ حالتها تستوجب السفر إلى الخارج."

لا تبكي آية على تراجع صحّة ابنتها الجسدية وحسب، بل تبكي أيضاً على ما تصفه بالتراجع المعرفي؛ إذ باتت أميرة تتعامل في الغالب مع أطفالٍ في عمر السنتين والثلاث سنوات.

تقول آية: "أميرة لا تعرف القراءة ولا الكتابة، ومن تخالطهم في محيطها أطفالٌ صغار." ثم تسأل بحرقة: "هل تعرف ما أمنيتي الآن؟ أن أجد لابنتي بنطالاً يناسب خصرها النحيل، وأن أكفّ عن رؤية أضلاعها بارزة، وأن أراها تجلس مع أقرانها في فصلٍ دراسي."

جوعٌ قبل الولادة

في تقريره الصادر في أغسطس 2025، توقّع تصنيف IPC أن يعاني ما لا يقلّ عن 132,000 طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحادّ حتى يونيو 2026، فضلاً عن نحو 55,500 امرأةٍ حاملٍ ومرضعة يحتجن إلى دعمٍ غذائي عاجل.

لم تقتصر تداعيات الأزمة على أطفالٍ كأميرة، بل امتدّت إلى أجنّةٍ في أرحام أمّهاتهم حين كنَّ يتضوّرن جوعاً. من بينهم الرضيعة أمنية أبو الحسني، البالغة من العمر 10 أشهر، والتي عانت والدتها يُسرى يوسف سوء التغذية طوال فترة الحمل."

وُلدت أمينة قبل أوانها بعمليةٍ قيصرية اضطرارية في الشهر الثامن، وكان وزنها 1.2 كيلوغرام فحسب. بعد شهرين، شخّص الأطباء إصابتها بتضخّمٍ في القلب ناجمٍ عن ضعف عضلة القلب، إلى جانب تقزّمٍ شديد في النموّ.

تقول الأمّ البالغة من العمر 29 عاماً : "سوء تغذية ابنتي بدأ وهي لا تزال في رحمي."

في عمر العشرة أشهر، لا يتجاوز وزن أمينة 5.5 كيلوغرامات، وقد شُخِّصت مؤخّراً بسوء تغذيةٍ حادّ.

تقول أبو الحسني: "ابنتي تعاني الآن مضاعفاتٍ خطيرة في القلب والكلى والرئتين. أخبرنا الأطباء أنّ منشأ هذه المشكلات جميعها أنّها وُلدت سيّئة التغذية وناقصة الوزن."

وعلى الرغم من أنّ أبو الحسني تحاول استثمار ما يصلها من مساعداتٍ نقدية متقطّعة لشراء الفاكهة والمكمّلات الغذائية، فإنّها تقول إنّها عاجزةٌ عن وقف تدهور صحّة ابنتها.

تقول: "الواقع أنّ المرافق الطبية في غزة لا تستطيع علاج ابنتي، لا من سوء التغذية ولا من بقية حالاتها الصحية. ورغم وجود إحالةٍ طبية عاجلة لسفرها إلى الخارج، فإنّ دورها لم يأتِ بعد."

تخشى أبو الحسني على مستقبل ابنتها؛ إذ لا يستطيع الأطباء الجزم بوجود أمراضٍ كامنة دون إجراء فحوصاتٍ متخصّصة غير متوفّرة في غزة.

تقول: "كلّ ما أتمنّاه أن تُعطى ابنتي الصغيرة فرصةً للحياة، وأن تنال حقّها في العلاج خارج غزة، وأن تعود إلى أحضاننا بصحّةٍ وعافية."

أزمةٌ إنسانية

على الرغم من الطاقة الاستيعابية المحدودة جدّاً للمستشفيات والعيادات والنقاط الطبية المتبقّية في غزة، لا يجد أهالي الأطفال المصابين بسوء التغذية ملجأً آخر يلجؤون إليه. فقد دمّر الحصار الإسرائيلي المنظومة الصحية في القطاع، فيما تفرض إسرائيل قيوداً صارمة على السفر العلاجي إلى الخارج.

أفاد الدكتور محمد أبو ري، رئيس عيادة التغذية في مستشفى الرنتيسي، بأنّ المستشفى يستقبل عشرات الأطفال المصابين بسوء التغذية يومياً، ممّا اضطرّ الكوادر الطبية إلى فتح أجنحةٍ إضافية لاستيعاب هذا الكمّ من الحالات.

وعلى الرغم من أنّ تقريراً حديثاً صدر عن IPC هذا الشهر أشار إلى تراجعٍ في معدّلات سوء التغذية الحادّ في أعقاب وقف إطلاق النار، فإنّه حذّر من أنّ أكثر من 74,000 طفلٍ لا يزالون بحاجةٍ إلى علاجٍ من سوء التغذية الحادّ حتى أبريل 2027، فضلاً عن نحو 24,600 امرأةٍ حاملٍ ومرضعة يُتوقّع أن يعانين سوء التغذية الحادّ خلال الفترة ذاتها.

وعلى الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار، لم تفِ إسرائيل بالتزاماتها بتعزيز تدفّق المساعدات إلى غزة، ممّا يُبقي الأزمة الإنسانية التي أوجدتها مستمرّةً ومتفاقمة.

يقول أبو ري: "دخول الغذاء واللحوم إلى القطاع لا يكفي لعلاج سوء التغذية عند الأطفال، ولا حتى لحلّ أزمة الغذاء للسكّان في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار. فالخضروات والفاكهة التي تدخل غزة تُباع بأسعارٍ خيالية لا يستطيع معظم الناس تحمّلها."

ويُشير أبو ري كذلك إلى رداءة جودة اللحوم المتاحة في غزة؛ فمع تدمير مزارع الدواجن والثروة الحيوانية، باتت المنطقة تعتمد شبه كلّيٍّ على اللحوم المجمّدة.

يقول: "اللحوم المجمّدة تحتوي على نصف القيمة الغذائية للحوم الطازجة، وانقطاع الكهرباء الحادّ في غزة وسوء ظروف التخزين يُقلّصان فوائدها أكثر."

في الوقت ذاته، تضطرّ وكالات الإغاثة إلى خفض حصص الغذاء في غزة بسبب شحّ التمويل، ممّا يُهدّد بتدهورٍ إضافي في الأمن الغذائي وفق ما يُفيد به برنامج الأغذية العالمي (WFP).

ويُضيف أبو ري أنّ شحنات المساعدات كثيراً ما تمكث أسابيع تحت الشمس الحارقة عند المعابر الحدودية، ممّا يُفسد المواد الغذائية والمنتجات التغذوية الأساسية.

يقول: "حتى المواد الأساسية كالأرز والعدس تفقد قيمتها الغذائية، فيما تصل مكمّلات الأطفال بكمياتٍ لا تكفي أسرةً واحدة."

ومع تزايد أعداد الأطفال المصابين بسوء التغذية، ترتفع معها نسب التقزّم في النموّ. يقول أبو ري: "سوء التغذية يُفضي إلى اضطراباتٍ نموّيةٍ حادّة كالتقزّم بسبب نقص العناصر الغذائية الحيوية"، مُشيراً إلى أنّ نحو 18 بالمئة من مرضاه يعانون هذه الحالة حالياً.

بينما يتنقّل أبو ري بين أسرّة المستشفى يتابع حالات صغاره، تُحدّق أسرتا راشد وأبو الحسني في هواتفهما بقلقٍ وترقّب، في انتظار رسالةٍ أو مكالمةٍ تُخبرهما بموعدٍ لسفر طفلتيهما إلى الخارج للعلاج.

تختم آية راشد بقولها: "نجونا بأعجوبةٍ من الموت المحقّق مرّاتٍ عديدة خلال الحرب. ما يُخيفني الآن هو أن أفقد ابنتي الصغيرة بسبب الجوع، لا بسبب القنابل."

أخبار ذات صلة

Loading...
توماس باراك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، يتحدث في منتدى أنطاليا للدبلوماسية، يدافع عن الحكومة السورية ويطالب بخفض التصعيد بعد الغارات الإسرائيلية.

مبعوث ترامب يشعر بقلق بالغ إزاء الضربات الإسرائيلية على قاعدة جوية سورية

الغارات الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور تثير توتراً جديداً في شمال سوريا وسط دعوات أمريكية للتهدئة والدبلوماسية. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على الاستقرار الإقليمي الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
جنود إسرائيليون مدججون بالسلاح يقفون أمام مبنى في الضفة الغربية بينما يراقبهم فلسطينيون من شرفة، في سياق تصاعد العنف الاستيطاني في المنطقة.

من سيفكّك سلاح المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية؟

في قرية قصرة بالضفة الغربية، تعيش العائلات محاصرة وسط تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين وقطع الماء والكهرباء، حيث تتصاعد الاعتداءات بلا حماية. اكتشف تفاصيل هذه الأزمة الإنسانية المؤثرة الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
لقاء رسمي بين مسؤولين سعوديين وإماراتيين يعكس التوترات المتصاعدة وتأثيرها على العلاقات الاقتصادية والتحويلات المالية بين البلدين.

تشديد السعودية قيود التحويلات المالية إلى الإمارات

تشهد العلاقات بين السعودية والإمارات تصاعداً في التوترات المالية والسياسية مع إجراءات رقابية مشددة وتأخير في التحويلات البنكية. اكتشف تفاصيل الصراع الاقتصادي وتأثيره على الخليج وكن على اطلاع دائم.
الشرق الأوسط
Loading...
شاب فلسطيني يحمل الرقم 44 مكتوبًا على جبهته خلال حديثه عن اعتقاله في مداهمة الاحتلال الإسرائيلي في قباطية.

جنود إسرائيليون يكتبون أرقاماً على جباه معتقلين فلسطينيين

في مداهمة مثيرة للجدل في قباطية قرب جنين، كتب جنود الاحتلال أرقاماً على جباه وأذرع المعتقلين الفلسطينيين، في محاولة لترويع السكان ومواجهة المقاومة. اكتشف التفاصيل وتأثير هذه الخطوة على القضية الفلسطينية.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية