وورلد برس عربي logo

حصار وعنف المستوطنين يهددان حياة الفلسطينيين في الضفة

في قرية قصرة بالضفة الغربية عائلات فلسطينية محاصرة داخل منازلها وسط هجمات مستوطنين عنيفة وغياب حماية الجيش الإسرائيلي تصاعد العنف الاستيطاني يهدد حياة السكان ويكشف واقع التهجير والتطهير العرقي وورلد برس عربي يكشف التفاصيل.

جنود إسرائيليون مدججون بالسلاح يقفون أمام مبنى في الضفة الغربية بينما يراقبهم فلسطينيون من شرفة، في سياق تصاعد العنف الاستيطاني في المنطقة.
يقف جنود إسرائيليون عند مدخل منزل فلسطيني محاصر من قبل مستوطنين إسرائيليين في قرية قُصرة بالضفة الغربية المحتلة، بتاريخ 14 أغسطس 2026 (جعفر أشتيه/وكالة فرانس برس)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في قرية قصرة، الواقعة في الضفة الغربية المحتلة، قضت عائلات فلسطينية شهر أغسطس محاصرةً داخل منازلها.

نصب المستوطنون الإسرائيليون خيامهم في أفنية بيوتها، وقطعوا عنها الصلة بالعالم الخارجي. انقطع الماء والكهرباء، وشحّت المؤن، وبات الغذاء شحيحاً.

تجمّع مسلّحون أمام البيوت، يحطّمون النوافذ، ويقذفون الحجارة، وينهبون الأجهزة المنزلية. في الداخل، كان الآباء يحاولون تهدئة أطفالهم الخائفين، لا يعلمون إن كان الصوت القادم من الباب بداية هجومٍ جديد.

في إحدى تلك البيوت، كان قصي أبو ريدةمحاصراً مع نجله المراهق، فيما كان شقيقه لؤي يراقب من ولاية أوهايو الأمريكية، على بُعد آلاف الأميال، عبر كاميرات المراقبة وهي تُظهر المستوطنين يُطوّقون المنزل حتى أقدم جنود إسرائيليون على إزالة الكاميرا.

في منزلٍ مجاور، صمدت رقية حسن مع أطفالها، ومنهم طفلتها كندا ذات الأربع سنوات، في ظروفٍ وصفتها بأنها مرعبة لا تُطاق.

وفي موضعٍ آخر من قصرة، حوّل مرمر عودة منزله إلى ما يشبه القفص حمايةً لعائلته؛ أسوارٌ معدنية تحيط بالبيت، وقضبان تغطّي النوافذ، وعلى جدارٍ قريب كتب أحدهم بالعبرية: «الموت للعرب».

قبل خمسة أشهر، يقول عودة إن مستوطناً أردى ابن أخيه شهيدًا وأصاب شقيقه أمام عينيه مباشرة. تقدّم بشكوى إلى الشرطة الإسرائيلية، لكن الاعتداءات لم تتوقف.

هذه هي قصرة في أغسطس 2026 وهي ليست استثناءً شاذّاً، بل نافذةٌ على ما يجري إطلاقه بلا قيود في أرجاء الضفة الغربية المحتلة.

عنفٌ متصاعد

على امتداد الأراضي المحتلة، تتعرّض المجتمعات الفلسطينية لحملة عنفٍ باتت مفرداتها مألوفةً بشكلٍ مرعب.

منازل تُهاجَم. سيارات تُحرق. أغنام تُسرق. مزارعون يُضربون. أناسٌ يرتقون. مياهٌ تُصادَر. أشجار زيتون تُقتلع وتُحرق. وعائلاتٌ تُطرد من قرى أقامت فيها أجيالاً متعاقبة.

النمط يتكرّر من قرية إلى أخرى.

ظهور بؤر استيطانية. يكتشف الفلسطينيون أن أراضي الرعي التي استخدموها عقوداً باتت فجأةً خارج نطاق وصولهم. تُغلق الطرق، ويُضايَق الرعاة، وتختفي الماشية، وتُداهَم المنازل.

ومع تحوّل هذا العنف إلى أمرٍ اعتيادي، لا يحمي الجيش الإسرائيلي الفلسطينيين. بل وثّقت حالاتٌ بعينها جنوداً رافقوا المعتدين وأسهموا في اعتداءاتهم.

حذّرت منظمة Human Rights Watch في يوليو من أن تصاعد العنف الاستيطاني يُهدّد بارتكاب جرائم جماعية واسعة النطاق. وفي الشهر الذي سبقه، نشرت منظمة Amnesty International تحقيقاً موسّعاً وصفت فيه التهجير القسري للمجتمعات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة بأنه تطهيرٌ عرقي.

أما منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية B'Tselem، فتُصوّر العلاقة بين المستوطنين والدولة بصراحةٍ أشدّ: «عنف المستوطنين = عنف الدولة».

في 6 يونيو، وبحسب B'Tselem، شنّ عشرات المستوطنين المسلّحين غارةً على أربع قرى فلسطينية جنوب نابلس. أُصيب ما لا يقلّ عن 8 فلسطينيين، ونُقل عمر عبد الحكيم دار محمد، البالغ من العمر 20 عاماً، إلى العناية المركّزة إثر نزيفٍ في الدماغ وكسورٍ بالغة في الوجه.

سرق المعتدون ما لا يقلّ عن 44 رأساً من الغنم وحماراً وثلاث مركبات ومعدّات، وخرّبوا مركباتٍ أخرى، وحاولوا إحراق مبنى المجلس المحلي. ورافق المعتدين جنديٌّ إسرائيلي على الأقل.

خطرٌ دائم

في خربة سوسيا في فبراير، هجم نحو 20 مستوطناً مسلّحين بالهراوات والمواد الحارقة على القرية ليلاً، فاعتدوا على المنازل والسيارات، وأضرموا النيران في الخيام وأقفاص الدواجن والمركبات.

يقطن فيها نحو 300 فلسطيني، نصفهم من الأطفال. وأفادت B'Tselem بأنه لم يُعتقل أيٌّ من المعتدين.

وفي غور الأردن، فرّت 26 عائلة 124 شخصاً بينهم 59 طفلاً من رأس عين العوجا في يناير، إثر مضايقاتٍ استيطانية متواصلة. وتؤكّد B'Tselem أن تهجيرهم جاء عقب غاراتٍ متكرّرة وعنفٍ مدعومٍ من الجيش الإسرائيلي والشرطة أو مُمكَّن بفعلهما.

هذه ليست مجرّد اعتداءاتٍ على أفراد. إنها اعتداءاتٌ على الشروط الأساسية التي تجعل الحياة الفلسطينية ممكنة.

خلال موسم قطف الزيتون عام 2025، وثّقت الأمم المتحدة 178 هجوماً استيطانياً في شهرين فحسب، طالت 88 مجتمعاً فلسطينياً. اعتُدي على المزارعين في بساتينهم وعلى طريقهم إليها. سُرقت المحاصيل والمعدّات. وتضرّر أكثر من 6,000 شجرة وشتلة.

في عين يبرود، قرب رام الله، منح الجيش الإسرائيلي العائلات الفلسطينية ثلاثة أيام فقط للوصول إلى بساتين الزيتون الكائنة على أراضيهم.

ثلاثة أيام لقطف زيتونهم من أشجارهم. وبعد أن هاجمهم المستوطنون أثناء العمل، خافوا من العودة فتُرك الموسم يضيع.

تأمّل القسوة الكامنة في ذلك. المزارع يرى أشجاره بعينيه؛ عناها طوال العام، وشهد ازدهارها وإيناعها. تمثّل له أشهراً من الجهد، وقوت عائلته، وإرثاً توارثه عن أبيه وجدّه.

الأرض أرضه. الأشجار أشجاره. الزيتون ناضجٌ وهو لا يستطيع بلوغه. بتدمير أشجاره وحرمانه من موسم الحصاد، يكون المستوطنون قد قطعوا فعلياً صلته بأرضه.

وحين يصبح هذا الخطر دائماً، تستحيل الزراعة، وحين تستحيل الزراعة، لا تستطيع العائلات البقاء على أرضها.

أدواتُ التهجير

لهذا بالذات لا يجوز اختزال الاعتداءات على بساتين الزيتون في خانة التخريب العادي. ضمن النمط الأشمل الذي وثّقته الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، يُشكّل تدمير الزراعة وحرمان الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية أداةً صريحة من أدوات التهجير القسري.

في فصايل بغور الأردن، شهد المزارع سعد نمر مستوطنين يستولون على ينبوعٍ للمياه العذبة طالما اعتمد عليه المزارعون الفلسطينيون. حُوّل مجرى المياه؛ بعضها يملأ اليوم حوض سباحةٍ في موقعٍ سياحي استيطاني، فيما يكافح المزارعون الفلسطينيون لريّ محاصيلهم.

المفارقة تكاد تكون فاضحة: مزارعٌ يرى حقوله تتعطّش، بينما تملأ مياه الينبوع الذي أحياها حوضاً للترفيه. وقد وُثّق أكثر من 160 اعتداءً استيطانياً على المياه في عام 2026 وحده.

الأرض، والماء، والطرق، ومراعي الرعي، والمحاصيل هذه ليست مجرّد مفاهيم مجرّدة، بل هي أسس الوجود الإنساني.

والمستوطنون الذين ينفّذون هذه الاعتداءات لا يعملون في فراغٍ سياسي. على مدى السنوات الثلاث الماضية، وسّع وزير الأمن القومي الإسرائيلي Itamar Ben Gvir بصورةٍ لافتة منظومة التسليح المدني.

أعلنت وزارته عن شراء 10,000 بندقية هجومية لفرق الأمن المدني، وشملت صراحةً فرقاً في مستوطنات الضفة الغربية. خُفّفت اشتراطات ترخيص الأسلحة، وبحلول مارس 2024 أعلن Ben Gvir إصدار 100,000 رخصة جديدة.

الفرق الاستيطانية الطارئة مسلّحة ومدرَّبة بأسلحة عسكرية. وتعمل وحداتٌ احتياطية مخصّصة للمستوطنين ضمن الهيكل العسكري الإسرائيلي.

على أرض الواقع، يغدو الخط الفاصل بين المستوطن والجندي والمسلّح المدني ضبابياً بشكلٍ مُخيف. والفلسطيني الذي يواجه تلك البنادق لا يكاد يرى فرقاً يُعتدّ به.

ضمٌّ زاحف

بين 7 أكتوبر 2023 و24 يوليو 2026، ارتقى ما لا يقلّ عن 1,122 شهيدًا فلسطينياً على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي أو المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، وفق أرقام نشرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). كان من بينهم ما لا يقلّ عن 246 طفلاً. واستشهد 76 فلسطينياً في الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 وحدها.

وزير المالية الإسرائيلي Bezalel Smotrich، وهو مستوطنٌ بنفسه، لم يُخفِ طموحاته تجاه الضفة الغربية. يتمتّع بصلاحياتٍ واسعة غير مسبوقة على جوانب من الإدارة المدنية للأراضي المحتلة، وقد دعا علناً إلى فرض السيادة الإسرائيلية على 82 بالمئة من الضفة الغربية.

والآلة تتقدّم. أقرّت الحكومة الإسرائيلية 104 مستوطنات جديدة خلال السنوات الأربع الماضية، فيما يسعى وزير الدفاع Israel Katz إلى نقل صلاحيات إنفاذ القانون على المدنيين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة من الجيش إلى الشرطة المدنية وهو ما يحذّر خبراء من أنه يدفع الأراضي المحتلة نحو الضمّ الرسمي.

على مدى ما يقارب ثلاث سنوات، أطّرت إسرائيل وحلفاؤها الغربيون العنف الاستثنائي الممارَس ضد الفلسطينيين من خلال منظار 7 أكتوبر 2023: حماس، والرهائن، والأمن، والدفاع عن النفس. وتكرّر مرّةً بعد مرّة تقديم الإبادة الجارية في غزة للعالم باعتبارها رداً على حماس.

لكن دعنا نحوّل النظر للحظةٍ عن غزة، باتجاه الضفة الغربية المحتلة.

حماس لا تحكم هناك. السلطة الفلسطينية هي التي تُدير الكانتونات الفلسطينية، وتحافظ على التنسيق الأمني مع إسرائيل منذ عقود.

ومع ذلك، لا تزال الأراضي الفلسطينية تُصادَر. ولا تزال المنازل تُهاجَم. ولا يزال المزارعون يُطردون من حقولهم. ولا تزال أشجار الزيتون تُحرق وتُقتلع.

ولا تزال مجتمعات الرعاة تُرغَم على الرحيل. ولا يزال الفلسطينيون يُقتلون. ولا تزال العائلات محاصرةً داخل منازلها. والأرض التي يعيشون عليها لا تزال تُمزَّق تدريجياً بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية.

حقٌّ في الوجود

تطرح الضفة الغربية المحتلة بذلك جملةً من الأسئلة المُدمِّرة على كلّ من يُصرّ على أن ما يتعرّض له الفلسطينيون من دمارٍ لا يعدو كونه حرباً ضد حماس.

أيّ مقاتلٍ من حماس يختبئ داخل شجرة زيتون؟ وأيّ تهديدٍ أمني يُشكّله راعٍ وقطيعه؟

أيّ عملٍ إرهابي يرتكبه مزارعٌ يحاول قطف زيتونه؟ وماذا فعلت كندا حسن ذات الأربع سنوات حتى تستحقّ أن تُحاصَر داخل منزلها بينما تتجمّع خارجه حشودٌ مسلّحة؟

المبرّرات تتبدّل مع الزمن. كانت منظمة التحرير الفلسطينية في السابق، واليوم حماس. لكن حين تُزاح الذرائع المتغيّرة جانباً، يصعب إخفاء المسار الثابت: تجريد الفلسطينيين من أرضهم وتطهيرهم عرقياً منها.

يجري هذا على مدى عقود، وهو يتسارع مدفوعاً بالإفلات من العقاب، والتقاعس الدولي، والدعم السياسي والعسكري الذي توفّره الدول الغربية الحليفة لإسرائيل.

عبارةٌ واحدة هيمنت دائماً على النقاشات الغربية حول فلسطين: حقّ إسرائيل في الوجود والدفاع عن نفسها. لكن ماذا عن الشعب الفلسطيني؟ هل له حقٌّ في الوجود؟ ليس مجرّد البقاء، بل الوجود بوصفه شعباً على أرضه، بالحقوق العادية التي تجعل الحياة الإنسانية ممكنة؟

هل للفلسطينيين حقٌّ في الشرب من ينابيعهم، وقطف ثمار أشجارهم، والسير في طرقهم، وحرث حقولهم، ورعي قطعانهم؟ هل يُسمح لهم بتربية أطفالهم دون أن يُعلّموهم الخوف من كلّ خطوةٍ تقترب من الباب؟

هل للفلسطينيين حقٌّ في الدفاع عن منازلهم وعائلاتهم ومزارعهم وحياتهم؟ يطلب الغرب من الفلسطينيين نزع سلاحهم فمن سيجرّد المستوطنين الذين يقتحمون قراهم من أسلحتهم؟

يشترط الخطاب الغربي على الفلسطينيين إثبات قبولهم بحقّ شعبٍ آخر في الوجود، إثباتاً لا ينتهي. فمن سيُقرّ بحقّ الفلسطينيين هم في الوجود؟.

أخبار ذات صلة

Loading...
طفلة فلسطينية تعاني من سوء تغذية حاد وتقزّم في النمو، تظهر عظامها بارزة على فراش في منزلها بغزة بسبب الحصار الإسرائيلي.

أطفال غزة يعانون من التقزم جراء الحصار الغذائي

تعاني الطفلة أميرة في غزة من سوء تغذية حاد بسبب الحصار الإسرائيلي، مما أدى لتقزّم في نموها وتدهور صحتها. اكتشف القصة المؤثرة وتأثير المجاعة على الأطفال الآن. اقرأ المزيد.
الشرق الأوسط
Loading...
توماس باراك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، يتحدث في منتدى أنطاليا للدبلوماسية، يدافع عن الحكومة السورية ويطالب بخفض التصعيد بعد الغارات الإسرائيلية.

مبعوث ترامب يشعر بقلق بالغ إزاء الضربات الإسرائيلية على قاعدة جوية سورية

الغارات الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور تثير توتراً جديداً في شمال سوريا وسط دعوات أمريكية للتهدئة والدبلوماسية. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على الاستقرار الإقليمي الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
لقاء رسمي بين مسؤولين سعوديين وإماراتيين يعكس التوترات المتصاعدة وتأثيرها على العلاقات الاقتصادية والتحويلات المالية بين البلدين.

تشديد السعودية قيود التحويلات المالية إلى الإمارات

تشهد العلاقات بين السعودية والإمارات تصاعداً في التوترات المالية والسياسية مع إجراءات رقابية مشددة وتأخير في التحويلات البنكية. اكتشف تفاصيل الصراع الاقتصادي وتأثيره على الخليج وكن على اطلاع دائم.
الشرق الأوسط
Loading...
شاب فلسطيني يحمل الرقم 44 مكتوبًا على جبهته خلال حديثه عن اعتقاله في مداهمة الاحتلال الإسرائيلي في قباطية.

جنود إسرائيليون يكتبون أرقاماً على جباه معتقلين فلسطينيين

في مداهمة مثيرة للجدل في قباطية قرب جنين، كتب جنود الاحتلال أرقاماً على جباه وأذرع المعتقلين الفلسطينيين، في محاولة لترويع السكان ومواجهة المقاومة. اكتشف التفاصيل وتأثير هذه الخطوة على القضية الفلسطينية.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية