مواجهة الظلم النسائي في فيلم رعب مختلف
في مهرجان Toronto الدولي للأفلام، تقدم Anna Biller فيلم رعب مختلف يسلط الضوء على ظلم المرأة عبر قصة مأساوية من العصور الوسطى تعكس واقع النساء اليوم، متحدية توقعات جمهور الرعب التقليدي. قراءة عميقة ومؤثرة على وورلد برس عربي.

في مهرجان Toronto الدولي للأفلام، حيث تُقدَّم أفلام الرعب عادةً كوليمةٍ للأدرينالين والصرخات، اختارت المخرجة Anna Biller أن تُقدّم شيئاً مختلفاً تماماً: فيلماً يُلاحق الروح لا القلب النابض، ويُشخّص الظلم لا الوحش. "The Face of Horror"، الفيلم الثالث في مسيرتها بعد "Viva" عام 2007 و"The Love Witch" عام 2016، عُرض ضمن قسم Midnight Madness في دورة 2026، فأثار ردود فعلٍ متباينة تكشف، ربّما أكثر من الفيلم نفسه، عن طبيعة العلاقة المتوترة بين السينما النسائية الجادة وجمهور الرعب التقليدي.
قصّة يابانية في إنجلترا القرن الرابع عشر
يستعير الفيلم روحه من "Yotsuya Kaidan"، الحكاية اليابانية الشهيرة عن الشبح، لكنّه يُرحّلها إلى إنجلترا القرن الرابع عشر في قالبٍ بصري مُحكم يمتدّ قرابة ساعتَين. تلعب Kristine Froseth دور Eleanor، وتُجسّد Ellie Bamber شخصية Beatrice، فيما يؤدّي Jonah Hauer-King دور الفارس. الحكاية في جوهرها مأساة: امرأةٌ تُعاني، ومجتمعٌ لا يرى معاناتها، وظلمٌ يتوارثه الزمن دون أن يُسمّى.
لكنّ Biller لا تُقدّم هذه المأساة كدرسٍ تاريخي بارد. تقول بوضوح: "في هذا الفيلم، ثمّة كراهيةٌ للمرأة في العصور الوسطى لا تبدو مختلفةً كثيراً عن كراهية المرأة في عصرنا الحديث أحياناً." ثم تُضيف: "يمكننا أن نتحدّث عنها في حكاية شعبية وسيطة عن الأشباح، وأن نشعر بها في الوقت ذاته."
هذا الانزياح الزمني من اليابان إلى إنجلترا، ومن القرون الوسطى إلى الحاضر ليس مجرّد خيارٍ جماليّ. إنّه الرهان الفكري للفيلم كلّه: أنّ الألم الذي تحمله Eleanor ليس أثراً أثرياً، بل مرآةٌ لما تعيشه نساءٌ حقيقيّات اليوم.
حين يرفض الجمهور أن يشعر
ردود الفعل في TIFF لم تكن دافئةً بالكامل، وBiller تعرف السبب جيّداً. "لستُ متأكّدة أنّه كان الجمهور المناسب تماماً. أعتقد أنّهم أرادوا شيئاً أكثر دموية"، قالت بعد العرض. لكنّها لا تكتفي بهذا التفسير السطحي، بل تذهب إلى ما هو أعمق: "أعتقد أنّهم يعرفون في الحقيقة اللعبة التي أمارسها. يستاؤون، بطريقةٍ ما، من اضطرارهم للجلوس أمام فيلمٍ نسائي فيلمٌ فنّي جادّ، قد لا يكون ما يشاهدونه عادةً. أنا أُعطيهم كلّ مظاهر شيءٍ أخفّ وطأةً، لكنّهم يجدون أنفسهم أمام شيءٍ أثقل."
هذا التوتر بين السطح والعمق هو ما يُعرّض أفلام Biller دائماً لتصنيفٍ تراه هي إقصاءً لا وصفاً. حين يُطلق عليها البعض كلمة "camp"، تردّ بحزم: "هناك كلمات تتوقّف عن كونها وصفاً وتتحوّل إلى رفض." وتُفضّل كلمة "humor" لأنّ في أعمالها فعلاً فكاهةً مقصودة، "لكنّ 'camp' أشعر أنّها فشلٌ في الجدّية."
والأشدّ وطأةً في تحليلها هو ما تصفه بـ"الدفاعية" لدى بعض محبّي الرعب: "كأنّهم يقولون: 'رجاءً لا تأخذوا هذا بجدّية، لأنّنا إن فعلنا، فهذا يُدين الرجال.' وأعتقد أنّ محبّي الرعب تحديداً، ترفيههم آمنٌ جداً لأنّهم لا يرون فيه أبداً أيّ محاسبةٍ للرجال على أيّ شيء."
وفي مكانٍ آخر من حديثها، تُلخّص ما تراه غياباً حقيقياً: "انعدام التعاطف مذهل. أرى النساء يعانين وأشعر بذلك. أرى الظلم الذي تتعرّض له المرأة كلّ يومٍ واحدٍ ولا يُتحدَّث عنه. إنّها مشكلةٌ حقيقية في حياة النساء."
من الإبرة والخيط إلى فريق كامل
لفهم ما يعنيه "The Face of Horror" لـBiller، لا بدّ من استحضار "The Love Witch". في ذلك الفيلم، أمضت أكثر من عامَين تخيط الأزياء بيدها بسبب ضيق الميزانية. تقول عن تلك التجربة: "لستُ مهووسةً بالسيطرة وأحتاج أن أفعل كلّ شيء. الأمر ليس كذلك. لكنّني دقيقةٌ للغاية فيما أريده أن يبدو عليه، ولن أقبل أزياءً رديئةً مروّعة فقط لأنّني لا أستطيع تحمّل تكلفة الجيّدة. وإن كنتِ تستطيعين صنعها بنفسك، فكلّ ما يكلّفك هو القماش."
في "The Face of Horror"، كان ثمّة فريقٌ كامل للأزياء يضمّ قاطعين ومشكّلين وخيّاطين. وتصف هذه التجربة بدفءٍ واضح: "كانت المرّة الأولى، أعتقد، التي أعمل فيها على فيلمٍ يُنجز كما تُنجز الأفلام عادةً، وكان ذلك رائعاً حقاً. استمتعتُ بذلك كثيراً."
لكنّ سنوات العمل في كلّ أقسام الإنتاج تركت أثرها الإيجابي أيضاً: "ما يحدث حين تعملين في كلّ قسمٍ بنفسك هو أنّك تعرفين تماماً ما هي وظيفة كلّ شخص. أفهم مدى صعوبة ما يفعلونه وما يحتاجونه، وما يحتاجونه منّي تحديداً." وعن الممثّلين تقول: "الممثّلون يحتاجون أن يصنعوا شخصياتهم بأنفسهم. أنا لا أصنع تلك الشخصيات لهم. لا أُملي على أحدٍ كيف يؤدّي. لا أُملي حتى الأسلوب."
وفي لحظةٍ وصفتها بأنّها من أكثر لحظات التصوير تأثيراً، حين انتهت مشهدٌ بالغ الثقل مع Kristine Froseth، قالت: "كنّا كلتانا نبكي لأنّه كان لحظةً استثنائية."
رواية من رماد مشروع لم يُولد
قبل "The Face of Horror"، كانت Biller تعمل على مشروعٍ مختلف: "Bluebeard's Castle"، سيناريو وصفته بأنّه كان قوياً، وأنّ كثيرين عرفوا ذلك، لكنّ التمويل لم يأتِ. "الجميع كانوا معجبين وقالوا إنّهم يعتقدون أنّني عبقرية وأنّهم يريدون العمل معي في شيءٍ آخر. ثم لم يحدث ذلك مع أيّ أحد." وتُضيف بمرارةٍ هادئة: "كان سيناريو جيّداً حقاً، وكثيرون عرفوا أنّه كذلك، لكنّ السبب هو أنّ عملي يقع في هذه الفئة التي لا تنتمي إلى أيّ مكان."
وصلت إلى حافّة الاستسلام: "كنتُ على وشك الاستسلام. فكّرتُ أنّني إن لم أستطع إنجاز هذا، سأتوقّف ببساطة." لكنّها لم تتوقّف حوّلت السيناريو إلى روايتها الأولى، وواصلت.
أمّا "The Face of Horror"، فلا يزال يبحث عن موزّعٍ أمريكي. وهذا البحث ذاته فيلمٌ بهذا الطموح البصري والفكري يجول أروقة السوق بحثاً عن من يُؤمن به ليس تفصيلاً إدارياً. إنّه السؤال الذي تطرحه Biller في كلّ فيلمٍ تصنعه: ما الذي نختار أن نحفظه؟ وما الذي نتركه يضيع؟ تقول عن نفسها: "أنا أحاول فقط أن أكون رسولةً أميناً." السؤال هو: هل ثمّة من يريد استقبال الرسالة؟
أخبار ذات صلة

Tenzing: رحلةٌ استثنائية تصعد بالمشاهد إلى إيفرست مع أوّل رجلَين فتحا قمّتها — أحدهما شيربا أغفلته الذاكرة

بلومهاوس وأتوميك مونستر توقعان اتفاقية إنتاج أفلام قصيرة مع صانعة الرعب هيدي وونج

الذكاء الاصطناعي والحداد: 'Talk to Me When You Are Dead' يستكشف حدود الحياة الرقمية بعد الموت
