سيدي بوزيد بين أمل الثورة وصمت السياسة
خمسة عشر عاماً بعد شرارة الثورة في سيدي بوزيد، المدينة تعيش أزمة اقتصادية خانقة وإحباط سياسي عميق. الحرب على غزة أعادت إحياء النقاشات السياسية وأشعلت غضب السكان من خطاب الحكومة الفارغ ودعمها المحدود لفلسطين وورلد برس عربي.

قبل خمسة عشر عاماً، كانت هذه المدينة التي غيّرت وجه العالم العربي.
من هنا أشعل بائع الخضر محمد البوعزيزي النار في جسده، بعد أن تحرّش به عناصر السلطة المحلية وأهانوه وصادروا عربته، فأشعل بذلك انتفاضةً أطاحت بالرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، وألهمت موجة ثوراتٍ اجتاحت المنطقة من المحيط إلى الخليج.
أما اليوم، فالسوق لا يزال يدبّ فيه الحياة بإيقاعاتها المألوفة: تجّارٌ يساومون على الأسعار، وزبائن يتفحّصون الفاكهة التي باتوا يجدون صعوبةً متزايدة في تحمّل ثمنها. المشهد يوحي بالعادية.
غير أنّ ما تحت السطح مختلف. يقول السكّان إنّ ثمّة شيئاً قد تبدّل لا لأنّ الأزمة الاقتصادية التونسية انفرجت، ولا لأنّ الثقة في السياسة عادت.
بل يُشير كثيرون إلى حدثٍ يبعد أكثر من 2,000 كيلومتر: الحرب الإسرائيلية على غزة.
في سيدي بوزيد، بات التضامن مع الفلسطينيين متشابكاً مع إحباطات الناس اليومية من الفقر المتعمّق ومن منظومةٍ سياسية يقولون إنّها أقصتهم وأشعرتهم بالعجز.
وقد فعلت الحرب شيئاً لم يتوقّعه كثير من المحلّلين: بعد سنواتٍ من الخمول السياسي وتصاعد قبضة الرئيس قيس سعيّد الاستبدادية، يقول سكّان المدينة إنّ الحملة الإسرائيلية الإبادية أعادت إليهم دافعاً للكلام في العلن.
قال وجدي، بائع الفاكهة : "قادتنا خذلونا. ماذا فعل زعماء المسلمين لفلسطين؟ لا شيء. لا شيء على الإطلاق."
وأضاف: "يُقال لنا كلّ يومٍ إنّ تونس تقف مع فلسطين، لكن ماذا فعلت حكومتنا فعلياً؟ الرئيس لا يفعل سوى الكلام. أُتيحت له فرصٌ للتحرّك عملياً، للضغط دولياً، لمحاسبة حكوماتٍ أخرى، لكنّنا لم نرَ شيئاً. لقد تعبنا من كلامه الفارغ."
بالنسبة لوجدي وعددٍ من التونسيين الذين تم اللقاء بهم ، باتت غزة فتيلاً سياسياً متفجّراً يتقاطع بعمقٍ مع الشأن الداخلي. لقد غدت مقياساً للهوّة بين الخطاب الرسمي والفعل السياسي، وأعادت فتح نقاشاتٍ كانت قد خبت منذ يوليو 2021، حين علّق سعيّد عمل البرلمان وأقال رئيس الحكومة ومنح نفسه صلاحياتٍ استثنائية، في خطوةٍ وصفتها منظمات حقوق الإنسان والمعارضة السياسية بالانقلاب.
في البداية، رحّب كثيرٌ من أبناء سيدي بوزيد بتمركز السلطة في يد سعيّد، أملاً في أن تكسر رئاسةٌ قويّة سنواتٍ من الشلل السياسي. لكنّ الأزمة الاقتصادية ازدادت وطأةً، وفقد كثيرٌ من التونسيين الإيمان بأنّ السياسة قادرةٌ على تحسين أحوالهم.
تراجعت نسب المشاركة في الانتخابات، وخفت النقاش العام، وانصبّ اهتمام الناس على تدبير أمور المعيشة.
بعد خمسة عشر عاماً على إشعال فتيل الثورة، لا تزال سيدي بوزيد من أفقر ولايات تونس. لم تتحقّق الاستثمارات الموعودة، والبطالة متجذّرة، وكثيرٌ من الشباب يرون في الهجرة لا الإصلاح مخرجهم الوحيد. ومع تحوّل التسوّق اليومي في ظلّ التضخّم إلى حسابٍ دقيق، يقول التجّار إنّ الزبائن الذين كانوا يشترون الخضر والفاكهة بالجملة باتوا لا يأخذون إلا ما يكفي أياماً قليلة.
قال وجدي وهو يراقب المتسوّقين يتنقّلون بين البسطات: "الجميع أصبح أكثر فقراً."
غزة تُعيد الأنظار إلى الداخل
حين شنّت إسرائيل حربها الإبادية على غزة، اندلعت مظاهراتٌ سريعة في أرجاء تونس. عشرات الآلاف نزلوا إلى الشوارع في تونس العاصمة وسائر المدن، وشهدت سيدي بوزيد بدورها تجمّعاتٍ شعبية حول قضيةٍ سياسية للمرّة الأولى منذ زمن. رُفعت الأعلام الفلسطينية بكثافة، وضمّت المسيرات وجوهاً لم تشارك في أيّ احتجاجٍ منذ سنوات.
قال السكّان إنّ تلك التظاهرات أصبحت أحد الفضاءات النادرة التي شعروا فيها بحرية التعبير السياسي بعد سنواتٍ من الصمت.
لكنّ مع ارتفاع حصيلة الشهداء في غزة، بدأ كثيرون يتساءلون لماذا يبدو دعم تونس مقتصراً على الخطب؛ فرغم إدانات سعيّد المتكرّرة لإسرائيل، لم يلحظ السكّان أيّ جهدٍ حقيقي لترجمة ذلك الخطاب إلى تحرّكٍ دبلوماسي فعلي أو قيادةٍ إقليمية.
قالت أميمة، ربّة بيت تبلغ 26 عاماً : "لا أعتقد أنّ تونس فعلت شيئاً ذا معنى. لم نشهد مساعي دبلوماسية جدية أو محاولاتٍ لبناء تحالفٍ دولي. لماذا لم تكن تونس في طليعة المتحرّكين أمام المحاكم الدولية كالمحكمة الجنائية الدولية، أو في مقدّمة من يسعى لتوحيد الدول الأفريقية حول موقفٍ مشترك؟"
وأشارت إلى جنوب أفريقيا التي تقدّمت بدعوى الإبادة الجماعية ضدّ إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية (ICJ)، ونالت دعماً واسعاً من دول الجنوب العالمي.
وأضافت: "تقدّمت دولٌ أخرى بينما بقيت تونس، رغم كلّ تصريحاتها عن دعم فلسطين، على الهامش. كنت أتوقّع أكثر من ذلك بكثير."
ردّد عددٌ من السكّان هذه المخاوف، وتساءلوا لماذا لم تسعَ تونس إلى توحيد الحكومات الأفريقية حول موقفٍ مشترك، أو إلى استثمار المسارات القانونية الدولية ضدّ إسرائيل كما فعلت دولٌ أخرى.
"أفعال الحكومة تقول عكس ذلك"
بينما كانت السلطات تُقدّم تونس على أنّها داعمٌ راسخ لفلسطين، شرعت في الوقت ذاته في ملاحقة ناشطين شاركوا في حملة أسطول الصمود العالمي (Global Sumud Flotilla)، ممّا أذكى اتّهاماتٍ بأنّ الحكومة تسعى إلى احتكار التضامن مع غزة، وتسمح بدعم الفلسطينيين فقط ضمن الأطر التي ترسمها الدولة، فيما تتعامل مع النشاط المستقلّ باعتباره تهديداً سياسياً.
قال خليل الحبيبي، الناشط التونسي المشارك في حملة أسطول الصمود، إنّ سعيّد يسعى إلى "ضرب فكرة العمل الجماعي المستقلّ في الصميم."
وأضاف : "النظام يُبدي فرط حساسيةٍ تجاه أيّ تحرّكٍ ميداني في الشارع، حتى حين يرفع المحتجّون شعاراتٍ معتمدةً رسمياً كدعم فلسطين. إنّه يرفض أن يتحرّك الناس باستقلاليةٍ خارج الأطر الموجَّهة. ولأنّ الشباب الناشط ومنظمات المجتمع المدني تمتلك قدرةً على التعبئة والتأثير في الرأي العام، يتعامل معها النظام باعتبارها تهديداتٍ سياسية مباشرة ومنافسين محتملين."
أمّا محمد، الشاب العاطل عن العمل البالغ 22 عاماً والحاصل على شهادة الثانوية، فتساءل لماذا اكتفت تونس في معظمها بإدانة إسرائيل دون أن تقود أيّ حملةٍ ذات معنى.
وقال: "الحكومة تقول إنّها تدعم فلسطين، لكنّ أفعالها تقول عكس ذلك. اعتقلت ناشطين أناساً كانوا يحاولون التعبير عن تضامنهم مع الفلسطينيين. كيف تدّعي الدفاع عن فلسطين وأنت تُجرّم من يقف في صفّها؟ هذا خيانةٌ للقضية."
ورأى محمد أنّ خطب سعيّد في إدانة إسرائيل باتت خاليةً من الثقل ما لم تُرافقها خطواتٌ سياسية ملموسة.
وأضاف: "لو كان جادّاً حقاً، لعمل مع الجزائر وليبيا وسائر الدول الأفريقية على إيجاد سبلٍ لوقف وصول الأسلحة إلى إسرائيل، براً أو بحراً أو جواً. لكنّنا لم نسمع سوى الكلام بينما تواصل غزة نزيفها."
يبقى السؤال مفتوحاً: هل تُمثّل الحرب على غزة بداية صحوةٍ سياسية أشمل في تونس؟ سنواتٌ من الضائقة الاقتصادية والقمع وخيبات الأمل السياسية جعلت كثيراً من السكّان يتحاشون التنبّؤ بانتفاضةٍ جديدة.
قلّةٌ في سيدي بوزيد تتحدّث صراحةً عن تكرار ما جرى عام 2010. لكنّهم يقولون إنّ الصمت الذي خيّم على المدينة قد انكسر.
قال محمد: "الشعب لن يصمت بعد الآن. هذه الحكومة لم تفعل شيئاً لا لفلسطين ولا للقضايا الإسلامية. عليها إمّا أن تتنحّى أو أن تتحرّك، لأنّ الناس باتوا في نهاية طاقتهم. لن نتراجع."
أخبار ذات صلة

الحكومة الإسرائيلية والمستوطنون يدعون للانتقام من الفلسطينيين

المستوطنون الإسرائيليون يشنّون هجوماً على قرية فلسطينية قرب نابلس

منظمات حقوقية تطالب بتدخل لوقف "الهجمات المنظمة" على الفلسطينيين بالضفة الغربية
