انهيار اقتصاد الوقود في كنتاني هور يهدد آلاف الأسر
في كنتاني هور على ساحل بلوشستان، تجارة الوقود المهربة تشكل عماد اقتصاد محلي يعيل آلاف الأسر رغم المخاطر والحروب. قصة سراج وبخشي تكشف كيف يؤثر النزاع الإقليمي على حياة الناس والعمل في وورلد برس عربي.

على بُعد نحو 150 كيلومتراً غرب غوادر، المدينة الساحلية التي كثيراً ما توصف بأنّها قلب الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، تقع كنتاني هور، خورٌ صغير قرب الحدود الإيرانية على ساحل مكران النائي في إقليم بلوشستان.
هذا الخور واحدٌ من النقاط الحدودية التي تجري عبرها التجارة "غير الرسمية" بين إيران وباكستان، إذ تُفرغ القوارب حمولتها من البنزين والديزل والبضائع الإيرانية الأخرى على الشاطئ الباكستاني.
هذه التجارة هي، بكلّ المقاييس، تهريبٌ صريح. غير أنّها باتت ركيزةً لا يمكن الاستغناء عنها في الاقتصاد المحلّي، لدرجة أنّ حكومة بلوشستان الإقليمية أقدمت في أبريل من هذا العام على تحديد سعر البيع بالليتر للوقود القادم عبر هذه القناة، وحدّدت سعراً أدنى من وقود الاستيراد الرسمي، وحظرت بيعه خارج الإقليم.
حين تنشط هذه التجارة، يعتمد عليها آلاف العمّال والسائقين وطواقم القوارب والعاملين في المستودعات من بلوشستان وسائر أنحاء باكستان في تأمين أرزاقهم.
إلى هذا الاقتصاد قدم سراج، الشاب البالغ من العمر 26 عاماً، الحاصل على شهادة في الأنثروبولوجيا من بنجور، باحثاً عن دخلٍ مستقرّ لم تُوفّره له شهادته الجامعية.
عاد سراج إلى مسقط رأسه في قرية باروم مرّتين خائب الأمل. في المرّة الأولى، حمل شهادة في الأنثروبولوجيا من جامعة قائد الأعظم في إسلام آباد.
بلوغُ إحدى أرموز الجامعات الباكستانية استلزم منه قطع مئات الكيلومترات من مسقط رأسه النائي في منطقة بنجور قرب الحدود الإيرانية، وكان يؤمن بأنّ الشهادة ستفتح له أبواب العمل المستقرّ.
لكنّ تلك الآمال تبدّدت.
ثمّ رحل والده، فلم يعد يستطيع الانتظار في طابور المتقدّمين لوظائف حكومية يتزاحم عليها الآلاف لشغل منصبٍ واحد. فقرّر التوجّه جنوباً نحو كنتاني هور، قرب جيواني على الساحل الجنوبي الغربي لباكستان.
في المرّة الثانية التي عاد فيها سراج إلى باروم، لم يحمل لا وعد الشهادة ولا الأجر الذي باتت عليه أسرته تعتمد. فقد أخلّت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران إخلالاً حادّاً بحركة الوقود، وأوقفت معظم النشاط في كنتاني هور.
بدأت الحرب في 28 فبراير، حين شنّت إسرائيل والولايات المتحدة ضرباتها على إيران، فاتحةً مواجهةً شاملة جديدة في أعقاب الحرب الإسرائيلية-الإيرانية التي استمرّت 12 يوماً في يونيو 2025.
ردّت إيران بضربات طالت إسرائيل والمنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة، ولا سيّما في دول الخليج. ثمّ امتدّت المواجهة لتطال الموانئ الإيرانية والدفاعات الساحلية وطرق الملاحة حول مضيق هرمز. وبحلول يوليو، كان الآلاف قد لقوا حتفهم والملايين قد نزحوا، معظمهم في إيران ولبنان.
على الساحل الباكستاني غير البعيد، لم تصل الحرب عبر غارةٍ جوّية، بل وصلت من خلال اختفاء هذا الاقتصاد الساحلي غير الرسمي.
رغم أنّ التجارة الرسمية استمرّت عبر بعض المنافذ الحدودية الباكستانية-الإيرانية في الأسابيع الأولى من الصراع، إلّا أنّ إمدادات البنزين والديزل الإيراني تراجعت بشكل ملحوظ.
في مايو، أفاد تجّار الوقود بأنّ إغلاق الحدود عند كنتاني هور أدّى إلى ارتفاع سعر البنزين الإيراني في غوادر بمقدار 30 إلى 40 روبية باكستانية (11-14 سنتاً) للتر الواحد.
بالنسبة لسراج وآلاف غيره، كانت التداعيات فورية وقاسية.
اقتصادٌ قائمٌ على الوقود
يدير بخشي بلوش، القادم من مدينة باسني الساحلية، مستودعاً للوقود في كنتاني هور. قال إنّه في الأحوال الطبيعية، يعتمد على عمله مباشرةً نحو 50 شخصاً، بينهم محاسبٌ وعمّال تفريغ وطواقم قوارب وآخرون يتولّون نقل البراميل بين الشاطئ والمستودع.
قدّر بخشي أنّ أكثر من 5,000 مستودع كانت تعمل حول كنتاني هور، يعتمد على كلٍّ منها عشرات الأشخاص، غير أنّ صفوف المستودعات وتنوّع العمّال فيها تكشف عن اقتصادٍ يمتدّ أبعد بكثير من مجرّد بضعة أصحاب قوارب أو تجّار وقود.
عاد بخشي هو الآخر إلى بيته.
قال إنّه يتلقّى كلّ يوم تقريباً رسائل صوتية من عمّاله السابقين يطرحون فيها السؤال ذاته: "متى يعود المستودع للعمل؟"
وليس لديه جواب.
"يسألونني عن العمل، لكن ماذا أقول لهم؟" قال .
جاء عمّاله من أصقاع مختلفة من باكستان؛ بعض طواقم القوارب من إقليم السند المجاور، وبين عمّال تفريغ الوقود رجالٌ قدموا من مناطق أبعد بكثير شمالاً، كـ Dera Ghazi Khan في جنوب غرب البنجاب، وحتى من كشمير.
وصلوا وهم يتحدّثون لغاتٍ مختلفة وغير مألوفين بثقافة ساحل مكران. ما جمعهم هو غياب فرص العمل المجدية في مناطقهم الأصلية. والآن تفرّقوا من جديد، حاملين تداعيات حربٍ شرق أوسطية إلى أسرهم ومجتمعاتهم في أرجاء باكستان.
محمد عاصف من البنجاب كان واحداً منهم.
تحدّث عاصف عبر الهاتف بعد عودته إلى Dera Ghazi Khan، واصفاً العمل في كنتاني هور بأنّه كان في آنٍ واحد مصدر رزقه ولقاءً يومياً مع الموت.
كان العمّال يتعاملون مع كمّيات ضخمة من الوقود شديد الاشتعال في حرارة قصوى، دون أيّ معدّات وقاية أو خدمات إطفاء أو مرافق طبية طارئة.
"كلّ يوم كان فرصة للكسب، لكنّه أيضاً فرصة للموت"، قال عاصف.
في يومٍ مزدهر، قال إنّه كان يستطيع كسب ما يصل إلى 10,000 روبية (36 دولاراً)، وهو دخلٌ يصعب إيجاده في مسقط رأسه ومرتفعٌ بما يكفي لتقبّل المخاطر.
في المتوسّط، يحصل العامل غير الماهر في باكستان على ما بين 1,400 و1,500 روبية يومياً (نحو 5 دولارات).
منذ عودته إلى بيته، يتّصل عاصف بزملائه السابقين ويتابع أخبار الصراع، سعياً لمعرفة ما إذا كانت قوارب الوقود ستعود إلى الحركة.
رزقٌ خطير، وهو الوحيد المتاح
للوهلة الأولى، لا يبدو كنتاني هور أكثر من خورٍ طينيٍّ تحيط به أراضٍ قاحلة. لكن حين تنشط التجارة، يغصّ شاطئه بالعمّال وطواقم القوارب وراكبي الدرّاجات النارية والسائقين والعاملين في المستودعات.
"حين يعتمد خبز أسرتك على هذا العمل، عليك القيام به مهما كانت المخاطر"، قال صاحي بخش، العامل المعروف محلياً بـ"عمّال".
ينتظر صاحي وغيره من "العمّال" على الشاطئ قدوم السفن المحمّلة بالوقود من إيران. حين ترسو السفينة، يرفعون براميل تحمل نحو 70 لتراً وينقلونها مسافة 20 إلى 30 متراً عبر الوحل الكثيف نحو المستودعات القريبة.
تغوص أقدامهم أحياناً إلى عمق يقارب 30 سنتيمتراً تحت السطح. وبينما يحمل العامل برميلاً ثقيلاً على كتفه، عليه انتزاع كلّ قدمٍ من الوحل قبل أن يخطو خطوة أخرى.
أحياناً تغوص قدم العامل أعمق فيتعثّر ويسقط حمله. قد ينكسر البرميل فيسيل البنزين أو الديزل على الوحل، ممّا يُعرّض الجميع لخطر الحريق. ومع ذلك، قال صاحي إنّ العامل قد يُحمَّل مسؤولية الخسارة وتُخصم قيمتها من أجره.
بعد مغادرة البراميل للشاطئ، يتولّى راكبو الدرّاجات النارية المعروفون محلياً بـ"سيكالي" نقل الوقود نحو المستودعات الداخلية. قال العمّال إنّ آلاف هؤلاء الراكبين كانوا يعملون في كنتاني هور.
تُحمَّل درّاجاتهم بأربعة إلى خمسة براميل، ممّا يجعل الحمولة غير مستقرّة وشديدة القابلية للاشتعال. يمرّ جزءٌ من الرحلة عبر رمالٍ عميقة، يضطرّ فيها الراكبون إلى استخدام أقدامهم لدفع الدرّاجات وإبقائها متوازنة تحت شمس الصحراء الحارقة.
قال نوروز، أحد "السيكالي"، إنّ أنبوب العادم قد يسخن إلى درجات خطرة، وأيّ تسرّبٍ صغير من أحد الحاويات قد يُشعل الحمولة بأكملها.
تذكّر حرائق عدّة أُصيب فيها راكبون أو لقوا حتفهم.
"حين أحمّل الوقود، لا أعرف إن كنت سأصل إلى نهاية الرحلة"، قال نوروز.
رحلةٌ ناجحة قد تدرّ عليه ما يصل إلى 15,000 روبية (54 دولاراً). وقد أصيب نوروز نفسه بحروق في حادثة، لكنّه عاد إلى العمل بعد تعافيه لأنّه لا يملك بديلاً موثوقاً.
"الموت أمرٌ عادي في كنتاني"، قال. "أحياناً تشتعل سفينة، وأحياناً يكون الضحية أحدنا على درّاجته. في الصيف، تشتدّ الأمواج وقد تغرق القوارب.
"يفقد الناس أرواحهم، لكنّنا مضطرّون للكسب. بالنسبة لنا، خيرٌ المجازفة بالموت هنا من الموت جوعاً."
حربٌ تصل إلى الساحل
لا تنتهي المخاطر عند الحرائق أو الأمواج العاتية أو الدرّاجات المثقلة بالحمولة.
اتّهم عدد من العمّال، اشترطوا عدم الكشف عن هويّاتهم، عناصرَ من خفر السواحل الباكستاني بالتوغّل دورياً في المناطق المحظورة حول الخور وتفريق "السيكالي" وإخلاء الموقع بالقوّة.
كما تعرّضت كنتاني هور لإغلاقاتٍ متكرّرة بسبب الهجمات المسلّحة والمخاوف الأمنية في بلوشستان، حيث تخوض الدولة الباكستانية تمرّداً انفصالياً ممتدّاً منذ عقود.
قال الصحفي والكاتب المقيم في غوادر جاويد MB إنّ تجارة الوقود الإيراني تسير على ساحل مكران منذ عقود. وبينما كانت موزّعةً في السابق على عدّة نقاط ساحلية، تمركزت معظمها في كنتاني هور خلال العقد الماضي.
الإغلاقات السابقة كانت تستمرّ أياماً أو أسابيع في الغالب، وكان العمّال ينتظرون أو يستدينون أو يعودون إلى بيوتهم مؤقّتاً، واثقين من أنّ التجارة ستعود.
الانقطاع الأخير مختلفٌ في طبيعته.
جعلت الحرب في إيران إمدادات الوقود أقلّ موثوقية، ورفعت تكاليف الشراء والنقل، وقلّصت عدد الرحلات المجدية. يقول التجّار إنّ النشاط لم يتوقّف كلياً، لكنّه لا يعمل إلّا بجزءٍ ضئيل من حجمه السابق.
"اختفت كلّ الأرباح التي كان أصحاب المستودعات والعمّال يتوقّعونها"، قال نواب شاه، المقيم في كراتشي والعامل محاسباً. "لا أحد يعرف متى يعود العمل."
كان رحيم بخش يستخدم قاربه في الصيد قبالة غوادر، ثمّ نقله إلى كنتاني هور لأنّ نقل الوقود كان يدرّ دخلاً أفضل من صناعة الصيد المتذبذبة.
حين بدأت الضربات الأمريكية والإسرائيلية، قال إنّ الارتباك انتشر بسرعة في الاقتصاد الحدودي.
مجتمعات بلوشستان تعتمد على إيران في ما هو أبعد من البنزين والديزل؛ إذ تعبر المواد الغذائية والسلع اليومية المنافذ الحدودية الرسمية وغير الرسمية. حين تباطأت الإمدادات، قال رحيم، ارتفعت الأسعار في كلّ أرجاء المنطقة.
"شعرنا وكأنّ الحرب على إيران صارت حرباً على اقتصادنا أيضاً"، قال.
لا يواصل نقل الوقود الآن إلّا عددٌ قليل من القوارب وفق ما يقوله رحيم. بات الوقود أصعب حصولاً وأغلى ثمناً، والرحلات أقلّ قابلية للتنبّؤ، وهوامش الربح ضاقت.
وراء الشاطئ، يتموّج الاضطراب عبر كلّ حلقات سلسلة التوريد. تنقل الشاحنات والسيّارات المحمّلة عادةً البراميل من كنتاني هور إلى غوادر وتربت وبنجور وماستونج وكويتا وسائر مناطق بلوشستان. يقول التجّار إنّ بعض الوقود يواصل رحلته نحو البنجاب.
حين تتوقّف القوارب عن الوصول، يفقد العمّال أجورهم، ولا شيء يحمله "السيكالي"، وليس للسائقين أيّ حمولة، وتقف المستودعات فارغة، ويجفّ مصدر رزق صغار تجّار الوقود.
كشفت دراسة أجريت عام 2021 حول منطقة جيواني-الحدود الإيرانية أنّ الاقتصاد المحلّي يعتمد اعتماداً كبيراً على التجارة غير الرسمية في الديزل والبنزين والغاز والمواد الغذائية وسائر السلع الإيرانية. وبدلاً من أن تكون هامشيةً خارج الاقتصاد، باتت هذه التجارة في الواقع إحدى ركائزه الأساسية.
هذا هو التناقض الجوهري في كنتاني هور: تتعامل السلطات مع هذا النشاط باعتباره تهريباً، لكنّه في الوقت ذاته أحد أقلّ أشكال العمل المتاحة قابليةً للحياة.
قالت سحر بلوش، الصحفية المقيمة في برلين والتي تغطّي بلوشستان بشكل مستفيض، إنّ الصدمة الفورية للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران لم تتجلَّ فحسب في اضطراب التجارة، بل في الخسارة المفاجئة للأرزاق عبر المنطقة بأسرها.
"يعتمد آلاف الأشخاص في غوادر وكيتش وبنجور وواشوك بشكل مباشر أو غير مباشر على التجارة العابرة للحدود"، قالت. "وبينما يستأثر الوقود بالاهتمام الأكبر، يدور الاقتصاد الحدودي أيضاً حول المواد الغذائية والسلع المنزلية ومواد البناء وقطع الغيار وخدمات النقل."
حين تعطّلت الحركة عبر الحدود بفعل الصراع، قالت، فقد عمّال اليومية والحمّالون والسائقون وأصحاب المحلّات والتجّار الصغار دخلهم في آنٍ واحد.
"المشكلة ليست فقط أنّ التجارة توقّفت"، قالت سحر. "المشكلة أيضاً أنّ الدولة أخفقت في توفير فرص عمل بديلة في مكران."
الصيد، الذي كان تقليدياً أحد أبرز مصادر الرزق في المنطقة، يعاني أصلاً من ضغوط متزايدة وبات تحت سيطرة مصالح تجارية نافذة، فيما تُقيّد الزراعةَ شُحٌّ مزمن في المياه. في غياب البدائل المجدية، باتت التجارة العابرة للحدود أحد السبل القليلة المتاحة لآلاف الأسر لتوليد دخلٍ يعيشون منه.
أشارت سحر إلى أنّ التداعيات تمتدّ أيضاً إلى ما هو أبعد من المجتمعات المتاخمة للحدود الإيرانية مباشرة؛ إذ ينتقل الوقود وسائر السلع من الحدود إلى مدن بلوشستان ومنها إلى أجزاء أخرى من باكستان.
حين تتعطّل الإمدادات، ترتفع تكاليف النقل وتواجه الأعمال حالة من الغموض، ويفقد العاملون في كلّ حلقات سلسلة التوزيع أرزاقهم مؤقّتاً.
"بالنسبة لكثير من الأسر، يؤدّي الاقتصاد الحدودي غير الرسمي وظيفة الشبكة الاجتماعية للحماية في غياب دعم الدولة"، قالت. "وقد جعلت الحرب هذه الهشاشة أكثر وضوحاً من أيّ وقتٍ مضى."
وأضافت أنّ الانقطاعات المتكرّرة تحمل أيضاً تداعيات سياسية في إقليمٍ يرزح أصلاً تحت وطأة البطالة والتضخّم وتراجع القدرة الشرائية.
"كلّ إغلاق يزيد من إحباط أناسٍ يشعرون أصلاً بالتهميش الاقتصادي"، قالت سحر. "حين لا توفّر الحكومة بدائل للتوظيف ولا دعماً كافياً، فإنّها تعمّق الفجوة بين المجتمعات والدولة."
محيطٌ أمامي ولا قطرة ماء
"أمامي محيطٌ ولا قطرة ماء أستطيع استخدامها"، قال غواهرام، مشغّل قارب من منطقة بيشوكان.
في كنتاني هور، لا مصدر موثوق لمياه الشرب، ولا صرف صحّي، ولا ملاجئ من الشمس. يقضي العمّال أيّامهم ولياليهم تحت السماء المكشوفة.
البحر المحيط بهم لا يقدّم أيّ عون؛ إذ تتلوّث أجزاءٌ من الشاطئ بالبنزين والديزل المتسرّب. قال غواهرام إنّ العمّال لا يستطيعون استخدامه حتى لغسل أيديهم وأقدامهم.
كلّ حاوية مياه عذبة يجب نقلها إلى الموقع وشراؤها. قدّر غواهرام أنّ المياه والضروريات الأساسية الأخرى قد تستهلك ما يقارب نصف أجور بعض العمّال.
وحتى هذا الدخل الهشّ تقلّص الآن.
أكّد غواهرام أنّ نحو 100 مستودع فحسب من بين آلاف المستودعات التي كانت تعمل في كنتاني هور لا تزال نشطة، وأنّ معظم العمّال عادوا إلى مدنهم وقراهم.
"الحياة هنا تُعاش على اسم الله"، قال. "نعمل تحت السماء المكشوفة، ونستريح تحت السماء المكشوفة، وننام تحت السماء المكشوفة. لا شيء غير ذلك."
في باروم، ينتظر سراج من جديد، لا لوظيفة تناسب شهادته في الأنثروبولوجيا، بل لخبرٍ يُعلمه بعودة القوارب.
الحرب لم تخلق الهشاشة الاقتصادية المحيطة بكنتاني هور؛ هي فحسب كشفت عنها.
في منطقةٍ تعاني الفقر وضعف الاستثمار وشُحّ فرص العمل الرسمي، تُرك لتجارةٍ غير مشروعة وقد تكون قاتلة أن تؤدّي وظيفة سوق العمل. يقبل آلاف الأشخاص في أرجاء باكستان هذه المخاطرة لأنّ لا الدولة ولا الاقتصاد الرسمي يوفّران لهم بديلاً يُعتمد عليه.
بالنسبة لهؤلاء العمّال، لا تُقاس الحرب بالضربات الصاروخية أو البيانات العسكرية أو المفاوضات حول ممرّات مائية بعيدة. تُقاس بالمستودعات الفارغة، والرسائل الصوتية التي لا تجد مَن يردّ عليها، وأسعار الوقود المرتفعة، والأجور التي تختفي دون إنذار.
حتى لو عادت القوارب، فإنّ سراج وعاصف وصاحي ونوروز لن يعودوا إلى الأمان. سيعودون إلى الوحل والبنزين المتسرّب والدرّاجات المثقلة بالحمولة والمياه الملوّثة والليالي تحت السماء المكشوفة.
في كنتاني هور، الشيء الوحيد الأشدّ خطورةً من العمل هو أن تُحرم منه.
أخبار ذات صلة

قائد القيادة الوسطى يزور حاملة أميركية في خليج عمّان وسط تقارير عن إرهاق الطاقم

إيران وعمان تعملان على ممر بحري مؤقت في الخليج وسط تهديدات ترامب

الحرب الإيرانية تدفع الخطوط الجوية الشرق أوسطية نحو خسائر بـ 4.3 مليارات دولار
