وورلد برس عربي logo

الصراع الاستراتيجي بين تحالفات الشرق الأوسط الجديدة

تقرير يكشف تحالف الإمارات وإسرائيل العسكري القوي مقابل اتفاقية مكة الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان التي تواجه تحديات في التنسيق. صراع نفوذ إقليمي يتجسد في تحالفات متباينة تؤثر على مستقبل المنطقة وورلد برس عربي.

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف خلال اجتماع اتفاقية مكة للدفاع المشترك.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف يجتمعون في مكة المكرمة، السعودية، في 7 أغسطس 2026 (صورة من مكتب الرئاسة التركية/وكالة فرانس برس)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في اجتماعٍ جرى هذا الصيف، أجرت الدبلوماسية الإماراتية الرفيعة Lanna Nusseibeh مشاورات مع مسؤولين من دولة أوروبية حليفة للولايات المتحدة. لم يكن اللقاء استثنائياً من حيث الشكل، غير أنه كان كاشفاً من حيث المضمون؛ إذ غادر المسؤولون الأوروبيون الاجتماع بانطباعٍ لا يقبل التأويل.

قال مسؤول أوروبي كان حاضراً في الاجتماع : «الإمارات منحازة كلياً إلى إسرائيل. الأمر واضح تماماً، وهذه الشراكة لا حدود لها».

هذا الوضوح يتناقض مع التساؤلات التي تدور في أروقة صنع القرار، من واشنطن إلى عواصم آسيا، حول اتفاقية مكة التي تجمع المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في إطار ميثاق دفاع مشترك، يراه كثيرون منافساً لشراكة الإمارات وإسرائيل.

لا يزال المسؤولون الغربيون والعرب يحاولون فهم مدى التنسيق الفعلي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، فضلاً عن تساؤلاتٍ أعمق حول قدرتهم على الوقوف جنباً إلى جنب في مواجهةٍ مسلّحة فعلية.

فما إن جفّ حبر اتفاقية مكة حتى شنّ الحوثيون في اليمن هجوماً على مصفاة جازان السعودية، ولم تتحرّك باكستان ولا تركيا للدفاع عن الرياض في مواجهة الجماعة المدعومة إيرانياً.

في المقابل، حين تعرّضت الإمارات لهجماتٍ بالطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية في وقتٍ سابق من هذا العام، سارعت إسرائيل إلى نشر بطاريات القبّة الحديدية (Iron Dome) على الأراضي الإماراتية. وانضمت أبوظبي إلى إسرائيل في شنّ مئات الضربات على إيران.

وقال مسؤول أمريكي ، اشترط عدم الكشف عن هويته: «إسرائيل قدّمت للإمارات خدمةً جليلة في هذه الحرب. أبوظبي لن تنسى ذلك».

بيد أن ثمة فوارق جوهرية بين الكتلتين. فرغم التعاون العسكري الإماراتي-الإسرائيلي، تبقى العلاقة بينهما بعيدةً عن الأضواء.

قال Theodore Singer، ضابط الاستخبارات الأمريكية السابق : «للوهلة الأولى، يُحقّق التكتّل الإماراتي-الإسرائيلي مكاسب ملموسة لكلا الطرفين، غير أن اتفاقية مكة قد تكون في نهاية المطاف أوسع صدىً وأقل انتهازيةً في طابعها».

«نادي مكة قابل للتوسّع»

حين أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu أنه زار الإمارات في ذروة الحرب على إيران، سارعت أبوظبي إلى نفي البيان الرسمي. وقد كشف ذلك التذبذب الدبلوماسي المحرج عن حقيقةٍ يدركها كثيرون: أن هذا التحالف لا يحظى بشعبية خارج الأوساط الإسرائيلية والأمريكية.

في المقابل، احتُفي باتفاقية مكة على الملأ، إذ أُعلن أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني Shehbaz Sharif، والرئيس التركي Recep Tayyip Erdogan، اجتمعوا لأداء صلاة الجمعة في أقدس بقاع الإسلام.

والإمارات وإسرائيل تتعاونان منذ عقود، وقد اكتسبت علاقتهما غطاءً رسمياً عام 2020 حين اعترفت أبوظبي بإسرائيل في إطار اتفاقيات أبراهام التي رعتها الولايات المتحدة. ويجمعهما العداء لإيران من جهة، وللتيارات المنتسبة إلى جماعة الإخوان المسلمين من جهةٍ أخرى. وقد يُضاف إلى ذلك التنافس المتصاعد بين أبوظبي والرياض، التي رفضت حتى الآن الاعتراف بإسرائيل.

كذلك رسّخت اتفاقيات أبراهام الدعم الأمريكي لأسرة آل نهيان الحاكمة في الإمارات، حتى في الوقت الذي تُوازن فيه أبوظبي علاقاتها بين واشنطن وبكين.

غير أن بعض المحللين يرون أن التحالف الإماراتي-الإسرائيلي يفتقر إلى العمق الاستراتيجي، وأن اتفاقية مكة تمثّل في بعض الوجوه نقيضه الحقيقي.

قال Ayham Kamel، المستشار الجيوسياسي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، في إشارةٍ إلى اتفاقيات أبراهام: «التحالف الإماراتي-الإسرائيلي اتفاقٌ سياسي في ظاهره، لكن الركيزة الحقيقية التي تُحرّكه هي العناصر العسكرية والاستخباراتية». وأضاف: «أما اتفاقية مكة، فأساسها عسكري لكنها تحمل ثقلاً سياسياً بالغاً»، مشيراً إلى أن الاتفاقية تقوم على التزامٍ دفاعي مشابه للمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (NATO).

وغياب العمق الاستراتيجي ليس مجرّد تقييمٍ نظري، بل هو واقعٌ جغرافي ملموس بالنسبة لإسرائيل والإمارات. فالإمارات تُوسّع قاعدةً عسكرية لها في صوماليلاند، وتُشير مصادر في منطقة القرن الأفريقي إلى احتمال استخدامها من قِبَل إسرائيل، وإن كانت صوماليلاند لا تعترف بها سوى إسرائيل. كما تربط إسرائيل علاقاتٌ وثيقة بشكلٍ خاص مع اليونان، فيما تتنامى الروابط العسكرية والاقتصادية لكلٍّ من إسرائيل والإمارات مع الهند وإثيوبيا.

بيد أن الإمارات لا يتجاوز عدد مواطنيها مليون نسمة، وإسرائيل لا يتخطى عدد سكانها 10.2 مليون نسمة. وقلائل من جيرانهما يرغبون في الشراكة مع إسرائيل، فيما تعمّقت مشاعر الريبة منها في العالم الإسلامي الأوسع جرّاء حربها على غزة، التي وصفتها الأمم المتحدة وعشرات منظمات حقوق الإنسان بالإبادة الجماعية.

وخلص Kamel إلى القول: «التعاون الإماراتي-الإسرائيلي أكثر رشاقةً وفاعليةً في تحقيق الأهداف. أما اتفاقية مكة فستسير ببطء وستحتاج إلى وقت، لكنها تملك قاعدة دعمٍ شعبي واسعة. والنادي قابلٌ للتوسّع».

وعلى الورق على الأقل، تبدو اتفاقية مكة قوةً لا يُستهان بها.

«تصوّرات مختلفة للتهديد»

تمتلك تركيا ثاني أكبر جيشٍ في حلف NATO، والمملكة العربية السعودية الاقتصاد العربي الوحيد في مجموعة العشرين (G-20)، وباكستان الدولة المسلمة الوحيدة المالكة للسلاح النووي.

والمملكة العربية السعودية وباكستان حليفتان فعليتان منذ عقود؛ إذ قدّمت الرياض دعماً مالياً لإسلام آباد في مرحلة امتلاكها السلاح النووي، وطالما شغل الضباط والطيارون الباكستانيون مناصب في المنظومة العسكرية السعودية، فيما تُمثّل المملكة شريان نجاةٍ مالياً لإسلام آباد.

لكن البلدين يواجهان تهديداتٍ مختلفة. فالمملكة العربية السعودية تنظر إلى إيران باعتبارها التهديد الأشد خطورة، وقد تحالفت عام 2015 مع الإمارات لمواجهة الحوثيين في اليمن، في حين آثرت باكستان عدم الانخراط العسكري، وظلّت علاقاتها الأكثر دفئاً مع طهران تُعيّنها في دور الوساطة.

أما على الصعيد التركي-السعودي، فقد قضت الخلافات حول ملف الإخوان المسلمين سنواتٍ في تسميم العلاقة بين أنقرة والرياض. ففي مصر، دعمت المملكة عبد الفتاح السيسي الذي وصل إلى السلطة عبر انقلابٍ أطاح بالرئيس الراحل محمد مرسي، المنتخب ديمقراطياً والحليف الوثيق لـ Erdogan. وبلغت العلاقة بين الرياض وأنقرة حضيضها عام 2019 حين سرّبت تركيا تسجيلاتٍ صوتية كشفت ملابسات اغتيال الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في أنقرة. ولم تتقارب تركيا والمملكة العربية السعودية إلا مؤخراً، في ملفّاتٍ مشتركة كسوريا والسودان.

قال Neil Quilliam، الباحث المشارك والخبير في شؤون الخليج في مؤسسة Chatham House : «التوافق السعودي-الباكستاني-التركي أكثر تعقيداً، نظراً لأن كلاً من هذه الدول تعمل في بيئاتٍ إقليمية مختلفة وتتباين تصوّراتها للتهديد تبايناً ملحوظاً. وسيتطلّب الأمر جهداً كبيراً وإرادةً سياسية راسخة لكي تجد هذه الدول الثلاث صيغةً للعمل المشترك وتحقيق التشغيل البيني».

وقد زادت الحرب على إيران من متانة الروابط بين إسرائيل والإمارات؛ فقد كشف في مايو عن إنشاء البلدين صندوقاً مشتركاً للتسليح والمشتريات الدفاعية. ووصف Quilliam التكتّل الإسرائيلي-الإماراتي بأنه «أكثر قابليةً للتنفيذ الفعلي»، مضيفاً: «هذه العلاقة أتيح لها الوقت الكافي للترسّخ، واجتازت اختباراتٍ عديدة منذ توقيع اتفاقيات أبراهام، وشهدنا تقارباً متزايداً بين البلدين منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران».

أيّ التحالفين أكثر تكاملاً عسكرياً؟

أعلنت تركيا يوم الخميس أن حلفاءها الجدد سيُجرون تدريباتٍ عسكرية مشتركة وسيُعمّقون التعاون في الصناعات الدفاعية، وهو هدفٌ محوري بالنسبة لأنقرة التي تسعى إلى تسويق طائراتها المسيّرة وأنظمة تسليحها الأخرى في منطقة الشرق الأوسط.

الولايات المتحدة وتركيا حليفتان في NATO، فيما اعتمدت المملكة العربية السعودية تاريخياً على واشنطن مورّداً رئيسياً للسلاح. وقد أنتجت باكستان وتركيا معاً سفناً حربية صغيرة تُعرف بـ«الكورفيتات» (Corvettes)، فضلاً عن مقاتلة Kaan، وتعملان على إنتاج صواريخ مضادة للدروع تركية الصنع. أما المملكة العربية السعودية فتتطلّع إلى بناء صناعةٍ دفاعية وطنية.

غير أن التكامل العميق يُخفي في طياته تحدياتٍ جدية. فالمورّد العسكري الرئيسي لباكستان هو الصين، وتسعى تركيا إلى بيع مقاتلة Kaan للمملكة العربية السعودية، لكن الرياض تتطلّع إلى الحصول على مقاتلة F-35. ويُفيد مسؤولون أمريكيون بأن الرياض لن تُقدم على الأرجح على الصفقتين معاً.

وباكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية لن تُضاهي في أيٍّ من الأحوال عمق التعاون الدفاعي الإسرائيلي مع الولايات المتحدة، وهو تعاونٌ مكرّسٌ في نصوص القانون الأمريكي. وإسرائيل تُمارس ضغوطاً علنية لمنع المملكة من الحصول على مقاتلات F-35.

قالت Elizabeth Dent، الباحثة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (Washington Institute for Near East Policy) والمسؤولة السابقة في وزارة الدفاع الأمريكية المعنية بملف الخليج : «تمتلك إسرائيل قاعدةً صناعية دفاعية واسعة، وجهازاً استخباراتياً ضخماً، ومنظومة دفاعٍ جوي وصاروخي مُختبرة ميدانياً ومندمجة في منظومة الأمن الإقليمي التي تقودها الولايات المتحدة». وأضافت: «والإمارات تمتلك في معظمها منظومات أمريكية متوافقة مع الأنظمة الإسرائيلية، إلى جانب الإمكانات المالية والنفوذ الإقليمي».

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن مجرّد إعلان تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان اتفاقيتهم بصورةٍ رسمية وعلنية يمنحها مساحةً للنموّ، ربما بأشكالٍ لا يستطيع التحالف الإماراتي-الإسرائيلي تحقيقها.

وقالت Dent إن اتفاقية مكة «تتضمّن عمقاً استراتيجياً أكبر والتزاماً أكثر إلزامية بالدفاع المشترك، مما قد يُوفّر في نهاية المطاف رادعاً أكثر مصداقية. غير أن هذه الدول ليست مندمجةً بعد، ولا يزال أمامها طريقٌ طويل».

أخبار ذات صلة

Loading...
جندي إسرائيلي مسلح في الضفة الغربية مع أشخاص يراقبون من سطح مبنى، في سياق نقل صلاحيات إنفاذ القانون من الجيش إلى الشرطة المدنية.

الاحتلال يُحوّل إنفاذ القانون بالضفة من الجيش إلى الشرطة

تتجه إسرائيل نحو نقل صلاحيات الشؤون المدنية في الضفة الغربية من الجيش إلى الشرطة، في خطوة تسرّع ضم الأراضي المحتلة وتغير موازين القوة الأمنية. اكتشف تفاصيل هذا التحول وتأثيره على مستقبل المنطقة وقراءة المزيد الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
أشخاص فلسطينيون يقفون على تلة قرب بقايا جدار مهدّم في قرية قصرة بالضفة الغربية، في سياق حصار المستوطنين الإسرائيليين للمنازل الفلسطينية.

الفلسطينيون في قرية قصرة بالضفة الغربية تحت حصار المستوطنين لليوم السادس

تعيش عائلات فلسطينية في قرية قصرة حصاراً مستمراً من مستوطنين إسرائيليين، مع انقطاع المياه والكهرباء وتهديد منازلهم. اكتشف تفاصيل الحصار والصراع المستمر وادعم حقوقهم الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
كاهن مسيحي مسن في كنيسة حجرية قديمة في قرية الطيبة بالضفة الغربية، وسط أجواء هدوء تعكس التوترات المستمرة مع المستوطنين.

الاستيطان لا يتوقّف: قرية الطيبة المسيحية تحت نيران العنف رغم الأوامر العسكرية

تتعرض قرية الطيبة في الضفة الغربية لاعتداءات مستمرة من المستوطنين تهدد أراضيها وزراعة الزيتون، رغم إعلانها منطقة عسكرية مغلقة. اكتشف تفاصيل الصراع وادعم حق السلام الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
طائرات هليكوبتر وسفن حربية في تشكيل بحري يعكس التعاون العسكري والتحالف البحري متعدد الجنسيات لضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر.

تركيا تنضم إلى التحالف السعودي للدفاع البحري في البحر الأحمر

تركيا تنضم رسمياً لتحالف بحري متعدد الجنسيات بقيادة السعودية لضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر وحماية التجارة الدولية. اكتشف تفاصيل التعاون الأمني الجديد واستمر في القراءة.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية