وورلد برس عربي logo

الانتفاضة بين المقاومة وتحريف المعنى السياسي

في فرنسا وأماكن أخرى تحوّل كلمات المقاومة مثل انتفاضة وفلسطين إلى أدوات قمع قانونية وسياسية تستهدف معارضي الاحتلال الإسرائيلي. تعرف على كيف تُستخدم اللغة كسلاح لفرض رواية واحدة في وجه الحقيقة في وورلد برس عربي.

امرأة تحمل لافتة مكتوب عليها "إنقاذ الأرواح ليس إرهاباً" خلال مظاهرة مؤيدة لفلسطين، مع وجود شرطة بريطانية في الخلفية.
أوقف ضابط شرطة مؤيدًا لحركة فلسطين خلال احتجاج "دافعوا عن محلفينا" أمام محكمة وستمنستر الجزئية في لندن بتاريخ 30 يوليو 2026 (صور سوپا عبر رويترز كونكت)
التصنيف:أوروبا
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في صباحٍ باكر من أحد أيام الأحد، تستيقظ على طرقٍ عنيف تدقّه عناصر الشرطة المسلّحة على بابك. يسلّمونك رسالةً رسمية: الدولة ستجمّد أصولك لستة أشهر إضافية، وتحرمك من الوصول إلى حساباتك المصرفية، وذلك لأنّك أعلنت جهاراً معارضتك للإبادة الجماعية.

تستشهد الرسالة بتغريدةٍ نشرتها قبل أشهر انتقدتَ فيها القصف الإسرائيلي والأمريكي على إيران، وبمقطعٍ مرئي لناشطٍ مؤيّد لفلسطين شاركته على وسائل التواصل الاجتماعي، وبمقالٍ لمؤرّخ أكاديمي أعدتَ نشره. هذه الأفعال، تشرح الرسالة، دليلٌ على أنّك لم تتبرّأ من قناعاتك «الجهادية».

يبدو هذا وكأنّه مقتطفٌ من روايةٍ خيالية بائسة، غير أنّه بات واقعاً يعيشه إلياس دي إمزالين (Elias d'Imzalene)، الناشط الفرنسي المؤيّد لفلسطين والعضو المؤسّس في مجموعة Urgence Palestine.

الجريمة التي يُتّهم بها دي إمزالين والتي أفضت إلى تقييد حركته وتجميد أصوله لأكثر من عام ليست «جريمة فكر» بالمعنى الذي صاغه جورج أورويل، بل هي جريمة كلام.

في سبتمبر 2024، خلال مظاهرةٍ ضد الإبادة الجماعية في باريس، استخدم دي إمزالين كلمة «انتفاضة» للإشارة إلى الحراك السلمي العالمي ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ذلك الحراك الذي لا يزال يتواصل في مدن شتّى حول العالم.

انتشر مقطع خطابه على نطاقٍ واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، وحين وصل دي إمزالين إلى قاعة المحكمة للدفاع عن نفسه وقد صدر بحقّه حكمٌ بالسجن خمسة أشهر في ديسمبر 2024، فيما نُظرت استئنافاته في يناير 2026 كان معنى كلمة «انتفاضة» قد تحوّل تحوّلاً جذرياً.

فبحسب المنظمات الصهيونية التي رفعت الدعوى ضدّه، لم تعد الكلمة تشير إلى ثورةٍ ضد المضطهِدين، بل حوّلوها إلى مصطلحٍ يدلّ على العنف المعادي للسامية.

المحو والسيطرة على اللغة

«الانتفاضة» ليست الكلمة الوحيدة التي أعادت منظماتٌ صهيونية تشكيل معناها.

في فبراير 2026، كتبت مجموعة الضغط الداعمة لإسرائيل UK Lawyers for Israel إلى المتحف البريطاني تطالبه بإزالة مصطلح «فلسطين» من بطاقات التعريف في قاعاته. زعمت المجموعة أنّ هذا المصطلح يمثّل «محواً» للتاريخ اليهودي و«قد يرقى إلى مستوى التحرّش» بالزوار اليهود أو الإسرائيليين. وقد امتثل المتحف للطلب.

جاءت هذه الرسالة في سياق حملةٍ ممنهجة كشف عنها لاحقاً تسعى إلى إعادة كتابة التاريخ وفرض روايةٍ تمنح الشرعية للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. استهدفت الحملة المتحفَ البريطاني والجامعات على حدٍّ سواء، بما فيها الجامعة التي أعمل فيها، وكان هدفها تحويل معنى المصطلحات.

مصطلحاتٌ من قبيل «فلسطين القديمة»، الموثّقة تاريخياً منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد على أقلّ تقدير، والمستخدمة على نطاقٍ واسع من قِبَل المؤرّخين المتخصّصين اليوم، باتت تُوصف في إطار هذه الحملة الصهيونية بأنّها «محوٌ معادٍ للسامية» للرواية التاريخية التي تفضّلها إسرائيل.

تتردّد هذه الأمثلة صدىً لمحاولاتٍ أخرى تهدف إلى التحكّم في معاني الكلمات لتضييق الخناق على معارضة الإبادة الجماعية الإسرائيلية.

عبارة «من النهر إلى البحر» مُنعت في مناطق عدة، من بينها ألمانيا وولاية كوينزلاند الأسترالية، بحجّة أنّها معادية للسامية رغم أنّها وردت في الميثاق التأسيسي لحزب Likud الذي أسّسه بنيامين نتنياهو عام 1977، وذلك في سياق الدفاع عن فكرة الدولة اليهودية الإثنية.

كذلك اعتُقل ما يقارب 3,000 شخص في بريطانيا بسبب رفعهم عبارة «أرفض الإبادة الجماعية، أدعم Palestine Action»، إثر تصنيف مجموعة العمل المباشر هذه منظمةً محظورة. وهذا الحظر، الذي يُطعن فيه حالياً أمام المحكمة العليا، حوّل Palestine Action إلى تنظيمٍ إرهابي في نظر القانون، وغيّر معنى العبارة لتصبح دعماً للإرهاب.

في كلّ هذه الأمثلة، نرى واحداً من أشدّ أسلحة الصهيونية فتكاً: السعي إلى التحكّم في معنى الكلمات.

كلمة «انتفاضة» متجذّرة في العربية وسائر اللغات للدلالة على المقاومة في وجه المضطهِدين من إضراب عمّال ميناء البصرة عام 1952، إلى الاحتجاج الإيرلندي المناهض للاستعمار البريطاني، والانتفاضتين الفلسطينيتين، وصولاً إلى انتفاضة المقاومة اليهودية ضد النازيين في ثورة وارسو عام 1943.

زعم أنّ «الانتفاضة» تعني العنف المعادي للسامية هو أن تجرّد الكلمة من طبقات معناها المتراكمة عبر عقودٍ من التداول والاستخدام، وتفرض عليها معنىً مختلفاً كلياً. وكما في سائر الأمثلة على الكلمات التي يُعاد توظيف معناها دفاعاً عن الإبادة الجماعية الإسرائيلية، تُشوَّه كلمة «انتفاضة» وتُعاد صياغتها لتصبح علامةً على معاداة السامية، فيتحوّل كلّ من ينطق بها إلى معادٍ للسامية بحكم التعريف.

الاستعمار بوصفه «تحرّراً»

قدرة الصهيونية على التحكّم في معاني الكلمات ليست وليدة اليوم. بل لعلّ أنجح عمليات التحويل التي أجرتها هي ما فعلته بكلمة «الصهيونية» ذاتها.

في كتابه الدولة اليهودية الصادر عام 1896، أوضح تيودور هرتزل أنّ الصهيونية مشروعٌ قائمٌ على التفوّق الأوروبي. وحين تداول هرتزل الخيار بين الأرجنتين وفلسطين لإقامة دولةٍ يهودية إثنية، رجّح كفّة فلسطين لأنّ دولةً يهودية هناك يمكن أن تشكّل «سدّاً منيعاً لأوروبا في مواجهة آسيا، وموقعاً متقدّماً للحضارة في مقابل الهمجية».

ورسم هرتزل ملامح «شركةٍ يهودية» على غرار شركات الاستعمار الأوروبية الكبرى، كشركة الهند الشرقية الهولندية وشركة إمبيريال بريتيش إيست أفريكا.

وقد أيّد صهيونيون آخرون هذا التوجّه؛ فقد روى حاييم وايزمان في سيرته الذاتية أنّه أخبر مؤتمر السلام في باريس عام 1919 بأنّ «ما استطاع الفرنسيون فعله في تونس... سيستطيع اليهود فعله في فلسطين»، فيما كتب فلاديمير جابوتينسكي صراحةً أنّ «الصهيونية مغامرةٌ استعمارية».

بيد أنّ معنى كلمة «الصهيونية» سرعان ما تحوّل من الاستعمار الأوروبي إلى التحرّر الوطني.

في رسالةٍ إلى ماكس نوردو، كتب هرتزل: «يجب أن يصبح البنك الاستعماري اليهودي في الواقع البنك الوطني اليهودي». وقد جرى تحوّلٌ مماثل في كثيرٍ من المنظمات الاستعمارية الأخرى؛ إذ أُعيدت تسمية جمعية الاستعمار اليهودية التي يسّرت هجرة المستوطنين من أوروبا الشرقية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلّة لتصبح الجمعية اليهودية الخيرية.

هكذا مُحيت الدلالة الاستعمارية لكلمة «الصهيونية»، وأُسبغ عليها معنىً جديد: إقامة ملاذٍ آمن على سبيل الخير والإحسان، وحركةُ تحرّرٍ وطني تسعى إلى تقرير المصير.

القول بأنّ أسلحة الصهيونية لغويةٌ أيضاً ليس تهويناً من خطرها التدميري. فما تعنيه الكلمات ليس شأناً يختصّ به الأكاديميون واللغويون في أبراجهم العاجية وهم يتصفّحون المعاجم والقواميس الاشتقاقية.

نحن نعيش لحظةً باتت فيها الكلمات قادرةً على القتل.

قدرة الصهيونية على التحكّم في معاني الكلمات كانت ركيزةً أساسية في تمكين إسرائيل من ارتكاب إبادتها الجماعية بحقّ الفلسطينيين. فقد أُعيدت كتابة التواريخ، وسُجن الناشطون، وفُرضت قيودٌ على الحريات بكلّ أشكالها على كلّ من يرفض الخضوع لمساعي الصهيونية في السيطرة على اللغة ذاتها.

لقد آن الأوان لأن ندرك جميعاً أنّ التحكّم في الكلمات سلاحٌ حقيقي. وآن الأوان لأن نتسلّح نحن أيضاً بلغةٍ نردّ بها.

أخبار ذات صلة

Loading...
علم ألبانيا يرفرف بين مجسمات طيور الفلامنغو الوردي في احتجاجات ثورة الفلامنغو ضد مشاريع السياحة الفارهة في ألبانيا.

ألبانيا: الشتات الإيطالي يعود للدعم الثورة الوردية

تنطلق قافلة بحرية من برينديزي لدعم ثورة الفلامنغو في ألبانيا ضد السياحة الفارهة وفساد استغلال الأراضي. انضم للناشطين واحجز مكانك في هذه الرحلة التاريخية الآن!
أوروبا
Loading...
مهاجرون يعبرون السواحل بالقرب من سياج حدودي في سبتة، في ظل تصاعد التوتر الدبلوماسي بين إسبانيا وإيطاليا حول أزمة الهجرة في أوروبا.

إسبانيا تفرض فحوصات حدودية على المسافرين الإيطاليين ردّاً على أزمة مهاجري سبتة

تصاعد التوتر بين إسبانيا وإيطاليا بسبب سياسات الهجرة وفرض قيود على المسافرين، ما يعكس تحديات الاتحاد الأوروبي في إدارة ملف الهجرة. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على الشتات العربي.
أوروبا
Loading...
مهاجرون ينتظرون في طابور طويل على شاطئ غرب البحر الأبيض المتوسط ضمن عملية تفكيك شبكة تهريب دولية بقيادة إسبانية.

شرطة إسبانية تفكك شبكة تهريب ضخمة في المتوسط وتعتقل 78 شخصاً

تمكّنت السلطات الإسبانية والأوروبية من تفكيك شبكة تهريب كبرى عبر غرب المتوسط تنقل المهاجرين والمخدرات بأساليب متطورة. اكتشف كيف تمت العملية وأبرز تفاصيلها الآن.
أوروبا
Loading...
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مؤتمر صحفي يعكس زيارة تاريخية إلى بلغراد وسط توترات دبلوماسية بين روسيا والاتحاد الأوروبي.

أوكرانيا زيلينسكي يقوم بأول زيارة لصربيا الصديقة لروسيا

زيارة زيلينسكي لبلغراد تبرز صراعًا دبلوماسيًا بين موسكو وبروكسل وسط حرب أوكرانيا. اكتشف كيف تحافظ صربيا على توازنها الحساس في خضم التوترات الإقليمية. تابع التفاصيل الآن.
أوروبا
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية