استثمارات أبوظبي في الغاز تغير قواعد الطاقة الإقليمية
أدنوك تستثمر 8 مليارات دولار لتوسيع إنتاج الغاز وتصديره عبر مشاريع جديدة تتجاوز مضيق هرمز وسط توترات إقليمية مع انسحاب الإمارات من أوبك ورفع طاقتها الإنتاجية لتعزيز دورها في السوق العالمي وورلد برس عربي.

شكّلت الإعلانات التي أطلقتها شركة أبوظبي الوطنية للنفط (Adnoc) يوم الاثنين نقطةَ بياناتٍ لافتة في سياقٍ أوسع: استثمارٌ بقيمة 8 مليارات دولار لتوسيع أعمالها في قطاع الغاز، في خطوةٍ تعكس تسارعاً استراتيجياً واضحاً بعد انسحاب الإمارات من تحالف أوبك بقيادة المملكة العربية السعودية.
وأعلنت Adnoc أنها تعتزم إنشاء وحدة جديدة لمعالجة الغاز الطبيعي المحلي في منشأة هبشان، أكبر مرافق معالجة الغاز في الدولة، إلى جانب منشأة تصدير غاز جديدة في الرويس. وهذان المشروعان وحدهما يكشفان عن توجّهٍ نحو رفع الطاقة الإنتاجية والتصديرية بصورةٍ منهجية، لا مجرّد استجابةٍ تكتيكية لظروف السوق الآنية.
غير أنّ الإشارة الأضعف وربّما الأكثر دلالةً جاءت في تصريحاتٍ منفصلة. فقد أفاد Peter van Driel، المدير المالي لشركة Adnoc Gas، لوكالة Bloomberg يوم الاثنين، بأنّ الشركة تدرس إنشاء منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المُسال (LNG) خارج مضيق هرمز وهي منشأةٌ إضافية تُضاف إلى ما يُشيَّد حالياً في الرويس، الذي يُراد منه أكثر من مضاعفة الطاقة التصديرية لتبلغ نحو 15 مليون طنٍّ سنوياً.
هرمز: الضغط الجيوسياسي يُعيد رسم الخرائط
ما يمنح هذه القرارات ثقلها الحقيقي هو السياق الإقليمي المحيط بها. فقطر، القوّة الكبرى في تصدير الغاز الطبيعي المُسال في المنطقة، أعلنت القوّة القاهرة (Force Majeure) على شحنات LNG عبر مضيق هرمز خلال فصل الخريف، وذلك جرّاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. ويعتمد الاقتصاد القطري اعتماداً شبه كاملٍ على السفن لنقل الغاز في صورته المُسالة عبر هذا المضيق.
وعلى الرغم من استئناف قطر بعض شحنات LNG عقب التمديد الأمريكي الإيراني لاتفاق وقف إطلاق النار في يونيو، فإنّ السفن القطرية تعرّضت لهجماتٍ خلال عبورها المياه الإقليمية العُمانية في الأشهر الأخيرة. وتمرّ عبر مضيق هرمز نحو 25% من إجمالي الطاقة العالمية المُنقلة بحراً و هو رقمٌ يجعل أيّ اضطرابٍ في هذا الممرّ حدثاً ذا أثرٍ نظامي يتجاوز المنطقة.
أمّا الإمارات، فقد تعرّضت سفنها بدورها لضرباتٍ إيرانية، لكنّها انتهجت نهجاً أكثر قبولاً للمخاطر، إذ واصلت إرسال ناقلاتها عبر المضيق مع إيقاف إشارات التتبّع. وفي يونيو، نقلت وكالة Reuters أنّ الإمارات دفعت لإيران مليارات الدولارات مقابل وقف الهجمات على سفنها في تحوّلٍ لافت لدولةٍ كانت قد شاركت في عشرات الضربات على إيران إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل خلال فترة الحرب.
البنية التحتية لتجاوز هرمز: رهانٌ طويل الأمد
ما قد لا يظهر في العنوان هو أنّ استثمار Adnoc في الغاز يندرج ضمن منظومةٍ أشمل من مشاريع تجاوز مضيق هرمز، تشمل الإمارات وجيرانها على حدٍّ سواء.
فالإمارات تمتلك بالفعل خطّ أنابيب نفطٍ يصل إلى ميناء الفجيرة خارج المضيق، وهو ما أتاح لها مواصلة تصدير النفط في وقتٍ تجد فيه الكويت والبحرين نفسيهما عملياً خارج السوق. وقد رفعت الإمارات إنتاجها النفطي إلى مستوىً قياسي في يونيو، بلغ 4.1 مليون برميلٍ يومياً وفق تقرير وكالة الطاقة الدولية (IEA) الصادر في يوليو. والآن تبني الإمارات خطّ أنابيب ثانياً نحو الفجيرة، يُضاعف طاقتها التصديرية بحلول عام 2027.
وعلى المنوال ذاته، تمتلك المملكة العربية السعودية خطّ الأنابيب الشرقي-الغربي الذي يتجاوز هرمز عبر البحر الأحمر. فيما وقّق العراق ثاني أكبر منتجٍ في أوبك في يوليو اتفاقيةً مع سوريا لإعادة تأهيل خطّ أنابيب يربط حقول نفطه الشمالية بالساحل السوري على المتوسط، في مشروعٍ كشف عنه أوّلاً مع الإشارة إلى دعمٍ أمريكي له.
وقد لخّص Artem Abramov، نائب رئيس التحليل في شركة Rystad Energy، هذا التوجّه بعبارةٍ مباشرة في تصريحاتٍ سابقة : «حين نتحدّث إلى عملائنا في المنطقة، يقولون إنّهم لا يريدون أن يمرّوا بهذا مجدّداً. هذه المشاريع البديلة ستمضي قُدُماً». وقدّر الخبراء أنّ عشرات المليارات من الدولارات ستُضخّ في بنيةٍ تحتية جديدة خلال السنوات المقبلة لتجاوز هرمز.
الانسحاب من أوبك: الإشارة الأعمق
يبقى السياق الهيكلي الأبعد أثراً هو انسحاب الإمارات من أوبك في مايو 2026. فأبوظبي استثمرت بكثافةٍ في رفع طاقتها الإنتاجية على مدار سنوات، لكنّها اشتكت مراراً من أنّ المملكة العربية السعودية في سياق دعم الأسعار كانت تحول دون استغلالها الكامل لهذه الطاقة. الانسحاب من التحالف يُزيل هذا القيد رسمياً، ويُتيح لأبوظبي ترجمة استثماراتها المتراكمة إلى إنتاجٍ وتصديرٍ فعليين دون سقفٍ مفروض.
ثلاثة سيناريوهات تستحقّ الرصد في ضوء هذه المعطيات:
الأرجح: تمضي مشاريع Adnoc في الغاز وفق جداولها الزمنية، وتُكمل الإمارات خطّ الأنابيب الثاني نحو الفجيرة بحلول 2027، مع استمرار التوتّر في مضيق هرمز عند مستوياتٍ يمكن إدارتها دون تصعيدٍ حادّ.
المحتمل: تتسارع وتيرة مشاريع تجاوز هرمز إقليمياً إذا تجدّدت الهجمات على ناقلات الطاقة، ما يدفع المستثمرين نحو تسعير علاوة مخاطر هيكلية دائمة على إمدادات الخليج المارّة بالمضيق.
الأقلّ احتمالاً: تفضي المفاوضات الأمريكية الإيرانية حول وضع هرمز إلى اتفاقٍ يُعيد فتح المضيق بضماناتٍ دولية، فيتراجع الزخم التجاري لمشاريع التجاوز لكنّ البنية التحتية المُنجزة ستبقى رصيداً استراتيجياً بصرف النظر عن مآلات التفاوض.
أخبار ذات صلة

حريقٌ ضخمٌ في مصفاة أرامكو بجيزان وسط ادّعاءات حوثية بهجومٍ بطائرة مسيّرة

الطريق النفطية الأخيرة للسعودية تحت ضغط الحوثيين

مستويات الدانوب التاريخية تدفع دول أوروبا الشرقية نحو أزمة طاقة
