وورلد برس عربي logo

اقتحام المنطقة الخضراء وفضائح فساد تهز العراق

عملية اقتحام درامية في المنطقة الخضراء بالعراق تطيح بعشرات السياسيين وتكشف ملايين الدولارات وسبائك الذهب وسط شكوك واسعة حول جدية محاسبة كبار الفاسدين والتأثيرات السياسية الإقليمية وورلد برس عربي.

عناصر مكافحة الإرهاب العراقيين يرتدون زيّاً عسكرياً ويحمون مركبة شرطة مدرعة خلال عملية اقتحام في المنطقة الخضراء ببغداد لملاحقة الفساد السياسي.
تتولى القوات الأمنية العراقية حراسة بغداد في 8 مارس 2026 (أحمد الربيعي/وكالة فرانس برس)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

عند الفجر، اقتحمت قوّاتٌ مدرّعة وأفرادٌ من وحدات مكافحة الإرهاب المنطقةَ الخضراء المحصّنة في بغداد، في واحدةٍ من أكثر عمليات مكافحة الفساد إثارةً شهدها العراق منذ سنوات. غير أنّ كثيراً من العراقيين لا يزالون يشكّكون في أنّ أصحاب النفوذ الحقيقي سيواجهون العدالة يوماً ما.

في الساعات الأولى من 28 يونيو، تحرّكت الدبّابات والمركبات المدرّعة نحو حيّ «بغداد ريزيدنس» القريب من السفارة الأمريكية داخل المنطقة الخضراء، وذلك في إطار تحقيقٍ تجريه الحكومة العراقية الجديدة في أموالٍ يُشتبه في الحصول عليها عبر مخالفاتٍ في مشاريع الدولة.

أسفرت العملية عن اعتقال ما لا يقلّ عن 47 شخصاً، بينهم سياسيون وأعضاء في البرلمان وكبار المسؤولين، كما جرى ضبط ملايين الدولارات نقداً وسبائك الذهب، بل وملابس داخلية نسائية مصنوعة من الذهب.

سيطرت العملية بسرعةٍ على الشاشات العراقية ومنصّات التواصل الاجتماعي، وشبّه كثيرون مشاهد الاقتحام بمقاطع مستلّة من أفلام هوليوود. بالنسبة لشريحةٍ واسعة من العراقيين، كان هذا عرضاً غير مسبوق للقوّة في مواجهة طبقةٍ سياسية طالما اتُّهمت بنهب المال العام.

يقول محمد بشير، شابٌّ من البصرة في الرابعة والعشرين من عمره : «من الصادم حقاً أن ترى ملايين الدولارات مخبّأةً في حدائق السياسيين، وسبائك الذهب، وملابس داخلية نسائية من الذهب يستمتعون بها على حسابنا».

ورغم ترحيبه بالحملة، يرى بشير أنّ مصداقيتها مرهونةٌ بمدى جرأتها على الوصول إلى رأس الهرم: «أنا أترقّب ما إذا كان رئيس الوزراء علي اللزيدي سيمسّ الرؤوس الكبيرة. إن لم يفعل، فسيكون الأمر مؤسفاً مجرّد عرضٍ تلفزيوني». وأضاف: «رئيسا الوزراء السابقان فعلا شيئاً مشابهاً تقريباً، لذا أريد أن أرى أين ستنتهي هذه الحملة، ومدى جدّيتها في محاسبة كبار المسؤولين».

وشاطره جاسم محمد، خمسيني من بغداد، الشعورَ ذاته: «لننتظر ونرى مدى جدّية هذه الحملة. إن كانت جادّة، فهذا رائع؛ وإن لم تكن، فهي مجرّد فقاعة». وتابع: «سجن السياسيين الفاسدين سيكون درساً لغيرهم كي لا يسيروا على خطاهم في سرقة أموال الشعب. لكن بعد هذه الحملة، على رئيس الوزراء تقديم خدماتٍ أفضل وبنيةٍ تحتيّة أحسن، والأهمّ من ذلك كلّه، إخراج الحلفاء المدعومين من إيران».

الزيدي في طريقه إلى واشنطن

تأتي هذه الاعتقالات قبل أسابيع قليلة من زيارةٍ مرتقبة للزيدي إلى واشنطن، حيث تواجه حكومته ضغوطاً أمريكية متصاعدة لكبح نفوذ الفصائل المسلّحة المدعومة إيرانياً وإثبات السيطرة الفعلية على مؤسّسات الدولة.

وقد أذكى التوقيت التكهّناتِ بأنّ الحملة لا تهدف فقط إلى طمأنة العراقيين المُحبَطين من استشراء الفساد، بل أيضاً إلى إيصال رسالةٍ إلى واشنطن مفادها أنّ بغداد جادّةٌ في ملاحقة مسؤولين مرتبطين بأحزابٍ شيعية قريبة من طهران.

ووفق ما أوردته قناة Iran International المعارضة للحكومة الإيرانية، فإنّ عدداً من المعتقلين في عمليات الفجر كانوا شخصياتٍ مرتبطة بأحزابٍ شيعية موالية لإيران. كما أشارت القناة إلى أنّ العمليات جاءت في أعقاب لقاءٍ جمع المبعوث الأمريكي الخاص Tom Barrack بالزيدي.

ويرى رناد منصور، مدير مبادرة العراق في معهد Chatham House، أنّ العمليات تهدف إلى تعزيز مصداقية الزيدي خارج الحدود العراقية: «الزيدي يسعى إلى تسويق إدارته ليس للرأي العام العراقي فحسب بل للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة». و أوضح : «لا سيّما في ظلّ التهديد الأمريكي للعراق بالعقوبات، وانزلاق العراق في منتصف الصراع الدائر بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران».

ويرى منصور أنّ الحملة، رغم ما أثارته من عناوين وما كشفته من أموالٍ ومعادن ثمينة، تجنّبت حتى الآن الاقتراب من الشخصيات السياسية التي تقبع في قمّة منظومة المحسوبيات العراقية. ويقول: «الحملة نجحت في ملاحقة بعض المسؤولين من المستويات الوسطى، وعبر اعتقالهم كُشف عن كميّاتٍ كبيرة من النقد وسبائك الذهب. المشهد الدرامي موجودٌ بالتأكيد»، مضيفاً أنّ ذلك ليس مصادفة.

«لهذا السبب يواصل رئيس الوزراء هذه الحملة. الدافع يتمحور حول ملاحقة الأسهل في الإمساك بهم: المسؤولون من المستويات الوسطى، لا الرؤوس الكبيرة، لا قادة المنظومة الذين يجلسون فوقها، إذ يستحيل الوصول إليهم».

ويخلص منصور إلى أنّ ذلك يُضيّق هامش الحملة في معالجة الأسباب الهيكلية للفساد: «بقدر ما هو الحال كذلك، لا تتغيّر طريقة عمل النظام السياسي الذي يتغذّى في معظمه على الفساد. ما يتغيّر فقط هو شكل هذا الفساد وتوزيع المستفيدين منه. وبينما قد تُضخّ بعض الأموال في الخزينة، فإنّ المنظومة بأكملها لا تُعالَج، ولا يُصلَح خللها الهيكلي. النظام يواجه تحدياتٍ جسيمة في ظلّ إغلاق مضيق هرمز والصراع المستمرّ في المنطقة». وختم: «لذا يصعب النظر إلى هذا العرض التجميلي باعتباره إصلاحاً هيكلياً للفساد الذي يحرم العراقيين من الخدمات الأساسية والكهرباء واقتصادٍ يعمل بشكلٍ سليم».

انتظار «الحيتان الكبيرة»

يتّفق المحلّل السياسي رعد هاشم مع هذا التقييم؛ إذ يرى أنّ مصداقية الحملة ستتوقّف في نهاية المطاف على ما إذا كانت ستتجاوز المستويات الوسطى وتطال كبار الفاعلين السياسيين. يقول: «في هذه الحملة، صِيدت الأسماك الصغيرة، بينما الجميع ينتظر اللحظة التي تُصاد فيها الحيتان الكبيرة الأهداف الرئيسية بين الفاسدين».

ورغم وصفه الاعتقالاتِ بأنّها غير مسبوقة بالمقاييس العراقية، يرى هاشم أنّ عمليّاتٍ كهذه ستُعدّ روتينيةً في سياقاتٍ أخرى: «بمقارنة حملة الزيدي بجهود مكافحة الفساد على المستوى العالمي، فإنّها لا تعدو كونها قطرةً في بحر، لأنّ ما فعله الزيدي هو عملٌ اعتيادي. لكن في العراق وحده يراه الجميع حملةً كبرى، ببساطة لأنّنا لم نعتد على مشاهدة مثل هذه الإجراءات».

ومع ذلك، يرفض هاشم إصدار حكمٍ مبكّر بالإخفاق: «إلّا إذا كانت هذه حملةً تمهيدية تُمهّد لحملةٍ أوسع عندها سيختلف الحديث تماماً».

كما تساءل هاشم عن غياب قادة الميليشيات وسائر الشخصيات النافذة المرتبطة بالفصائل المسلّحة عن قائمة المستهدَفين: «إنّ الإخفاق في استهداف الرؤوس الكبيرة، بما فيها الشخصيات النافذة التي راكمت ثرواتٍ طائلة من بين قادة الميليشيات، يعني أنّ تجنّبهم يُوجّه ضربةً للحملة بأكملها، ويُشكّك في جدّيتها ومصداقيتها».

أمّا النائب العراقي السابق سركوت شمس الدين، فيرى أنّ الحملة تنسجم مع خطاب مكافحة الفساد الذي طالما رفعه التيار الصدري، وأنّها قد تُولّد زخماً سياسياً في مرحلة ما قبل الانتخابات البرلمانية المقرّرة العام المقبل. وبصرف النظر عن الدوافع، يرى أنّ الزيدي يخوض مخاطرةً سياسية نادراً ما أقدم عليها زعيمٌ عراقي: «أُثني على جهوده، وجميع من اعتُقلوا هم نماذج لفئةٍ أوسع كانت تُنهك الخزينة العامة دون حسابٍ أو عقاب. هذه الحملة رسالة تحذير». وأضاف: «هل ثمّة دفعٌ خارجي؟ ربّما، لكنّ الأمر يستلزم شخصاً في موقع رئيس الوزراء مستعدٌّ لتحمّل المخاطرة والحدّ من نزيف الموارد العامة التي تُنهب بإفلاتٍ من العقاب».

في الوقت ذاته، حذّر شمس الدين من المبالغة في تقدير أهمية العمليات: «لكنّ ذلك مجرّد خدشٍ على السطح. هل سيواصل؟ ربّما، فهذه مسألةٌ بالغة الحساسية تستوجب تأمّلاً جدياً في معطيات السياسة الداخلية».

وكشف مسؤولٌ في هيئة النزاهة الاتحادية أنّه حتى 4 يوليو، استردّت السلطات العراقية أصولاً تُقدَّر قيمتها بنحو 98 مليار دينارٍ عراقي (ما يعادل 74 مليون دولار)، فضلاً عن 11 مليون دولار نقداً، مشيراً إلى أنّ الأمر يستلزم «آلياتٍ للحفر» لاستخراج أموالٍ مدفونة «على عمق أربعة أمتار تحت الأرض».

أخبار ذات صلة

Loading...
شاحنة عسكرية روسية تحمل منظومة دفاع جوي S-400 تُحمّل في طائرة شحن كبيرة، في سياق مفاوضات بيع المنظومات إلى الإمارات.

روسيا تفتح الباب لتركيا بيع أنظمة S-400 للإمارات

تتصاعد التوترات حول صفقة بيع منظومات S-400 التركية للإمارات وسط تحفّظات روسية وأمريكية معقدة. اكتشف تفاصيل المفاوضات التي قد تغيّر موازين القوة في الشرق الأوسط، تابع معنا لمعرفة المزيد.
سياسة
Loading...
شاحنات نقل متوقفة عند معبر حدودي بين الإمارات والسعودية تعكس تأخيرات متزايدة في حركة التجارة البينية بسبب التوترات السياسية والاقتصادية.

تأخّر التبادل التجاري بين السعودية والإمارات وسط التوتّرات

تشهد التجارة بين الإمارات والسعودية تأخيرات متزايدة وتعليق تحويلات مصرفية، مما يؤثر على الشركات الصغيرة والمتوسطة ويزيد التوتر الاقتصادي بين الجارين الخليجيين. اكتشف المزيد عن تداعيات الأزمة الآن.
سياسة
Loading...
متظاهرون في تركيا يحملون لافتات تنتقد ترامب ونتنياهو وحلف الناتو خلال احتجاجات ضد قمة الناتو 2026 في أنقرة.

الأسلحة والإبادة في غزة: محركات الاحتجاجات المناهضة لحلف الناتو في تركيا

تتصاعد الاحتجاجات في تركيا ضد قمة حلف شمال الأطلسي 2026 وسط قمع واسع واعتقالات، مع رفض يساري متزايد لعضوية تركيا في Nato. اكتشف تفاصيل الأزمة واحصل على رؤية بديلة الآن.
سياسة
Loading...
تجمع احتجاجي أمام محكمة وستمنستر في لندن يرفع علم فلسطين وأيرلندا مطالباً بدعم القضية الفلسطينية وحظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية.

الاتحاد الأوروبي يشدّد: أيرلندا تحظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية

أيرلندا تصدر قانوناً يحظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، تأكيداً على دعمها للقانون الدولي وحقوق الفلسطينيين. اكتشف تفاصيل القرار وتأثيره الآن.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية