تصعيد الصراع في بحر قزوين يهدد الأمن الإقليمي
رحلة نيما مورادي البحرية تنتهي بهجوم طائرة مسيّرة أوكرانية على سفينته في بحر قزوين وتصاعد التوتر بين إيران وأوكرانيا وسط اتهامات لإسرائيل. قراءة في تداعيات الحادث وتأثيره على الصراعات الإقليمية والدولية في وورلد برس عربي.

نيما مورادي، بحّارٌ إيراني يبلغ من العمر 23 عاماً، كان يخوض رحلته البحرية الأولى على متن السفينة التجارية Anna في بحر قزوين، وهي تحمل شحنة حديد من روسيا إلى إيران.
كان مورادي من مدينة بندر أنزلي الساحلية في شمال إيران، وحلم منذ طفولته بأن يصبح بحّاراً.
في 25 يوليو، ضربت طائرة مسيّرة أوكرانية بعيدة المدى السفينةَ التي كان على متنها، فلقي مورادي حتفه في الهجوم، وأُصيب بحّارٌ آخر.
كتب والده مسعود على وسائل التواصل الاجتماعي: «يا ابني، لا أستطيع أن أصدّق حجم الحزن الذي يجلبه غيابك لقد تركتني... نحن في ألمٍ لا دموع تُعبّر عنه».
في أعقاب الحادثة، وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الهجومَ بأنّه «انتهاكٌ صريح لميثاق الأمم المتحدة، نُفِّذ بإيعازٍ من إسرائيل لجرّ أوروبا إلى حربها».
غير أنّ إسرائيل آثرت الصمت إزاء هذه الضربة.
وكانت إيران قد أعلنت عزمها الردّ، وأفادت التقارير بأنّها كانت تعتزم شنّ هجمات بصواريخ باليستية على ثلاثة مواقع في أوكرانيا. وقد جرى تفادي مزيدٍ من التصعيد في الوقت الراهن إثر اعتذار كييف، وإن كانت طهران لا تزال تطالب بتعويضات مالية عن الهجوم المميت.
حربان تتقاطعان
بحسب تريتا بارسي، نائب رئيس معهد Quincy Institute for Responsible Statecraft، لم يكن الهجوم الأوكراني على السفينة الإيرانية مفاجئاً تماماً.
قال بارسي : «كانت روايات تتشكّل على الجانب الأوكراني منذ فترة، تُصوّر إيران وروسيا على أنّهما في خندقٍ واحد تماماً، وتنظر إلى الحربين باعتبارهما حرباً واحدة».
وأضاف أنّ ثمّة استياءً أوكرانياً من أنّ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران سرقت الاهتمام والموارد من الصراع الأوكراني مع روسيا.
وقال بارسي: «كان الأوكرانيون يعلمون منذ البداية أنّ تلك الحرب ستكون على حسابهم. لدينا أمثلة على ذكائر وبطاريات Patriot أُرسلت إلى أوكرانيا ثم سُحبت منها وأُعطيت للإسرائيليين».
ويرى بارسي أنّ احتمال انزلاق إيران إلى حربٍ مع أوكرانيا لا يزال قائماً.
و أوضح: «لا أعتقد أنّ إيران تخلّت فعلاً عن فكرة الردّ. أظنّها تضع الأمر في حالة تأجيلٍ لأنّها منشغلة بملفّات أخرى. لا تريد أن تقع في فخٍّ إذا ردّت على أوكرانيا الآن».
ويرى بارسي أنّ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كان يراهن على دمج حرب روسيا وأوكرانيا مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وقال: «لا أعتقد أنّ أوكرانيا تسير بشكلٍ جيّد في الوقت الراهن. الرواية الإعلامية تقول إنّها تنتصر، لكنّني لا أرى مؤشّراتٍ واضحة على ذلك».
وأضاف: «بسبب هشاشة موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحرب على إيران، وجد الأوكرانيون فرصةً ليقولوا له: 'يمكننا مساعدتك هنا إذا ساعدتنا في أوكرانيا'. الفائدة من دمج الحربين هي أنّه يجرّ الولايات المتحدة إلى الحرب الأوكرانية، وهذا ما أرادته أوكرانيا منذ البداية لكنّه بالطبع آخر ما تريده إيران».
وقد رفضت الولايات المتحدة باستمرار الانزلاق إلى مواجهةٍ مباشرة مع روسيا؛ فقد رفض الرئيس الأسبق Joe Biden مطالب أوكرانيا بنشر قوّاتٍ برية أمريكية وإرسال مقاتلات F-16، فضلاً عن رفضه فرض منطقة حظر جوي فوق أراضيها.
لكنّ الأوكرانيين بضربهم السفينة التجارية الإيرانية يسعون إلى تقديم أنفسهم بوصفهم ورقةً رابحة للولايات المتحدة في حربها على إيران.
وقال بارسي: «يحاول الأوكرانيون تقديم النوع ذاته من التصعيد الأفقي الذي وظّفته إيران بفاعليةٍ ضدّ الولايات المتحدة حين ضربت عدداً من دول مجلس التعاون الخليجي. يمكنهم مساعدة الولايات المتحدة في فتح جبهةٍ جديدة في بحر قزوين شمال إيران، وتصعيد الضغط بما يُرهق الإيرانيين، مع إثبات الدور الذي يمكنهم أداؤه لصالح واشنطن».
إعادة تأطير الحرب الإسرائيلية على إيران
لا يقتصر الاستفادة من دمج الحربين على أوكرانيا وحدها، بل يمتدّ ليشمل إسرائيل أيضاً وفق ما يرى بارسي.
وأوضح: «أوّلاً، سيُطيل أمد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما تسعى إسرائيل إليه باستمرار. كما سيجرّ الأوروبيين إلى الحرب بصورةٍ لم يكونوا فيها حتى الآن، وهو ما سيُرضي إسرائيل أيضاً».
وأضاف: «لكنّ الأهمّ ربّما هو أنّه سيمنح الإسرائيليين فرصة إعادة تأطير الحرب فهزيمة إيران لن تكون حينئذٍ دفاعاً عن إسرائيل، بل دفاعاً عن أوكرانيا. وبالنظر إلى مدى تراجع مكانة إسرائيل في الرأي العام الأمريكي في مقابل الدعم الشعبي الواسع الذي لا تزال أوكرانيا تحظى به، فإنّ هذا التأطير سيُخفّف من مركزية إسرائيل في هذه الحرب».
وإسرائيل ليست غريبةً عن منطقة بحر قزوين؛ ففي يونيو الماضي ومارس من هذا العام، ضربت أصولاً بحرية إيرانية ومنشآت عسكرية في تلك المنطقة.
وقال بارسي: «لن يكون الأمر سابقةً غير مسبوقة إذا تحوّل بحر قزوين إلى جبهةٍ في هذه الحرب، لكنّ ثمّة فارقاً في طريقة إدارة الحرب خلال الأسابيع الأخيرة. وسيكون الأمر مختلفاً بالتأكيد إذا دخلت أوكرانيا بقدراتها في الطائرات المسيّرة بعيدة المدى».
وأضاف: «إذا حمل هذا الصراع الاسم الأوكراني، فسيكون لذلك ثقلٌ كبير في أوروبا. الأوروبيون غاضبون أصلاً من إيران بسبب دعمها لروسيا في الصراع الأوكراني».
روسيا وإيران: من الريبة إلى البراغماتية
لم تكن روسيا وإيران حليفتين دائماً على مرّ التاريخ.
في القرن التاسع عشر، فقدت إيران ما يقارب خُمس أراضيها جرّاء التوسّع الروسي الإمبراطوري الذي استولى على منطقة جنوب القوقاز.
وتحدّدت العلاقات في القرن العشرين من خلال طريقة تعامل البلدين مع التحدّيات المشتركة والتحوّلات في النظام الدولي، وفق ما تشرح البروفيسورة لانا رافاندي-فدايي، رئيسة مركز الثقافات الشرقية في معهد الدراسات الشرقية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم.
وقالت رافاندي-فدايي: «ظلّت روسيا في الذاكرة التاريخية الإيرانية لفترةٍ طويلة ليست شريكاً، بل قوّةً عظمى تقع على مقربةٍ غير مريحة من الحدود الإيرانية، وتدخّلت مراراً في شؤون البلاد الداخلية».
خلال الحرب العالمية الثانية، غزا الاتحاد السوفيتي والبريطانيون إيران لتأمين خطّ إمداد للمساعدات العسكرية الغربية، ومنع ألمانيا النازية من السيطرة على حقول النفط في المنطقة.
وأوضحت رافاندي-فدايي: «رغم أنّ إيران أعلنت رسمياً الحياد في الحرب، كانت قيادتها تعزّز علاقاتها مع ألمانيا التي نظرت إلى طهران بوصفها 'قوّةً ثالثة' محتملة قادرة على موازنة النفوذ البريطاني والسوفيتي».
في عهد محمد رضا بهلوي (1941-1979)، انحازت إيران أكثر نحو الغرب، لا سيّما بعد الانقلاب الذي دبّرته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) وأطاح بحكومة محمد مصدّق عام 1953، وأعاد الشاه إلى السلطة.
وعلى الرغم من نظرة الشاه إلى الاتحاد السوفيتي بوصفه تهديداً في البداية، تغيّر موقفه منذ ستينيات القرن الماضي.
وقالت رافاندي-فدايي: «ظلّ حليفاً للولايات المتحدة، لكنّه في الوقت ذاته طوّر التعاون الاقتصادي مع الاتحاد السوفيتي. شارك الاتحاد السوفيتي في إنشاء مصانع الصلب في أصفهان وأسهم في تطوير البنية التحتية الهندسية والتعدينية والطاقوية في المقابل، كانت إيران تزوّده بالغاز الطبيعي».
بعد الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، ساءت العلاقات بين البلدين، إذ وصف المرشد الأعلى روح الله الخميني روسيا بـ«الشيطان الأصغر» في حين كانت أمريكا «الشيطان الأكبر» وإسرائيل «الشيطان الصغير».
وقالت رافاندي-فدايي: «نظرت قيادة الجمهورية الإسلامية إلى الرأسمالية الليبرالية والشيوعية السوفيتية الإلحادية على حدٍّ سواء بوصفهما غريبتين عن النموذج الإسلامي».
عارضت إيران أيضاً الغزو السوفيتي لأفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، غير أنّها كانت في تلك المرحلة تخوض حرباً مع العراق الذي كان الاتحاد السوفيتي يزوّده بالأسلحة في عهد الرئيس العراقي آنذاك صدّام حسين، وهو ما أثار قلق موسكو.
وقالت رافاندي-فدايي: «في موسكو، تصاعدت المخاوف من أنّ سقوط نظام صدّام قد يؤدّي إلى انتشار النموذج الثوري الإيراني في العالم العربي وزعزعة التوازن الإقليمي».
نقطة التحوّل
شكّلت رئاسة أكبر هاشمي رفسنجاني (1989-1997) منعطفاً في العلاقات الإيرانية السوفيتية.
وقالت رافاندي-فدايي: «في عام 1989، زار رفسنجاني موسكو حيث أُبرمت اتفاقياتٌ كبرى في مجالات التعاون العسكري والتقني والاقتصادي. وقد مثّل ذلك تحوّلاً مهمّاً من السياسة الخارجية الثورية الأيديولوجية نحو نهجٍ أكثر براغماتيةً في التعاون مع الشرق».
واستمرّ التقارب بين البلدين في العقود التالية؛ إذ شكّلا تحالفاً عسكرياً لمنع انهيار حكومة بشّار الأسد في سوريا عام 2015، كما انحازت إيران إلى جانب روسيا في الحرب الأوكرانية، وزوّدتها بتقنية طائرات Shahed المسيّرة.
وجاء توقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة لعشرين عاماً بين إيران وروسيا العام الماضي ليُرسّخ هذا التعاون رسمياً، بما يشمل الملفّات العسكرية والأمنية.
وقالت رافاندي-فدايي: «تسعى موسكو وطهران إلى التكيّف مع نظامٍ دولي متعدّد الأقطاب تسعى فيه الدول إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية والسياسية».
وقد واجهت روسيا وإيران كلتاهما العزلة الدولية وتداعيات العقوبات الغربية. وبهذا المعنى، تمثّل المعاهدة شراكةً براغماتية بين قوّتين إقليميتين كبيرتين اضطرّتا إلى تقليص اعتمادهما المالي والسياسي على الغرب، وفق ما ترى رافاندي-فدايي. وربّما أسهمت المعاهدة أيضاً في دفع Trump نحو قرار الحرب على إيران بعد أشهرٍ قليلة من توقيعها.
الحرب على المسطّحات المائية
أتاح كلٌّ من مضيق هرمز وبحر قزوين لإيران نفوذاً استراتيجياً كبيراً في حرب هذا العام.
فبإغلاق مضيق هرمز، تمكّنت إيران من تعطيل التجارة العالمية بشكلٍ حادّ، ورفع أسعار الطاقة، واستهداف الأصول العسكرية الأمريكية في المنطقة.
أمّا بحر قزوين فهو جزءٌ من منظومة الصمود الإيرانية، أي ركيزةٌ أساسية في درعها الدفاعي في مواجهة التهديدات الغربية.
وهو أكبر مسطّحٍ مائي داخلي في العالم، تتشارك فيه خمس دول: إيران وروسيا وأذربيجان وكازاخستان وتركمانستان.
وبموجب اتفاقية عام 2018 بشأن الوضع القانوني لبحر قزوين، يُحظر على الدول الخارجية إقامة أيّ وجودٍ عسكري فيه.
يضمّ البحر أيضاً حقولاً نفطيةً وغازية بحرية ضخمة، إلى جانب موانئ وأنابيب تربط آسيا الوسطى بالأسواق العالمية.
علاوةً على ذلك، يُشكّل مجالاً مهمّاً للتعاون في قطاع الطاقة والتجارة بين إيران وروسيا، اللتين استخدمتا هذا الممرّ المائي للتحايل على العقوبات الغربية والحصارات العسكرية.
وقالت رافاندي-فدايي: «على مرّ القرون، كان يؤدّي في آنٍ واحد دور الحدود وطريق التجارة وساحة التنافس الاستراتيجي. إنّه جسرٌ جيوسياسي يربط أوروبا بالشرق الأوسط وآسيا من يسيطر على خطوط النقل الكبرى عبر القزوين يحصل على مزايا اقتصادية وسياسية هائلة».
وأضافت: «في حين أنّ امتداد الصراع الأوكراني إلى منطقة بحر قزوين، حتى في حوادث معزولة، لا يعني بالضرورة اندماج الحربين في صراعٍ واحد، إلّا أنّه ينبغي أن يُؤخذ تحذيراً: نحن نشهد توسّعاً في جغرافيا عدم الاستقرار».
تجاوز مضيق هرمز
بالنسبة لبارسي، يوفّر بحر قزوين لإيران ودولٍ أخرى مساراً بديلاً للتحايل على حالة عدم اليقين في مضيق هرمز.
وقال: «من بين ما أفرزته هذه الحرب أنّ دولاً أخرى باتت تُنشئ خطوط أنابيب تتجاوز هرمز، والإيرانيون بدورهم يستثمرون في السكك الحديدية وسائل نقل أخرى للتجارة مع الصين والشرق عبر آسيا الوسطى».
وأضاف: «أعتقد أنّنا سنشهد تشكّل منظومة سلاسل إمداد ستُقلّص الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز — الأمر سيستغرق من 10 إلى 15 عاماً ليكون فعّالاً، لكنّه لن يكون مدفوعاً من دولٍ أخرى فحسب، بل من الإيرانيين أنفسهم الساعين إلى تنويع سلاسل إمدادهم وتقليص هشاشتهم أمام أيّ محاولاتٍ أمريكية لخنقهم».
ورغم الأفضليات الاستراتيجية التي يمنحها هذان الممرّان المائيان لإيران، يرى بارسي أنّهما وحدهما لن يكفيا لإدامة زخمها في هذه الحرب.
وقال: «نعم، تمكّنت إيران من إلحاق هزيمةٍ استراتيجية بإسرائيل والولايات المتحدة في هذه الحرب، لكنّ على المدى البعيد، إذا كانت إيران لا تستطيع التجارة إلّا مع روسيا والصين وعددٍ محدود من الدول الآسيوية، فلن يكون ذلك كافياً لتحقيق إمكاناتها الكاملة أو لإعداد نفسها لأيّ مواجهةٍ مستقبلية مع الولايات المتحدة أو إسرائيل».
وأضاف: «من هذا المنظور، يُعدّ رفع العقوبات ضرورةً حتمية من وجهة النظر الإيرانية، ليس فقط لتنمية اقتصادها، بل لاستعادة منظومة دفاعها وقدرتها على الردع».
وبعد أيامٍ قليلة من الهجوم على السفينة الإيرانية في بحر قزوين، شنّت إيران هجوماً بطائراتٍ مسيّرة على مدينة دمياط المصرية الساحلية، وهو ما يعدّه بارسي محاولةً إيرانية لاستعراض قدراتها في الحرب غير المتماثلة.
وقال: «كان ذلك على الأرجح يهدف إلى ردع الولايات المتحدة عن المضيّ في مسار التصعيد في بحر قزوين، وإظهار أنّ إيران تمتلك إمكاناتٍ تصعيدية أوسع بكثير وهو ما دفع المخطّطين في واشنطن إلى التوقّف والتفكير، لأنّ هذا تصعيدٌ مختلف تماماً، يتجاوز بمراحل مجرّد إعادة بحر قزوين إلى دائرة الصراع».
أخبار ذات صلة

هجوم بدرون أوكراني على مركز نفطي روسي يسفر عن 13 قتيلاً

ضربات القرم قد تتضاعف سبع مرات إذا تسارعت الأموال الغربية، يقول قائد الطائرات بلا طيار الأوكراني

روسيا وأوكرانيا تتبادلان ضرباتٍ ليليةً تخلّف 7 قتلى وعشرات الجرحى
